أيـنَ نـحـنُ مـن التـَواصل والتـَراكم المَعـرفيين؟

Printer-friendly versionSend to friend
د. عـبد القادر حسين ياسين*
 
 
قـبـل ثـلاثـة أشـهـر نشرت مـجـلـة New York Review of Books،
أن الكاتب الأميـركي نورمان ميلر،Norman Miller  
 المتوفي عام 2007 وصاحب التاريخ الحافـل بالغـضب والحوار الصاخـب ، باع أرشيفه الكامل قبل وفاته لجامعة تكساس بمليونين ونصف المليون دولار. 
 
يضم الأرشيف، الذي ملأ تسعـمئة صندوق، مخطوطات ميلر ورسائله وصوره، وكل ما يتصل بحياته الشخصية وسيرته الأدبية ،التي تمتـد على مدار نحو تـسـعـيـن عاماً. 
 
وتقول الـمـجـلـة  الأميركية أن جامعة تكساس، وهي واحدة من الجامعات الأمـريكية العريقة ،
التي تضم مركزاً ضخماً لأرشيف كتاب أمـريكا ومفـكريها وشخـصياتها البارزة، 
استقـبلت هـدية ميلر المدفـوعة الثمن "بسعـادة غامرة"، لأن ميلر ، المولود عام 1923 ، هو واحـد من بين أكبر كتاب أميـركا، وكان نشر أول كتاب له "العـراة والأمـوات" عام 1948، وأثار ضجيجاً كبيراً في الحياة الثقافية الأميركـية منذ ذلك الوقت.
 
ما يعـنينا من هـذه الحكاية يتجاوز ما قام به ميلر ،من بيع أرشيفه بمبلغ ضخم بالنسبة الى كاتب، 
فكيف بالنسبة الى الكتاب والمثـقـفـين العـرب ، الذين يدفعـوا للناشرين حتى يطبعـوا كـتبهم؟! 
 
ما يعـنينا هو غـياب فكرة الأرشيف في الحياة الثقافـية العربية،وضياع التاريخ الثقافي بسبب هذا الغـياب. 
عـندما يغادر الكاتب، أو الشخصية العامة، هـذه الحياة ، يغـيب معـه تاريخه وتاريخ حقـبـتـه والزمان الثقافي الذي كان يعـيشه، فيما يلجأ الـورثة إلى التخـلص من أوراقه ،بإتلافها أو بيعها بأي ثمن ، أو منحها لشخص مهووس بالإطلاع على عـوالم كتاب ومثقفين ، شغـلوا الناس وملأوا عـليهم حياتهم، فإذا ماتوا اندثروا ، واندثرت معهم أفكارهم والتاريخ الذي صنعـوه.
 
كم من الكتاب الذين عـرفـتـهم توارى حضورهم الثقافي بعد موتهم، وضاعـت مكـتباتهم وأرشيفهم الشخـصي ، لأن وارثيهم لم يدركوا أهـمية تلك المكتبات وذلك الأرشيف، 
كما أن المؤسسات الثقافـية، الرسمية والأهـلية، والجامعات والمكتبات العامة، لم تـلـتـفـت الى تلك الأوراق ،وذلك الأرشيف بصفـتهما تاريخ البلد وذاكرته المتجددة..؟
 
فكرة الأرشيف هي الفاصل بين المجتمعات البدائية، التي لا تعـنى بالذاكرة، والمجتمعات المتحضرة ، التي ترى إلى التاريخ بصفـته تراكماً وبناء ، لا مجرد انقـطاعات وبدايات من الصفر.
 
عندما نقرأ عن اكتشاف قـصيدة مكتوبة بخط يد شاعـر مشهور، بيعـت بعـشرات آلاف الدولارات، عـلينا ألاّ نعـيد ذلك ، إلى طبيعة العـقـل الرأسمالي الغربي ، بل إلى تأصل فكرة الأرشيـف،
 وكونه جزءاً من الحياة الغـربية الحديثة التي وصلت إلى ما وصلته من تـقـدم ، بسبب احترام الغـرب لمفهوم التواصل والتراكم المعـرفي.
 
إنهم يتباهون بما يملكون، لكن المتاحف والمراكز الثقافية ومكتبات الجامعات،
تهـتـم كثيراً بامتلاك المخطوطات واللوحات والأوراق والطبعات الأولى من الكتب، لأن الأرشيف جزء من التاريخ الثقافي والتراكم الحـضاري للأمم. 
 
لا تتعـلق المسألة بفكرة المزاد فقط، وقـدرة من يدفع أكثر على امتلاك ما هو معـروض، 
بل باحترام ما تنجزه العـقـول عـبـر التاريخ، التاريخ الذي هو عـلامة وجود البشر، وانتقالهم في المكان والزمان.
أما نحن، فإننا بإهـمالنا لفكرة الأرشيف نشدد على إمكان البدء من الصفـر، 
الصدور من الفـراغ، من نقـطة تبدأ من الذات وتنتهي بها، بل تموت بموتها وتفـنى بفـنائها.
ولذلك انعكاسات خطرة على كل الحقـول: 
حقـل السياسة وتداول السلـطة، حقل الاقـتصاد وبناء الثـروة، 
حقل الإنجاز الثـقافي ومراكمة المعـرفة، حقـل العـلم والتقـدم التقـني؛ 
ففي كل هذه الحقـول يقود البدء من الصفـر ،
إلى كوارث على صعـيد السياسة والاقـتـصاد والثقافة، وتطور المجتمعات وتقـدمها، 
لأن كل شخص سيلغي من قـبله، وسنـصل إلى ما وصلـنا إليه في هـذا الزمان: 
غـياب المؤسسة في الحياة العـربية، ومن ثمّ غـياب التراكم والتقـدم،
والتحـديق الدائم في الفـراغ العاري.
 
* كاتب وأكاديمي من فلسطين مقيم في السويد.