"أنا نجوم بنت العاشرة ومطلقة" فيلم يمني يضيء طريق المستقبل

د. منى المحاقري*
لم يكن فوز فيلم "أنا نجوم بنت العاشرة ومطلقة" بجائزة أفضل فيلم روائي طويل في مهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته الحادية عشرة لهذا العام، مفاجئاً للجمهور الذي شاهد هذا الفيلم،فمنذ اليوم الأول للمهرجان ،والذي عرض فيه الفيلم لأول مرة ،لاقى قبولاً وإعجاباً جماهيريا كبيراً،تعزز هذا الإقبال الجماهيري في العرض الثاني للفيلم ،الذي نفدت فيه كل تذاكر العرض،واصطف الجمهور في طابور انتظار طويل للفوز بمقاعد لمشاهدة هذا الفيلم.
 فهل كان سبب هذا الإقبال يرجع لكون هذا الفيلم من اليمن السعيد، هذا البلد ذو التاريخ الحضاري العريق ،والغارق اليوم في أتون الإرهاب والفوضى والصراعات السياسية والمذهبية؟  أم لأن الفيلم يعالج  قضية الزواج المبكر الذي تعاني منها أكثر من 51 مليون فتاة في العالم ، والواقع أن نصف فتيات اليمن تقريباً يتزوجن في سن الطفولة. ويظهر من الإحصاءات الحكومية وبيانات الأمم المتحدة أن 48 %منهن يتزوجن قبل بلوغ سن الـ 18، فيما يتزوج بعضهن في سن صغيرة تصل إلى ثماني سنوات، لا سيما في المناطق الريفية. 
 أم لأن مخرجة الفيلم السيدة خديجة السلامي المقيمة في فرنسا ،تُعد من أوائل النساء اليمنيات اللواتي اقتحمن مجال الإخراج السينمائي ،متحدية بذلك سلسلة من القيود والعادات الاجتماعية  التي مازالت تكبل  المرأة في اليمن.
  قد تكون بالفعل تلك الأسباب مجتمعة معاً ،هي سبب ذلك الإقبال الجماهيري الكبير،ولكن ماذا عن الفيلم نفسه ،هذا الفيلم الذي عالج قضية شديدة الحساسية وسط إبهار شديد لعبت فيه الصورة الدور المحوري،كانت الأرض اليمنية بتضاريسها الجميلة ،ومرتفعاتها الجبلية الخلابة في منطقة برع  تحديداً ،هي بطلة الفيلم. هذه البطولة لليمن والأرض توازت مع بطولة الإنسان  للطفلة نجود ،التي قدمت دورها بكل تلقائية وبرأه الطفلة اليمنية ريهام محمد،هذه الطفلة التي لم يسبق لها التمثيل من قبل،ولكنها نجحت في  أداء دورها  وإقناع المشاهد بعدالة القضية التي تدافع عنها من أجل مستقبل بنات جيلها.
 ما ميز الفيلم أن المخرجة لم  تهمل  تفاصيل دقيقة جدا في حياة اليمنيين، وهي وإن لم تحط بكل شيء ، إلا أن ما يميز مشاهدها هو ذلك الصدق الفني،وعدم إغفالها للبعد الجمالي في حياة الإنسان اليمن،بدا ذلك من خلال تسليط الضوء على روعة المعمار اليمني وجمال أزياء المرأة اليمنية في الريف،كما شكلت الموسيقى  التصويرية للفيلم ملمحاً جمالياً موازياً لبطولة المكان والإنسان،فلم تكن عنصرا تكميليا  بقدر ما كانت جزءاً  أساسياً من المشهد وخصوصا المشاهد التي تصور ليلة العرس والدخلة.
والملاحظ أن المشاهد التي قدمها الفيلم تتسم بالحذر وتراعي خصوصية المتلقي اليمني والعربي ،لكن هذا لم يمنع المخرجة من عرض صورة صادقة للانتهاكات التي تطال الطفولة في اليمن كالاغتصاب والتحرش.
 نجح الفيلم في تقديم صورة واقعية عن المجتمع اليمني الذي يعيش في منطقة متأرجحة بين الريف والمدنية ، ويعاني تذبذباً بين الحداثة والتخلف ،وصراعاً  بين  القبيلة والدولة.
لم يغفل الفيلم كذلك تقديم نموذج المرأة اليمنية المعاصرة ،التي نالت حظها من التعليم ،وأطلت على المجتمع اليمني الحديث من خلال أسرة القاضي وزوجته وابنته ،الذين احتضنوا نجوم ،كذلك من خلال شخصية المحامية التي تولت المرافعة  عنها في المحكمة  لطلب الطلاق.
كان البعد الإنساني طاغياً على مسار الفيلم ،فلم تنظر المخرجة وكاتبة السيناريو إلى الأب أو الزوج أو شيخ القبيلة أو الأم أو أم الزوج ،إلا بوصفهم ضحايا لثقافة مجتمعية وقبلية طاغية ،أو ظروف اقتصادية  قاهرة.
جاءت نهاية الفيلم لتضع حداً لمعاناة نجوم ولتفتح المستقبل على مصراعيه أمام بنات اليمن ،من خلال التركيز على التعليم كبوابة آمنة لمستقبل أفضل للفتيات في اليمن.
بقى أن أشير أخيراً إلى إن  ما أضاف إلى هذا الفيلم مزيدا من الأهمية ،هو توقيت عرضه الذي تزامن مع مرحلة هامة تعيشها اليمن ،وهي مرحلة صياغة  دستور جديد للبلاد ،حيث كانت تجتمع  لجنة صياغة الدستور إبّان  عرض الفيلم وفي مكان  عرضه في دولة الإمارات العربية المتحدة،لصياغة المسودة الأخيرة  لدستور اليمن الجديد ،الذي يتوقع أن تضم مواد دستورية جديدة تحدد فيها -لأول مرة في تاريخ اليمن- السن الآمن لزواج الفتيات في اليمن ،إضافة  إلى نصوص  تضمن تمثيل النساء بنسبة لا تقل عن 30% في سلطات الدولة ومواقع  اتخاذ القرار،ونصوص تدعم إلزامية ومجانية تعليم الفتيات في اليمن. 
جاء فوز الفيلم بالجائزة الأولي للمهرجان عن فئة الأفلام الطويلة بمثابة تقدير ومساندة ودعم لنضال المرأة في اليمن،ومن المفارقات المؤلمة أن يتزامن إعلان فوز الفيلم بالجائزة مع تناقل وسائل الإعلام المحلية والعالمية أخبارا عن تفجير إرهابي غادر استهدف حافلة طالبات مدرسة في مدينة رداع اليمنية.
 
* أكاديمية وإعلامية  من اليمن.