"أميركا" لفرانتز كافكا: توجّه مختلف لسيّد السوداوية

ابراهيم العريس

 
لم تنشر رواية «أميركا» التي كانت من آخر ما اشتغل عليه الروائي التشيكي باللغة الألمانية، فرانتز كافكا، قبل رحيله المبكر، إلا بعد سنوات عديدة من ذلك الرحيل. وهي على أي حال طُبعت على رغم أنفه، بواسطة صديقه ماكس برود الذي من الواضح أنه بنشره تلك الرواية وغيرها من أعمال كافكا، إنما خان الأمانة التي عهد بها الراحل إليه، لكنه في المقابل أنقذ من النيران بعض أهم وأقوى الأعمال الأدبية التي صدرت عند بدايات القرن العشرين. ونعرف أن الحكاية هي توصية كافكا صديقه، وربما غيره من معارفه أيضاً، بحرق كل كتاباته بعد موته. لكن برود، الذي كان مقرباً جداً من كافكا، استولى بعد رحيل هذا الأخير، على أوراقه ومخطوطاته ووثائقه كافة، ليهرب بها إلى فلسطين حيث راح ينشرها تباعاً، ولكن من دون أن يعرف أحد ما إذا كان قد نشرها كما هي أو أنه تلاعب بها. فالنسخ التي كانت في حوزته لبعض أعمال كافكا، كانت النسخ الوحيدة. وبهذا لم يُقدَّم كافكا إلى قرائه، في بعض أعماله على الأقل، إلا من خلال تدخّل برود الذي كان وسيظل دائماً موضع نقاش وعرضة للاحتجاج. ومهما يكن من أمر، يبدو أن علينا دائماً أن نتقبل الأمور كما هي. ونأخذ كافكا «البرودي» على عواهنه، بالنسبة إلى بعض أعماله على الأقل. ومن المؤكد أن رواية «أميركا» هي واحدة من تلك الأعمال. ومن هنا سيظل موضع تساؤل على الدوام، ذلك القسط من «التفاؤل» الذي يطبعها جاعلاً منها، في خاتمتها على الأقل، بعيدة إلى حدّ ما عن المناخ العام الذي طغى دائماً على أدب كافكا.
غير أننا لن نقف طويلاً هنا عند هذا البعد السجالي طالما أن كثراً من مؤرخي حياة كافكا ودارسي أعماله، لم يشككوا كثيراً في انتماء هذه الرواية إليه مفضلين في المقابل التساؤل فقط عما جعل كاتب السوداوية والتشاؤم الأكبر عند بدايات القرن العشرين، يبدّل من مزاجه في نصّ يُفترض أنه كان آخر ما كتب، كما يُفترض أنه كان وهو يكتبه يعرف إلى حد كبير أنه قد يكون نتاجه الأدبي الأخير. ولعل ما يخفف من وطأة الغرابة التي يتسم بها الأمر هنا، واقع أن «أميركا» نفسها تبدو عملاً غير مكتمل، بمعنى أن الكاتب توقف- كما حاله في أعمال كثيرة له- عن استكمالها ذات لحظة، تاركاً إياها معلقة عند لحظة غير سوداوية من مسار تلك المغامرة، العابرة للقارات، التي قام بها هنا بطله الفتى كارل روسمان– مرة أخرى لدى كافكا من خلال بطل يحمل اسماً يبدأ بحرف ك. كما حال معظم أبطال رواياته الكبرى مثل «القصر» و «المحاكمة»... -. والحقيقة أننا إذا كنا قد ذكرنا أعلاه أن نصّ «أميركا» كان ذاك الذي ظل كافكا يشتغل عليه حتى آخر أيامه، فإن حقيقة الأمر تقول إنه كان في الأصل، وعلى شكل قصة قصيرة عنوانها «الوقاد» أو حتى «المخزنجي» كانت نصاً كتبه كافكا في العام 1913 ونشره بالفعل لكنه ارتأى لاحقاً أن يحوله إلى رواية فكانت «أميركا» التي سوف تُعرف أيضاً بـ «الرجل الذي اختفى» و «المفقود» و «تائه في أميركا» بين عناوين عديدة أخرى.
 في نهاية الأمر، إذا كان كافكا قد «روى» في نصوص أخرى له حكايات مستقاة من تجارب خاصة به، فإنه في هذه الرواية استند إلى سلسلة من أحداث وحكايات سيقول ماكس برود إنها وصلت إليه من طرف أقارب له عاشوا مثل تلك المغامرات. بالنظر إلى أنه هو نفسه لم يهاجر أبداً إلى أميركا. بل إنه لم يبارح موطنه التشيكي إلا في زيارات عابرة إلى ألمانيا وإيطاليا وفرنسا... وربما الدانمرك أيضاً. ومن هنا تلك الغرابة الإضافية التي تتسم بها رواية «أميركا».
 تتحدث الرواية عن الفتى كارل ذي السادسة عشر من عمره والذي اضطر إلى الهجرة إلى القارة الأميركية هرباً من فضيحة تسببت بها علاقة إغواء قامت بينه وبين الخادمة الصبية في المنزل العائلي. وما الرواية كلها منذ ذلك الحين سوى حكاية التجوال الذي سيقوم به كارل في القارة الجديدة. بيد أن ذلك التجوال لن يبدأ بداية جيدة بعدما بارح كارل ألمانيا كي يلتجئ إلى عم له هاجر إلى أميركا قبل سنوات. حيث، وعلى ظهر السفينة التي أقلته، بدأ المشكلات مع ربان السفينة فيما كان يحاول الدفاع عن الوقاد الذي استشعر فتانا أنه يعامَل بقسوة من قبل رئيسه. وعلى هذا النحو تمكن كافكا من أن يجعل كارل ناطقاً باسمه كما حال معظم أبطال رواياته الأخرى، بالنسبة إلى بحثه عن العدالة والإنصاف في عالم يتحكم به العنف إذ يمارَس على الضعفاء. المهم أن كارل إذ يُستقبل استقبالاً جيداً أول الأمر من قبل عمه سرعان ما سوف يجد نفسه وحيداً شبه تائه في ذلك العالم الطويل العريض الذي تمثله أميركا. وهكذا يبدأ تجواله وتبدأ مصاعبه تتوالى أمام عالم يبدو له على الفور معادياً وغير راغب في فتح الذراعين له. مع هذا يتمكن صاحبنا من العثور على أعمال في مهن متنوعة يختبرها تباعاً لتكشف له هذا العالم الغريب الذي يهدد بأن يكون عالمه من الآن وصاعداً. وهنا، كما في «المحاكمة» و «القصر» وغيرهما من روايات كافكا، يغوص القارئ في ذلك العالم الذي يبدو أشبه بالمتاهة والذي يتعين على بطله التجول فيه وهو يشعر في كل لحظة أنه عالم لم يصنع من أجله. عالم سيظل هو غريباً فيه مهما حاول. فمن مهنة إلى مهنة، ومن منطقة إلى أخرى، ومن مزاج إلى الذي يليه، سيواصل كارل اختبار غربته وضياعه وسيواصل التنقل مختبراً قدرته على الصمود في عالم يضعه في كل لحظة وثانية أمام اختبار وجودي حاسم. أما هو فإنه سيواصل المقاومة– وربما على غير ما يفعل أبطال كافكا الآخرون الذين سرعان ما يستسلمون للمصير الذي يبدو قد كتب لهم، وذلك في الواقع شيء جديد وغير متوقع في العالم الكافكاوي...! – راغباً بقوة أن يجد لنفسه مكاناً في هذا العالم الذي كتب له أن يتعايش معه. إنه راغب حقاً في العثور على مكان له هنا. ولكن، لئن كان هذا يبدو أول الأمر، عسير المنال، سيحدث لكارل ذات لحظة أن يجد نفسه أمام «مسرح الطبيعة الكبير» في أوكلاهوما. وهو إذ يسعى للانضمام إلى هذا العالم السحري من دون أن يكون قد خطّط لذلك سلفاً، سيكتشف أنه هنا فقط في إمكانه حقاً أن يكون على سجيته وأن يحصل على ما تؤهله له إمكاناته.. وحده هذا المسرح الجوال والمرتبط بالطبيعة هو الذي يقدم له إمكانية أن يكون هو نفسه في عالم من المؤكد أنه في الخارج يريد أن يدمجه دون أن يأخذ رغباته الخاصة في الاعتبار. ومن الواضح هنا أن كافكا يوصلنا من خلال علاقة كارل روسمان بهذا المسرح، إلى رمزية شديدة الوضوح وتكاد تكون دخيلة على أدبه. فهنا وبحسب مقدمات لم يكملها كافكا أبدا، ينبغي لكارل نفسه كما لجمهور هذا المسرح، أن يتصرفا على سجيتهما وأن يلتحما بالحياة الحقيقية، والحقيقية على رغم كونها جزءاً من اللعبة المسرحية. إن هذه المقدمات تضعنا هنا أمام احتمال تلك النهاية المنطقية – السعيدة؟ ربما – التي لم ينجز كافكا صياغتها. ويبدو أن ضيق الوقت ليس مسؤولاً عن ذلك وحده!
على أي حال كان وفق كافكا أن يصل في صياغة هذه الرواية إلى إدخالها مسرح العالم الذي يصفه هنا صنوا للعدالة والتألق الذاتي والرحمة والتعاطف والفهم المتبادل، حتى يشعر الكاتب وكأنه يخون أدبه. أو لعله أحس هنا أنه وصل إلى منعطف في كتابته لا يمكنه أن يختار من بعده طريقاً محدداً يسلكه. ومن هنا توقفت الرواية عند هذه النقطة، وقد شعر الكاتب أنه قال كل ما كان يريد قوله، أما الخطوات التالية فلا تخصّه بقدر ما تخصّ كارل نفسه. ولكن ليس بالتأكيد بقدر ما تخص ماكس برود الذي يرى كثر من النقاد أنه تلاعب ببعض نهايات الروايات الكافكاوية التي كان مؤتمنا عليه لأسباب أيديولوجية هو الذي كان يجدر به– على أي حال، وبحسب وصية كافكا الصارمة– أن يحرق كل كتابات هذا الأخير الذي كان يعتبر أنه بمجرد كتابته لها قد استوفى الغرض منها.

 

 
عن "الحياة" اللندنية.