نضال برقان وقصيدة الثراء المجازي

د. إبراهيم خليل*
بعد دواوينهِ "مصاطب الذاكرة" 1999 و"مصيدة الحواس" 2003 و"مطر على قلبي" 2005 صدرت للشاعر نضال برقان مجموعة قصائد بعنوان "مجاز خفيف " (2010) لتؤكد رسوخ قدميه، ووطيد موقعه في حركة الشعر الحديث في الأردن. ومن يقرأ هذه القصائد يكتشف من النظرة الأولى، هيمنة الأسلوب المجازي الذي لا يرقى إلى حد التعسّف. ومن هنا فإن الزعم بأن القصائد تقوم على مبدأ الاقتصاد في المجاز" مجاز خفيف " وإن كنا لا نستحسنُ هذه الكلمة في هذا الموقع- زعم غير دقيق. فالمجاز في هذه القصائد - خلافا لما يوحي به العنوان- ليس خفيفا، ولا قليلا، ولا نادرًا، إلا إذا كان الغرض من النعت ألا ينسحب على المنعوت، وهو الديوان. 

ففي أولى القصائد، وهي بعنوان عتمة في الكلمات (1) - مع تجاوزنا للديباجة " حنين " – يضعنا الشاعر، وجهًا لوجه، أمام نوع من المجاز أبعد ما يكون عن الخفة. فمن العتمة في الكلمات، إلى الحب الذي يربيه العاشقان مثل طفل يحنو عليه الأبوان ويحدبان، إلى حب كالقطار لا يمل الحبيبان انتظاره، فإلى الريح التي تأكل، والصمت الذي يتلون بألوان، فإلى الشخص (المتكلم) الذي ينداح في الكلمات..  تبدو المجازات ملتفا بعضها في بعض، فالصمت بحْر، والحلم حكاية تروى، والمرآة كأنما هي مغفرة تضلّ في الطريق، وفي هذا الفيض من المجازات تجبهنا أبيات عدة تخلو من أي تعبير مجازي:

لا تبتعد يا نهرُ، لا تترك فمي 

من غير ما كلم، ولا قلبي ظمي

عيني بعينك في الزمان ولا أرى

إلا سواك (2) كأنني ليلٌ عمي 

وكأن ما بيني وبينك واضحٌ 

حد الغموض ،

فلا أراك، وأنت تحرس أنجمي 

لا تبتعد يا نهر إلا في دمي(3) 

هذا المقطع- إذا ساغ أنْ يسمى مَقْطعًا -  يدنو من الكتابة الشعرية المباشرة. وقد أنقذه من ذلك، ورفع عنه وزْرَ التقرير، وعقبى التعبير الذهني، ما تضمنه من مفارقة لفظية تتجلى في قوله " واضحٌ حدّ الغموض " فهذا التضاد اللفظي، أو التنافر الدلالي، حلّ محل التعبير المجازي الذي غاض في هذه البيات ونضب. ولا يفتأ الشاعر في قصيدته التالية يعود إلى سيرته الأولى، ونهجه  السابق، فيأتينا بقصيدة " مرثية أخرى "(4)  التي توغل إيغالاً في المجاز؛ فمن شرفة القلب، إلى باب يرتدي بزة كالإنسان، بابٍ له روح، كالطريق الذي له أبناؤه. وحتى الفرح يستحيل مًطرًا " ثم أمطرُ من فرحي " (5) والجسد يغدو كرْمة تتدلى منها عناقيد التشبّث بالأرض. ومثلما فاجأنا في " العتمة في الكلمات " يفاجئنا - هنا - بتحول القصيدة من إيقاع لآخر، فالوزن – مع احتفاظه بالوحدة الإيقاعية المتكررة في المتقارب، ينحرف عن هذا المسار لآخر يلتزم فيه قالب البحر، وتكرار القافية الواحدة، كأنه يجمع بين القصيدة الحرة، والقصيدة التقليدية، في نسق:

أشدّ الرحال إليك كليل 

يشد الرحال لبحر الظلام ِ

وفيك أمدّ يدًا لي كمعنىً 

يحاول كينونة في الكلام ِ

فأينك(6) لست هنا أو هناك 

كأني خيالٌ، ومحض منام ِ

ومن  المجاز يعدلُ الشاعر إلى الصورة القائمة على الاستعارة تارة (يحاول كينونة) مع أنَّ الاستعارة نوع من المجاز اللغوي، فإلى التشبيه تارة " كمعنىً" و " كأني خيال " وكأني " محضُ منام " ومثل هذا الاندغام بين المجاز والصورة، بنوعيها: الاستعاري، والتشبيهي، يؤكـّد، بما يقنع القارئ المتردد، أنّ المجاز في هذا الديوان ليس خفيفاً، بل هو مجاز مكثف، دون أن يتجاوز الاعتدال إلى الاعتساف. يقول الشاعر في قصيدة بعنوان " كلام في الحديقة " (7) ما يأتي:

في الحديقة 

كان يرفرفُ قلبي

حواليكِ من فرْطِ بهجته

بينما

تجمعين الأغاني التي 

عزقت في الصدى

وتعيدينها من جديد إلى أمها الأرض دون أذى(8)

فمن يتأملْ هذا " المطلع " يدركْ بيسر اكتظاظه بالمجاز، فالحديقة - ها هنا - ليست حديقة حقيقية، بدليل أن المرأة التي يخاطبها المتكلم العاشق تعيد جمع ما تفرق من الأغاني، وتزْرعها في الأرض مثلما يزرع الفلاح الفسائل، والأشتال بعد اقتلاعها من الحياض، كذلك القلب يرفرف، والعزْقُ هنا استعمال مجازي بلا ريب، لأن الأغاني نبت يعزق من باب المجاز اللغوي، والأرض أم تبرّ، وتحنو، على هاتيك الأغاني. مع هذا قد يتراءى للمتكلم العاشق، في موضع من القصيدة، أن يعود إلى ذكر الحديقة، مؤكدًا أنها حديقة حقيقية، وليست مجازًا. أما الرفاق الذين ينسكبون، فصورة فيها من المجاز ما يسوغ الحديث عن الفارق بين النثر " النثر أسرع للفجيعة" والشعر " لكن الشعر أوفى " (9) وقد يتجلى المجاز الشعري في تلك الصورة التي تتكرر لدى نضال برقان، وأعنى بها انشطار المتكلم اثنين، أحدهما يتحدث عن الآخر كما لو أنه شخصٌ ثان. " أتمّمُني " مرة ، و" حتى أراني " مرة أخرى. ويلتبس هذا- أيضا- في صورة المرأة التي يخاطبها بتعبير مجازي غير خفيف عن الحبّ:

كأنك لا تسمعين يدي 

لا ترين ندائي

كأنّ العصافير عادت لأعشاشها فيك 

من غير أن تستدل على الماء في ّ

كأنك لا تشبهين القصيدة

تلك التي سوف أكتبُها

في غيابك عن خيبة الحب فابقيْ

على حافّة الدمع حتى أتمّ القصيدة 

حتى أتمّمني في غيابك، 

حتى أراني.(10)

فالنداءُ، والأيدي، والعصافير التي تعود، والماءُ، والقصيدة التي ستكتبُ، والحب الخائبُ، والدمع الذي يترقرق، عناصر حقيقية، وذات وجود فعليّ، في الواقع، غير أن القصيدة قدمتها لنا في صورة مجازية شديدة الإتقان، والأسْر، وجاء قوله " أتمّمُني" و" أراني " ليؤكد لنا إحساس الشاعر بوحدة الوجود، وحدة المتكلم والمخاطب، وحدة الأشياء في فنائها الصوفي في ذاته التي عبر عنها بياء المتكلم، فهو لا يكتمل إلا بتلك الأشياء، ولا يرى ذاته إلا برؤية هاتيك العناصر، وبما أنّ اكتمال القصيدة رهنٌ بهذا التوحّد، وبتلك الرؤية، فإنّ القصيدة – والحال هذه- تتحقـّق في هيئة تعبير مجازي عن الكوْن، وعن الذات، بدرجةٍ أكبر. ويتكرَّرُ هذا الوله المجازي في قصيدة له أخرى بعنوان " دُعاءٌ بلا صدى" (11):

لو تعلمينَ

لقد أضعتك فيّ 

ما عادتْ ترى عينايَ غيري، 

لستُ أسْمع غير صوتي، 

لم أعد أقوى على شيءٍ سوى التذكارِ، 

رائحة السلام أضعتها

وأضعتُ سَقْسَـقة الأصابع 

وهي تومئُ من بعيد 

حاضرٌ بحرْ القصيدة 

والقصيدة في الغيابة ذاتها(12) 

ولمن يرتاب في حقيقةِ ما نقولُ، ويشكّ، أن يتأمل المقطع الأخير من قصيدة نضال برقان " شرفاتٌ لا تخص نجومك " (13) ففيها يخاطب المتكلم امرأة، مُذكّرًا بالطريق التي لا تؤدّي إلى منزلها، وفي ذلك ما فيه من إحساس بالفراق، وعدم التواصل، وعلى نحو مفاجئ تهبط على القارئ صورة الحبّ الذي ينتهي، إذ تعصف به الريح، وتصبح العتبات مقفرة بلا ياسمين، كأنها قبور مفتوحة، ومؤجلة، تنتظرُ الطيبين من الموتى:

في الطريق

الذي لا يؤدّي لدارك 

تعصفُ ريح النهايات بالحبّ 

قبل لقاء المُحبّين

والعتبات بلا ياسمين

قبورٌ مؤجَّلة 

بانتظار المساء وأبنائه الطيبين(14) 

ولا نظنّ القارئ في حاجة لدليل أوضح، وبرهان أقوى، وأبْيَن، على تكثيف المجاز في هذه القصائد ممّا ذكر، وعلى تناسل المجازات بعضها من بعض، فلعل الطريق هنا ليست سوى مجاز، وكذلك الريح، والأعتاب، والياسمين، ثم نرى بعيد ذلك هذه الصورة المفجعة للقبور الفاغرة كالأفواه تنتظر الفرائس.أما إذا تجاوزنا مسألة تكثيف المجاز في قصائد نضال برقان، وذلك انطباعٌ يترسَّخُ لدى القارئ قصيدة بعد قصيدة، ونصّا تلو الآخر، خلافا لما ينمُّ عليه العنوان، فإنّ ما يتكشّفُ لنا هو أن الشاعر يواصل بعزيمة جادة، ودأب لا يفتر، ولا يلين، جهده لتشخيص لغته الشعرية على قاعدة التأصيل الذي لا يقوم على تقليد الآخر، ولا يركن للمحاكاة، والتأثر، ففي المقطع الرابع من قصيدة " القابع في الشقوق " (15) يعتمد الشاعر على التصوير الحسّي مُستخدمًا لفظة " الجوع " للدلالة على مطلق الاشتياق، بعد أنْ عبّر بها عن دلالة الموتِ، والخراب:

أخافُ عليْك من الحرْب حين تجوع

ومني أخافُ عليكِ

فهلْ تسمعين يدي 

أترين ندائي 

وهل ستمرّين بي؟ فأنا جائع 

ولديَّ الكثيرُ من الدمع 

يشتمُّكِ الآنَ في ّ(16) 

فما بين كلمة " تجوع " الأولى، والثانية " جائع " فرق كبير، وبون شاسع، ففي الأولى تشير الكلمة لويلات الحروب، فيما تشير الثانية لمطلق الاشتهاء، والتوْق، والوجد، والتلهّف للقاء الحبيب. ومثل هذا التصرف باستخدام الوحدة اللفظية في سياقين متباينين يؤكد سعيه لابتكار معجمه الشعري الخاص، ويجد القارئ المتأمل ألفاظًا كثيرة تتكرر في معجمه ككلمة الحرب، والياسمين، والصدى، والمطر، والنهر، والروح، والقلب، الطعين: 

لم أمتْ جيدًا 

خنجري بيدي لمْ يزلْ 

وفؤادي طعين 

مزيدًا من الوجْد ما بيننا 

ومزيدًا من الياسمين الحزين (17) 

مختصرُ القول أن تجربة نضال برقان الشعرية في " مجاز خفيف "  تمثلُ إضافة جديدة، ونوعيّة، لما تراكم، ويتراكمُ، من تجارب الشعراء الذين تفتح عطاؤهم في العقد الأخير من القرْن الماضي، والعقد الحالي. واعتدادُه بالمجاز ليس هينًا، ولا يسيرًا، مثلما يوحي العنوان. فالشعرُ، وفقًا لما يُجمع عليه النقادُ، والدارسون المتخصصون، القدماءُ منهم والمحدثون، تعبيرٌ مجازيٌّ عن المَعْنى. والإفراط في المجاز هو الذي يميّز لغة الشعر عن لغة النثر، وهذا ما يؤكده الشاعر في هذا الديوان.    

 

الإحالات

ـــــــــ

1. نضال برقان: مجاز خفيف، ورد الأردنية للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2010 ص13 

2. ثمة خطأ شائع في هذا فقد أدخل الشاعر أداة استثناء وهي إلا على أداة استثناء وهي سوى، والصحيح أن يقول: لا أرى سواك.

3. مجاز خفيف ص 16-17 

4. مجاز خفيف ص 20

5. مجاز خفيف ص 21

6. استعمال عامي، فالفصحى لا تجيز هذا الأسلوب في الاستفهام، والصحيح أن يقال: أين أنتِ، وأين هو؟  فالضمير المتصل بالعربية لا يتصل إلا بالأفعال أو الحروف العوامل كحروف الجر، والعطف، والتوكيد: إنّ، وأنّ، والحروف المشبهة بالأفعال مثل لعل وليت.

7. مجاز خفيف ص 23 

8. مجاز خفيف ص 27 

9. مجاز خفيف ص 34 

10. مجاز خفيف ص 41 

11. مجاز خفيف ص 50 

12. مجاز خفيف ص 53 

13. مجاز خفيف ص 55 

14. مجاز خفيف ص 59 والطريق بالعربية الفصحى مؤنثة لذا كان الأدق أن يقول التي لا تؤدي لدارك، ومع ذلك فالمحدثون من الشعراء والكتاب لا يلتزمون فيها التأنيث.

15. مجاز خفيف ص 67 

16. مجاز خفيف ص 72 

17. مجاز خفيف ص 97 

* أكاديمي وناقد من الأردن Email; ibrahim_ju2004@yahoo.com  

والدراسة فصل من كتاب يصدر قريبا  للمؤلف بعنوان "أصوات الشعر واحتمالات القراءة"