الأفلام الأسبانية الجديدة :مزيج من السينما الأوروبية واللاتينية

Printer-friendly versionSend to friend

 ناجح حسن* 

تشهد السينما الأسبانية ملامح انتعاش وازدهار على أكثر من صعيد جمالي وفكري، واستطاعت أن تفرض مكانة مرموقة لها في السينما الأوروبية الجديدة، خاصة بعد سلسلة متعاقبة من أفلام قدمت في العديد من المهرجانات والملتقيات السينمائية العالمية.

لقد جرت إعادة الثقة بالسينما الأسبانية، بعد سلسلة طويلة من الجهود والمثابرة، اقترنت بمحاولات التحرر من إرث لازمها في حقبة سياسية واجتماعية شديدة الاضطراب والمعاناة، بدأت منذ العام 1935 واستمرت إلى العام 1975 ،والتي أعقبها تنظيم ندوات وقراءات عميقة في أبحاث ودراسات بأقلام نقاد وأكاديميين متخصصين مهتمين في موضوع السينما الأسبانية، تحت مظلة من الرعاية والدعم  وفرتها مؤسسات وشركات وأفراد ، جرى بموجبها استشراف لمستقبل السينما الأسبانية، ومحاولات وضع أسس راسخة لتفعيل حركة الإنتاج السينمائي، وعلى وجه الخصوص ما قامت به المحطات والقنوات التلفزيونية ورجال الأعمال، بعد أن انتاب تلك الجهات إحساس بأن السينما الأسبانية تسير في منزلق خطير وجارف إذا لم تتصد لهذه الحالة، التي كادت أن تنزلق بها في ركام من الأفلام الهابطة .

 ولئن كان اسم المخرج السينمائي الأسباني المخضرم كارلوس ساورا، قد عوض بقائمة أفلامه المنجزة في أكثر من حقبة زمنية ذلك التقصير الفاضح في مسار السينما الأسبانية عموماً، فان ذلك لم يحل دون وجود العديد من أصحاب الأسماء القادمين من بلدان ناطقة  باللغة الأسبانية من ذوي الشهرة العالمية، قبل أن تقود موجتهم السينمائية إلى ميلاد جيل شاب أخذ على عاتقه عملية النهوض بالسينما الأسبانية، كما برز في أسماء بيدرو المودفار، اليخاندور امينابار، رافاييل سكولار.. وسواهم ممن أعقبهم من  المخرجين والمخرجات الجدد الذين بشروا بمشاريع أفلامهم الأولى بميلاد تيار سينمائي لافت يمتلك خصوصيته الإبداعية، بعد أن توفرت لهم امكانيات إنتاجية وتوزيعية داخل منظومة من تدابير وفرص ومبادرات إنتاجية مشتركة بين مؤسسات وشركات داخل أسبانيا، أو نتيجة لاتفاقات موقعة مع أطراف أوروبية.

ازداد الإنتاج الكمي للأشرطة السينمائية داخل أسبانيا، وامتد إلى بلدان أخرى ناطقة باللغة الأسبانية، وبالذات القارة الأميركية اللاتينية، وذلك عبر إتاحة الفرصة مخرجين شبان جدد بإنجاز مشاريعهم المؤجلة، وعرضها ضمن مسابقات وبرامج تحفل بها الحياة السينمائية بأسبانيا، أو ضمن فعاليات مهرجان سان سابستيان في قسم سينما تحت الإنشاء، إضافة إلى الاحتفالية السنوية التي يطلق عليها جوائز غويا السينمائية.

الأعوام الخمسة عشرة الأخيرة، حملت ارتفاعاً في عدد المترددين على الأفلام الأسبانية، ليس في حدود اسبانيا فحسب وإنما تعداها إلى قدرة الأفلام الأسبانية المنتجة على المنافسة على إيرادات شبابيك التذاكر في أكثر من عاصمة عالمية، بعد أن توج النقاد أصحاب طاقات إبداعية مميزة من صناع السينما الأسبانية، في أكثر من مهرجان ومناسبة عالمية، حصدت على إثرها جوائز رفيعة، ونالت استحسان الحضور المتنوع الثقافات والحضارات، نظراً لبراعة مخرجيها وأساليبهم الثرية في النهل من لغة الصورة، التي تطرح مواضيع وقضايا إنسانية مفعمة بالشاعرية والعمق. .

  الفيلم الأسباني "العودة "  يناقش فيه مخرجه الذائع الصيت بيدرو المودفار صاحب العديد من الأفلام المتميزة، بجرأة جمالية وفكرية قضايا اجتماعية تتعلق بالمرأة، والأنماط الحياتية السائدة في بلد أوروبي مثل أسبانيا، مدعوما بأسلوبية مبتكرة، وهو الفيلم الذي رشح لجائزة اوسكار أفضل فيلم أجنبي ، وفيه يقترب من أسلوبية المخرج الإيطالي فيدريكو فيلليني بقدرته على جذب المشاهد إلى التعاطف مع شخصيات تنتابها سلوكيات مغايرة، لكنها محملة بأشواق وآمال طافحة في التمرد على واقعها الصعب والقاسي، في عالم مجبول بسحر الصورة الذي يتجاوز الواقع، إلى منحى رمزي وسايكوباتي يفيض بالأسئلة، والمواقف المعبرة عن أوجه العزلة والخواء الإنساني، والذي يصيب بطلاته من النساء اللواتي يزدحم بهن الفيلم على خلفية ارتكاب إحداهن لجريمة قتل زوج طائش.

ومن السينما الأسبانية الجديدة تحضر أفلام : " ملحق " لرفائيل اسكولار، عن الصدفة التي تجمع أنماطاً من البشر في لحظات حرجة، فهناك المرأة العجوز التي فقدت كل عائلتها، وبين فتاة فيتنامية صغيرة جرى بيعها لفلاح أسباني، وهناك رجل الشرطة الذي يبحث عن زوجة تمنحه الاستقرار، والذي فاته الزواج بسبب انهماكه بالعمل المتواصل، قبل أن يلتقي أثناء رحلة بقطار برجل مندوب لإحدى شركات التامين، وتاخذهما ذاكرة ليست بعيدة، في تناول تفاصيل دقيقة من سلوكياتهم اليومية، وعلاقاتهم المتباينة، في حياة مليئة بالأحداث والتفاصيل التي تلخص أزمة مجتمع بأكمله.

وعن قصة مستمدة من وقائع حقيقية، يتتبع المخرج الأسباني اليخاندور امينا بار بفيلميه البديعين: " البحر في داخلي " و" اغورا"  عذابات بطليه. الأول تعرض إلى حادث مأساوي أصابه بالشلل أقعده السرير، الأمر الذي يجعله يُطل بشكل دائم من نافذة بيت ريفي على البحر، فهو لا يستطيع تحريك سوى رأسه، ويسهر على الاعتناء بحالته زوجة شقيقه وأولاده الصغار، لكنه يظل يحلم دوماً بالسفر والطيران فوق مياه البحر، ويجول كطائر فوق مشاهد الطبيعة الخلابة، لكنه لا يلبث أن يضع حداً لحياته في ميتة كان قد اختارها بإرادته، في حين يختار بطله في الفيلم الثاني امرأة تسعى الى التحرر والانعتاق من قيود حقبة زمنية تاريخية، وصمودها الشجاع أمام سطوة افكار وتقاليد سادة وحكماء وقادة.

استطاعت تلك الأسماء صاحبة التجارب والمعالجات السمعية البصرية المبتكرة، أن تحقق نجاحات متتالية في السينما العالمية حيث قامت الشركات السينمائية الكبرى في هوليوود على إثرها بإعادة نسخ بعض من تلك الأفلام في أعمال أميركية .. وفوق هذا فقد عرضت على أسماء مخرجين ونجوم لامعين في السينما الأسبانية العمل داخل هوليوود، وفي هذا الشأن نسذكر جدلية صناعة فيلم " الآخرون " للمخرج امينابار، إضافة إلى الظاهرة النجومية التي تعدت أسبانيا إلى السينما العالمية، كما في حالة الممثلة بينلوب كروز، والممثل انطونيو باندارايس وزميله جافيم بارديم،.. وهو ما فتح آفاقا جديدة لتسويق الفيلم الأسباني المحمل بهويته الخاصة، الذي يسعى وراء التفاصيل والزوايا المهمشة في الزمان والمكان والشخصيات، ويرصد مناحي التغيير الاجتماعي والسياسي والإنساني، والذي يبدو في بعض منها صرخة في وجه المؤسسات والقوى التقليدية، التي ما زالت بقاياها تؤثر في مصائر الأفراد والجماعات، ويستفيد من موروثه في السينما الأوروبية، والمختزن رؤى فكرية وجماليات زاخرة بتنوع الأساليب، ما جعلها تضع بقوة وفرادة بصْمتها على خريطة المشهد السينمائي العالمي.

 

* ناقد سينمائي من الأردن