إعادة النظر في قراءة التراث السردي
د.إبراهيم خليل*
العربية هي إحدى اللغات التي تستند في تاريخها الطويل لتراث سردي ضخم
العربية هي إحدى اللغات التي تستند في تاريخها الطويل لتراث سردي ضخم
يحتاج من الباحثين والقائمين على مختبرات السرديات في الوطن العربي الكثير من الجهد بهدف إعادة النظر في ذلك التراث وتحليله في ضوء المستجدات في نظرية السرد، وكتاب شرف الدين ماجدولين "ترويض الحكاية " الصادر عن الدار العربية للعلوم(ناشرون) ببيروت، ودار الاختلاف في الجزائر، في مئة وستين صفحة من القطع المتوسط ، يتتبع فيه المؤلف ما كتب ونشر من قراءات جديدة للتراث السردي الشفوي وغير الشفوي في ضوء النظريات المعاصرة.
إحدى هذه القراءات تتخذ من السير الشعبية ميدانا لها، كالسيرة الهلالية، والمهلهل وعنترة، والأميرة ذات الهمة، وغيرها.. باعتبارها مدونة سردية كبرى تتفرع إلى بنى ً صغرى تستقل كل واحدة منها بخصائص تجنيس عن الأخر. وتتخذ قراءة أخرى من الحكايات المُلغزة، سواء تلك التي في المقامات، أو في قصص الحيوان، أو في السير والرحلات، موضوعا لها غايتها الكشف عما تقوله اللغة إيحاءً وتعبيرًا، لا صراحة، ولا تقريرًا. وبعضها يرتكز على ما في التراث السردي من وصف يُعْنى في المقام الأول بتجليات( الجسد) في الأخبار تارة، وفي التراجم والسير تارة أخرى. أو رصد صورة الآخر في التراث السردي إن كان رحلة مدونة، أو سيرة، أو تعريفا بسيرة، مع ما يخالط تلك الصورة من أنماط ثقافية، وأسطورية، تفتح للقارئ آفاقا للبحث عن مجالات معرفية، بعيدة، ومغيبة، كعلم نفس الشعوب ( السيكو- أنثربولوجيا)، وفي ذلك كله ثمة قيمة معرفية، ومضمون ذهني.
ففي الفصل الأول من الكتاب يشير المؤلف شرف الدين لمحاولات سعيد يقطين الرامية لإخضاع السّيَر للدراسة البنيوية، غير بعيد عن سؤال التجنيس. فالسيرة نص ثقافيُّ، ونوعٌ سرديّ، له تميّزه عن باقي الأجناس. إذ له بنياته الحكائية، التي تتمخض عن خطاب ملفوظ لا يخلو من وظائف دلالية تميّزه عن اللانص. ففي كتابه" الكلام والخبر " يقدم لنا تصورا جديدا للأجناس يحتل موقع القلب منها السرد السيري الشعبي، وتحوم حول هذا الموقع ضروب سردية أخرى. وبذلك يقترح كتاب يقطين المذكور فضلا عن كتبه الأخرى، ومنها " قال الراوي " مدخلا نموذجيا لاستيعاب نماذج أخرى من التراث السردي.
أما عبد الفتاح كليطو فقد عُرف باهتمامه الشديد بالتراث السردي، الشفوي منه والمكتوب. ولا سيما الكشف عما فيه من مدارات تراوح بين القول والتأويل، والحكاية. وما فيه من الألفة والغرابة، ولهذا تنوعت دراساته وتباينت، بين الكتابة والتناسخ، والمقامات، والحكاية والتأويل، لكن شرف الدين – على الرغم من تتبعه لجل ذلك النتاج- يقفنا تحديداً إزاء كتاب كليطو الموسوم بعنوان " لن تتكلم لغتي " الذي يرصد فيه عددا من المدونات ذات الطابع السردي مع اختلافها في المحتوى، منها: تحفة النظار، والساق على الساق، ورحلة الصفار، وتخليص الإبريز، زيادة على بعض التصانيف الإخبارية للجاحظ، والتوحيدي. والمحور الذي ينتظم دراساته هو فتنة اللغة بين وضوح الخطاب، وغموض الحجاب. فكليطو يؤكد من خلال النتائج التي توصل إليها أن اللغة تتجلى فيها باعتبارها حكاية كبرى، وأسطورة لكل غوايات السرد، والكشف عن لغز النظام اللغوي هو الذي يهتك لنا حُجُب المعنى، وبخلاف ذلك يظل التشخيص البنيوي للموروث السردي ناقصًا لا يفي بالمقاصد على الإطلاق.
الجسد والصورة
ومما يُلاحظ ابتعاد المؤلف كليطو عن التنظير، وهو شيءٌ ينتفع به فريد زاهي، فيقرأ تراثنا السردي قراءة تطبيقية تنطوي عليها مؤلفاته: الحكاية والمتخيل، وتقاطعات المتخيل، و "النص والجسد والتأويل" وأخيرا كتابه " الجسد والصورة والمقدس في الإسلام " ففي هذا الكتاب يميز الزاهي بين الوجود الحسي، والوجود البلاغي التخييلي. ففي الرسم، والنحت، والرقش، حظرت الصورة التجسيمية، لكنها في السرد لم تحظر أبدًا، ولم تمنع، بدليل ما نجده من تجسيد بالكلمات، في: طوق الحمامة لابن حزم، ومصارع العشاق لابن السراج، وروضة المحبين لابن القيم الجوزية، وكتب أخرى: كطبائع النساء، والقيان، ونزهة الألباب، فضلا عن بعض كتب السيرة، والتصوف. ويستفاد من التحليلات النقدية الوافية لبعض السرود المذكورة أن الأفكار الشائعة عن موقف الإسلام من الصورة، والجسد، والمقدس، والمدنس، أفكارٌ خاطئة كثيرًا. ولذا لا بد من ترجيع النظر بقراءة الموروث قراءة جديدة تعيد الاعتبار لمقولات الشكل، والأسلوب الفني، والجماليات النصية، والمرئي وغير المرئي، وعُنف المتخيل..وذلك ما يحاوله فريد زاهي ويقدم فيه( خطاطة) نظرية تحليلية بارعة، مسكونة بسحر الصورة، وغواية السرْد.
ويُعَدّ نور الدين أفاية من الدارسين القلائل المهتمين بصورة الآخر في التراث السردي. ففي كتابه " الغرب المتخيل: صورة الآخر في الفكر العربي الإسلامي " يتناول عددا من المدونات السردية الطابع، كالتواريخ، والأخبار، والتراجم، والسير الحربية عمومًا، متوقفا عند " كتاب الاعتبار" لأسامة بن منقذ، ومقدمة ابن خلدون، وعِبَرهِ، و" التعريف بابن خلدون ورحلاته" مستخلصًا عن طريق التحليل، والدراسة، أنّ صورة الآخر في هاتيك المدونات رُسمتْ في الحدود التي يسمح بها الدين" فحكمها دينيّ مُحدَّدٌ " وهذا الحكم هو الأفق الذي يتحرك فيه السارد، بصرف النظر عن تدخل مستويات فكرية أخرى في الصورة، أو لا.
الراوي
وحول ظاهرة الراوي وعلاقته بما يرْوي، وبمن يدوّن، يشير المؤلف لصنيع حسن بحراوي الموسوم بعنوان " حلقة رواة طنجة " وهو كتاب طريف يترجم فيه بحراوي، على عادة متقدمي المؤلفين، لرواة شعبيين ذكرهم بول بولز في كتاب جمع فيه، وترجم، عددًا غير قليل من الحكايات الشعبية المغربية الشائقة، التي تمثل نوعا من السرد يثير شهية القارئ الغربي. ويتتبّع بحراوي أولئك الرواة، كاشفا عن علاقة كل منهم بما رواه: المرابط، والعياشي، ومحمد شكري( الكاتب المعروف) مبيناً أنّ العلاقة بين كل واحد من هؤلاء وبول بولز علاقة ترويض، يتجاذبها الإغراءُ، والترغيب، الذي دفع بهم دفعًا لسلوك مسلك الرواة الذين ينتظرون المال لقاء ما يروون. وقد سلط المؤلف بحراوي الضوء على أثر ذلك الدافع في تنشيط الذاكرة الحكاية، وتحفيز الرغبة في القص. أما جهده في الكتاب فمن الطرافة بحيث يعد أول كتاب من نوعه يرصد وقائع عمل جديد هو الجمع بين نماذج شعبية وروائي واسع الصيت، عظيم الشهرة، من وزن بول بولز، الذي أسفرت أعماله عن كتابات خالدة في تراثنا السردي.
ولم يفتْ مصنف الكتاب أن يلمّ بموضوع النادرة، فهي فن سردي عرف في القديم ، وما يزال له قراؤه. ويؤكد مؤلف كتاب" بلاغة النادرة " محمد مشبال أن هذا النوع من النثر يمثل نوعا أدبيا كغيره من الأجناس. بيد أن احتفاء العرب ، والبلاغيين منهم خاصة، بالشعر جار على هذا النوع، وهمّشهُ، ونحّاهُ جانباً، مع أن بعض النوادر لا تخلو من محسنات بلاغية ترقى بها إلى مستوى النثر الفني البديع. ويعزو مشبال ذلك إلى هيمنة الشعر على الأدب، وارتهان النقد البلاغي القديم لشروط الشعرية، بعيدًا عن النثر. لكن المؤلف شرف الدين يختلف مع مشبال في ذلك، مؤكدًا أن النقد البلاغي نشأ أساسًا لبيان إعجاز القرآن، وهو ليس شعرًا، وزعم مشبال في هذا غيْرُ دقيق. ولكن شرف الدين يقر مع مؤلف " بلاغة النادرة " أن البلاغة فيما بعد اقتصر تداولها على الشعر في معظم الأحيان.
وهذا الكتابُ – في الواقع- يطرح مؤلفه فيه الكثير من الأسئلة، فهو لا يتبنّى جل ما جاء لدى الدارسين الذين درسوا السَّرد الموروث، في ضوء النقد الحديث، والنظريات الأدبية المعاصرة، بل يختلف معهم في غير قليل من النقاط، وهي وجهات نظر تنمّ على فطنة، وأصالة، ُفطر عليهما وُطُبع.
*ناقد وأكاديمي من الأردن
