إبنة الحكمة وأقاصيص أخرى

Printer-friendly versionSend to friend
نواف خلف السنجاري*
 
 
تجسّد
أنا أعرف "كاوا الحدّاد"..
وقد رأيته - خلال شهر آذار- ثلاث مرّات: 
الأولى: جالساً على الرصيف يبيع زهور النرجس.
الثانية: متمدداً فوق السرير، يتبرع بالدم لأحد الأطفال الجرحى في (كارثة سنجار).
لكني لم أصدق عيني وأنا أراه في المرة الثالثة، منحنياً يصبغ حذاء مسؤول فاسد. 
 
تقهقر
حرث البحر، فقالوا: انه مبدع أصيل.
حرث الفضاء، قالوا: انه فنّان مدهش.
ولمّا حرث (أرض الواقع)، صاحوا باستخفاف: انظروا لقد تحوّل إلى فلاحٍ بسيط .
 
كذبة
الطفل لجده: كيف سقطت أسنانك جدو؟
الجد مبتسماً: كلما كذبتُ كذبة كان يسقط أحد أسناني.
الطفل متعجباً: لماذا لم تسقط أسنان (.......) إذن؟!
 
غيمة محبوسة
هو شاعر يحب المطر.
هي ابنة فلاح تعشق المطر. 
الجفاف يكتسح العالم، وحين يسقط المطر بلا موعد! 
تغادرهما (الفرحة والانتشاء)، وينشغلان بانتشال أحلامهما الغريقة. 
 
إبنة الحكمة
تبعتكِ منذ الطوفان الأول. اشتهيتكِ قبل الأزل. انتظرتكِ على بوابة عشتار، وعلى مشارف سور الصين، وفي دهاليز الأهرام الموحشة. كنتِ تتسكعين في تلافيف دماغي المتهرئة، وتتراقصين فوق حروف كلماتي التائهة. عبدتكِ كما لم تُعبد أنثى. أحرقتُ أيامي بخوراً تحت قدميكِ..
وحين مضغني العمر وتقيأني شيخاً عجوزاً، لمحتكِ تأتين بكل هيبتكِ وفتنتكِ.. تمدين يداً كالثلج، وتكشفين عن صدركِ البلوري، تنظرين إلى انطفائي والرماد الذي يغلفني.. وتضحكين. 
 
حقوق 
عشرون عاماً أمضاها مدافعاً عن حقوق المرأة، ألقى خلالها مئات الخطب الرنانة، حتى باتت المنابر تعرفه وتميّز نبرة صوته. لم يترك مناسبة إلا واستغلها، لم يدع دولة إلا وزارها  لينادي بهذه الحقوق . 
حين زرته في منزله قبل يومين أدهشني انه لا أثر فيه لأية امرأة. 
 
مصائب قوم
ثمة طفل أحدب يتيم، يدور بفرح حول السيارة الفارهة التي وصلت للتو، وفتى سمين يمنع الأطفال من الاقتراب. الطفل لا يعلم أن السيارة الجديدة هي ثمن بخس لدم والده المغدور. الفتى السمين مشغول بتلميع السيارة، والابتسامة تملأ وجهه.
ثمة أرملة وأم ثكلى ووالد عجوز يتوسطون الدار البائسة، وعيونهم تحّدق في اللاشيء ..
 
تكريم
قال لهم وهو مضرج بدمائه:
- انسحبوا سأؤمن لكم التغطية.
- لن نتركك تموت هنا.
- هذا أمر.
دار الزمن، وجميع أولئك الناجين بفضل تضحيته وشجاعته، أصبحوا قادةً يجلسون في المقاعد الأمامية. إنهم يحتفلون اليوم بتكريم عوائل الشهداء، لكن أسمه سقط سهواً من قوائم التكريم.  
تنهدت زوجته بحرقة لها طعم الرصاصة، خرجت تحمل انكسارها ومرارتها وحدها، من دون أن ينتبه إليها احد.. تجرّ خيبة خطواتها، تاركة وراءها صخب الأناشيد والهتافات والتصفيق. 
 
ألوان
عشق اللون الأحمر منذ كان طفلاً، ارتدى القمصان الحمر، والقبعات الحمراء. بشرته كانت قانية يكاد الدم أن يطفر منها. أحبّ الطماطة( البندورة)، واللحوم الحمراء كثيراً. سافر إلى شواطئ البحر الأحمر، وسبح فيه مرات عديدة. انتمى إلى صفوف (الحزب الأحمر) وناضل فيه. طلى جدران منزله باللون الأحمر.. سريره، أغطيته، وسادته كلها بلون الدم. الورود الحمراء تملأ حديقته. الغريب انه مرض قبل أيام ومات بالحمى الصفراء!.
 
بخيل
سقط من السلّم بعد أن ضربت ريشة المروحة السقفية رأسه. الدماء تسيل فوق عينيه ووجهه. يُخرج (موبايله) بسرعة. يفتحه.. يضغط على زر الرسائل، يكتب رسالة إلى أخيه : ا.. ن.. ا.... م..ص..ا..ب.... ت..ع..ا..ل.... ب.. س..ر..ع..ة.....
تتأخر الرسالة ، ويستمر النزيف..  
 
مواطن
خدم الرّب عشرين عاماً. خدم الوطن خمس عشرة سنة. خدم المسؤولين والشعب على حد سواء، وحين احتاج إلى خدمة (بحجم عين الذبابة) أشاح الجميع بوجوههم عنه.   
 
تشابه أسماء
يُحكى أنني مُتُّ. نُشر خبر قتلي في الصحف، تحسّستُ وجهي في المرآة، حدّقتُ في وجوه المارين أمامي، صرختُ ملء حنجرتي: أنا حي .. أنا على قيد الحياة.. فلم يسمعني أحد.
ضحكتُ كالمجنون حين قرأتُ اسمي فوق شاهدة قبرٍ ليس قبري.. 
 
* قاص كردستان العراق/  بعشيقة. وقد فازت ثلاث من قصصه القصيرة جداً وهي:اكتشاف، أرباع و قانون القبيلة في مسابقة قصص على الهواء التي تذيعه الـ BBC بالتعاون مع مجلة "العربي" الكويتية.