أجنحة الأسطورة تُحلّق في ديوان رضوان خديد "زهرة واحدة تكفي" 

ميلودة العكرودي*

تتصدر الأسطورة المقام الرفيع داخل القصيدة المعاصرة إذ يستعملها الشاعر كتكنيك درامي، محمل برموز كثيفة يعبر من خلالها عن أحوال الوطن العربي اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، إنها قناع يتم اللجوء إليه للتواري عن القهر؛ وديوان "زهرة واحدة تكفي" للشاعر رضوان خديد يعانق الاتجاه نفسه، حيث نلمح نبشا واضحا في الحفريات الأركيولوجية للتراث الرمزي، وهو ما ساهم في إنتاج دلالة شعرية ذات أبعاد وفيرة على المستويين الفني/الأسلوبي والنفسي.

يتخذ التشكيل الفني للأسطورة داخل الديوان ألوانا مختلفة تصطبغ بها القصائد، وأهمها:

 
الرمز الأسطوري الإغريقي:
حين تفقد الذاكرة العربية مسميات الأشياء، وتضيع هوية الذات، يتساءل الشاعر، ماذا كان اسمي ؟ لأن ديو نيزوس ملهم طقوس النشوة، إله الخمر أسكر الجميع ووزع على الندامي بطاقات تمنح الشارب "Bonus"، نخب سقوط الشعراء حين أباد الإنسانية وهيأ لحظات استمتاع داخل حياة ليست إلا كرنفالا
بنى ديونيزوس سريرا للدراما
قتل إنسانه في المسرحية
ليعيش الآخر في الكرنفال
ماذا كان اسمي ؟ سألت قصائد الرقصة  (الديوان ص 78)
هذا الممعن في العبث هو نفسه الذي يلبس جبة الفقيه فيصبح واعظا في رحاب مجتمع تنعكس فيه الأدوار، وتتغير القيم بتغير المواضيع ،وهو انتقاد لاذع لوضع سياسي واجتماعي تبحث فيه شعرية النص عن الإنسان العربي الضائع الذي عصفت به فاجعة أسقطت القيم الإنسانية من أبراجها
قرر شاعر البلاط
تقديم فنجان قهوة
ليسهر باخوس
في قدح السلطان
غير أن غواية غريبة سكنته
لبس جبة الفقيه وقام
(الديوان ص 81)
يبحث الشاعر عن العلة التي من شأنها أن تعصف بأغلال الجهل الذي دجن الأوطان وعمر الأفئدة، فلا يجد غير أسطورة "بوصيدون" إله الزلازل والعواصف البحرية الذي يحدد معالم العربي المغترب الغارق في استرجاع أمجاد تاريخ بائد، مرهون بجغرافيا الأجساد.
هذا الفؤاد حبة ملح
غارقة في نبيذ التاريخ
أو مسجونة في جغرافيا الجسد
قال اشربوا لتبحروا
قلنا نحن نغرق.
الديوان (ص: 82)
يخضع المعنى في الديوان إلى دينامية لا تجعل النص جاهزا، بل تتجه به نحو حزمة من التساؤلات التي لا تنتهي ولا تستقر، إذ يحتدم الصراع بين الأسئلة والأجوبة، لأن البعد الإيحائي/ الإرشادي يتخذ إيقاعا مبهما وغريبا يصل حد التهكم تارة من حراك الثورات في البلدان العربية الذي كانت غايته القضاء على "القهرمان" / فساد السلطة، لكنها في انعكاس سلبي تتحول إلى ثورة لإشباع أطماع ونزوات ضمائر فاسدة
تحت صورة القهرمان
يجلس أهل الدار
فقراء الليل والنهار
يتواصل النقر على طاولة الشراب  
تولد ثورة
............
...............
هذا الشعب
يريد
أردافا
ارحل مع الراحلين
الديوان (ص 92)
وتبقى صورة الفرح حينما يتراءى وسرعان ما يغيب، ليحل مكانه وضع وجودي مأزوم يلتقط له الشاعر صورة ظل عائد من مأتمه، في عينيه شرارة حزن مرير على سوء المصير.
يعيش الإنسان العربي واقعا مأزوما، يغترب فيه المثقف، يحاصره صمغ الألم داخل واحة جحيم يلبس فيها الشاعر القبر والقصيدة قناعا للاحتماء بالكلمة، كي لا يرى الغرباء علامات الحسرة وسطوة القهر.
 
الرمز التاريخي:
اعتمد الشاعر رموزا تاريخية تميزت بالثراء والكثافة، وعمق الدلالة للتعبير عن الواقع السياسي خلال مرحلة تتسم بمنطق الريبة وهو ما يفصح عنه في "الإهداء" قائلا: كتبت هذه النصوص خلال الفترة الممتدة من سنة 2010 إلى متم سنة 2014، لعله كان زمن الريبة، لذلك يستعيد الصوت الشعري شخصيات تاريخية من قبيل: هيرودوت، مؤرخ اليونان العظيم الذي يصبح كتاب تاريخه دفترا للوصايا يخط فيها المخبرون عناوين القصائد.
و"نيرون" الذي أوصله جنونه إلى إحراق روما وأشعارها وكتبها، وكل أسرار تاريخها، إلا أنه لم يتخلص مع ذلك من "الماخور"، بيت أهل الفسق والبغاء، الذي ظل عالقا على جبل الرماد، يشعر بوكر الفساد الذي ظل يلازم إحراق معالم الفكر والحياة والتاريخ.
احترقت الأشعار القديمة
والكتب المنسية في دهاليز روما
احترقت ضفائر الساقية
كل أسرار التاريخ طي يمينها
تحترق
نزل نيرون يسأل هل بين الرعية من
يكيد  ؟
بقي الماخور عالقا
على جبل الرماد
الديوان (ص 84)

الرمز الديني:
يشكل التراث الديني الوجدان العاطفي للإنسان العربي / المسلم، فهو الذي يؤطر حياته ويدفعه إلى الطمأنينة النفسية، وقد لجأ إليه الشاعر ليحدث تواصلا مع المتلقي في إطار علاقة تقوم على قدسية المدلول. فنحن داخل الديوان  نصغي إلى أصوات تنبعث من الأسطر الشعرية تقرأ بعين اليقظة الخطر الداهم الذي يتخبط فيه الحكام / الطواغيت، خطر الخيانة والأطماع الغائرة في النفوس، المتطلعة لإقتسام الثروات
لا يحبونني
أتشمون قطران الصحارى؟ ... ليس عطني
أترون بقعة الزيت على قمصاني؟
كذب النفظ ... أن البريء من دم يوسف والطين
(الديوان ص 27)
يصبح الدم في قميص "يوسف" عليه السلام، آمارة الخيانة الكبرى التي تتشظى وسطها أحلام أبناء العروبة، الذين ارتفعت أصواتهم لإسقاط أباطرة الفساد.
يرتفع صوت شارب قديم 
أن لا لقارون
(الديوان ص 91)
يظهر "قارون" في النص الشعري رمزا لكل من بغى على قومه وحرمهم حقهم في العيش الكريم، بسلب حق الفقراء من الثروات، وهو شأن قارون الذي اعتد بثرائه الفاحش، قال تعالى " إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي" فكان جزاؤه " فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ "، إذ تدخلت القدرة الإلهية لتضع حدا للفتنة وترحم الناس الضعاف من إغرائها.
ويتكرر العدد "7" داخل قصائد الديوان، فينمو بشكل لولبي كعلامة تحمل مسحة دلالات دينية يقول :
أن قبضة من روح النهار
تلمع في قوافيه
وأنه سيولد على بياض من سبع قطرات
بسبعة أحرف  ... في الفجر
(الديوان ص11)
*******
 
أنا الجالس فوق اللغة السابعة من كل سامراء
أنا القائم فوق التواريخ
فوق المصائر
فوق اللغة
(الديوان ص 26)
*******
 
توسد سوالفي سبعة أعوام
يعقد جدائلي
(الديوان ص 54)
 
لقد اختار الله عز وجل الرقم 7 ليجعل عدد السماوات سبعة وعدد الأراضين سبعة. يقول عز وجل :" اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "  كما أن كل ذرة من ذرات هذا الكون تتألف من سبع طبقات إلكترونية بعضها فوق بعض وهذا قانون ثابت في الكون كله يشهد على وحدانية الخالق كما أن فاتحة الكتاب وهي أعظم سورة في القرآن، وهي السبع المثاني التي  تتألف من سبع آيات، وفي عبادة فريضة الحج، يطوف المؤمن حول بيت الله الحرام سبعة أشواط، ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ويقوم تأويل يوسف عليه السلام لرؤيا الملك على هذا العدد، في حين كانت الريح المهلكة لقوم عاد سبع ليال.
هكذا ينهض الرقم سبعة بتباشير الفرح المنتظر الذي يأمله الإنسان العربي حين يعود إلى مرجعيته الدينية ليستمد منها كينونة وجودية تعينه على المواجهة وتدفعه إلى التشبث بالسلاح الإيمان.
الرمز الشعبي والثقافي:
في الديوان تحضر شخصيات كثيرة تنتمي إلى الموروث الشعبي أبرزها شخصيتي "شهرزاد" و"شهريار" في قصيدة "سآوي إلى صمتي"، إذ عبر استحضار سحر الحكاية واستدعاء الحوار يتمظهر بناء شعري مختلف عن باقي القصائد يدفعنا إلى استدعاء آليات التأويل الرمزية "التي يعتبرها بول ريكور لا تصح هيرمينوطيقيا إلا بمقدار من فهمنا لذواتنا ومن فهم الوجود، وهو لا يساوي شيئا خارج هذا العمل الذي يسعى إلى امتلاك المعنى"
كأن القصيدة تلخيص مكثف كامل من الظلم والإقطاع المسلط على أعناق الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، يمارسه "شهريار" الذي مازال عالقا في ليل الجهل، سجينا لمملكة الحريم التي رزخت "شهرزاد" قرونا طويلة تحت وطأتها، في كنف رجل شرقي متسلط، مرهون بعقلية الأفضلية للنموذج/ الذكوري.
مضى على شهريار
من عمر ما مضى
ألف ليلة
ألف عام
بلا صولجان
يسأل عن الجارية التي في بدء الحكايات
يلعن صبره على صمت الشهرزاد
شهريار عالق في الليل
يتقلب على وسائد السؤال
سجين في مملكة الحريم
لكنه السلطان
(الديوان  ص 51)
 
وتمثل شهرزاد في القصيدة صفة المثقفة المتمردة /  التي تعلن العصيان سمة لرفض الظلم الذي يضع المرأة في قالب عبر عنه الشاعر قائلا:
زعموا
أنه أراد لقط في اكتمال الامتلاء
أراد لحدائقي أن تموت الطفلة أولا
لتولد مكانها امرأة
أرادني ... روح فراشة
في جسد جنية
في هيئة هواء
وتبقى السلطة الحاكمة جاثمة، على صدر الشهرزاد/ الشعب، تمارس طقوس الاستعباد اللعين.
ثم ... ثم؟ أكملي يا شهرزاد
سآوي إلى صمتي ... مولاي
أخاف مسامع الرقباء
أخاف غضبة الديك المسحور
أخاف كيد الديك
الشحرور
(الديوان  ص 56)
 
إن هذا التوظيف المثالي للشخصيتين (السلطان / شهريار ) المريض / القاهر، وشهرزاد / المتمردة / المثقفة / الشعب) يقف جدارا لا يهد، يفند قيامه مزاعم الحكام الدائمة الذين يحسبون أنفسهم أصحاب المقدرة والفضل والحكمة، واهبي الحياة والرخاء لشعوبهم.
لقد انتظمت سجلات القول الشعري على أجنحة الأساطير التي نقلت دلالات النصوص من البعد الرمزي إلى المستوى الواقعي، حيث يتكيف الرمز مع الواقع ليكشف في النهاية عن ألم يتجرعه وطن منهوك، مقهور، خال من كل بسمة وطيف فرح جميل ولا نصل إلى رؤية شمولية للمغزى العام إلا عبر عملية تأويل استدلالي تقوم على التداعي والاستحضار. يقول بول ريكور : "أما التأويل فيعني السير في الطريق الفكري الذي يفتحه النص أي الاتجاه نحو ما يضيئه النص ويشرق عليه"
فعبر تتبع مجهري للدلالة ، تقفز من أسطر القصائد لغة أسطورية ملتصقة بجلد الحياة مكسوة بغضة الواقع والانسحاق وهو ما يؤكد انخراط الشاعر /  المبدع في حاضره ووعيه بأهم قضاياه يقول أدونيس :"الشعر ليس موجودا في اللغة، كما هو اللون مثلا أو العطر، موجود في الورد، الشعر في الإنسان، والإنسان هو مالئ اللغة بالشعر، ومالئ العالم، وفي العالم أشكال وجود بقدر ما فيه من أشكال الحساسية، 
هذا يتضمن أن إحساس الشاعر بحاضره أو وعي حضوره المشخص في العالم شرط أولي لكي يكون شعره، هو أيضا، حاضر في العالم"   .  
 
هوامش:
"زهرة واحدة تكفي" رضوان خديد، ديوان شعر، منشورات باب الحكمة، الطبعة الأولى 2018.
1- القرآن الكريم سورة القصص - الآية 78
2 - القرآن الكريم سورة القصص - الآية 81
3- سورة الطلاق، الآية 65
4- إرادة التأويل ومدارج المعنى " عبد القادر فيدوح ص 62
5- بول ريكور " النص والتأويل" ترجمة منصف عبد الحق، مجلة العرب والفكر العالمي ع، 3 ص 50.
6- "تجليات شهرزاد في الشعر العربي المعاصر"دراسة نقدية أسطورية  د. سامية عليوي" دار ميم للنشر، الجزائر، الطبعة الأولى سنة 2018

7- إراءة التأويل ومدارج المعنى "عبد القادر فيدوح" ص 62

8- بول ريكور " النص والتأويل" ترجمة منصف عبد الحق، مجلة العرب والفكر العالمي ع، 3 ص 50.
9- "الرمز والأسطورة في الخطاب الشعري السياسي"، هاني إسماعيل أبو رطيبة، الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية، كلية الآداب جامعة بني سويف / الأستاذ المشارك بكلية الآداب، جامعة بتوك الطبعة الأولى  (2016م -1437 هـ)، دار دجلة ، ناشرون وموزعون.
10- أدونيس "سياسة الشعر"، دراسات في الشعرية العربية المعاصرة، الطبعة الأولى 1985 م

* أديبة من المغرب.