إقامة للمُرتحلين

Printer-friendly versionSend to friend
د. هند السليمان*
 
يرى أمين معلوف أن «الشجرة تبقى أسيرة منذ ولادتها، لأن لها جذور». نحن البشر لا جذور لنا. السفر والارتحال جزء أصيل من طبيعتنا الإنسانية. تحركه أسباب اقتصادية، اجتماعية، نفسية أو ترفيهية. بل وتشكلت شعوب ومدن قامت بنيتها الاقتصادية والثقافية والسياسية من خلال السفر والارتحال. الترحال لا يزال ملازماً لوجودنا على الرغم من تمدننا، فحتى من لم يغادر مدينته فعلى الأغلب غادر مكانه، محل إقامته.
حديثاً، أنتجت طبيعة النشاط الاقتصادي وتغير نمط الحياة بأثر التقنية أشكالاً جديدة للسفر ووفرت له أسباباً إضافية. لتصبح الفنادق هي أول من يستقبلنا عند القدوم للمكان الجديد. فنادق توجد في كل مدينة لتشكل مقصداً ممكناً لمرتحلي هذا العصر. فنادق تحمل الاسم ذاته مهما اختلفت المدينة، يحرص النازل فيها على أن تكون غرفته الفندقية بغطاء المخدة ذاته والمنشفة ذاتها أياً كان مكان إقامته. تفعل الفنادق ذلك لتحرص على «الشعار» الذي يجعلها تبقى في الذاكرة لأكبر فترة ممكنة. فذاكرة المسافر قصيرة دوماً. فلماذا يسافر المسافر إذا كان سينتهي لطلب النوم بالسرير ذاته والحصول على الإفطار ذاته الذي يعده الفندق ذو العلامة التجارية وبطريقته المعتادة لزبائنه؟ أهي الرغبة في رحيل يمنح الفرد تحرر الغريب الفاقد لهويته، وبالوقت ذاته، هذا التحرر يحرض الخوف من الوحدة والضياع، فيتجه المرتحل للبحث عن المألوف، حتى لو كان المألوف الشعار الموضوع على منشفة الحمام؟
 
فردانية الفندق
الفنادق الحديثة لا تمنحك حتى مفتاحاً للغرفة، مجرد بطاقة تنتهي فعاليتها بانتهاء أيامك في الفندق. كل ما عليك، رمي هذي البطاقة لتنتهي علاقتك بالفندق. حتى موظف الاستقبال ليس عليك أن تخبره بأنك مغادر. لا أحد يهتم، بطاقة الفندق وبطاقتك الائتمانية هي من يحدد ويعلن ذلك، فهي ما يهم. في الفندق، أنت الغريب الذي لا يترك أثراً ولا يعرف بوجوده أحد. موظف مطعم الإفطار وحده من سيعلم بوجودك، ولكنه سيعلم عبر رقم غرفتك دون اسمك. فما يهمه من اسمك هنا؟ يدخل نازلو الفندق ويخرجون ولا تعلم من هو جارك ومن سكن قبلك في غرفتك. تتجاورون في الغرف ومائدة الطعام ووسائل الترفية المتوافرة في الفندق، لكن تعبرون المكان كأطياف أشباح. مالك المطلبي يقول عن تجربة الإقامة الطويلة في الفنادق: «الفندق هو أحد مكونات الصمت على الرغم من ظاهره الذي يبدو فيه كأنه سوق هرج لغوي! إنه المكان الأنسب للعزلة والتأمل ومكان الذات لا الآخر».
وصف كهذا يشعرك كم أصبحنا فردانيين، نسافر وحدنا، لنقيم وحدنا في غرف ضيقة، نحاول جعلها مألوفة عبر اختيار اسم لفندق مألوف، لننتهي مع ذواتنا وحيدين. فهل في الإمكان أن نكون بهذه الدرجة من الفردانية؟ ألا تخبرنا الانثربولوجيا أن الإنسان كائن اجتماعي؟ فما الذي حدث؟ كيف ومتى حدث هذا التحول، وهل حدث فعلاً؟ من المؤكد أننا لم نتحول من أقصى أشكال المجتمعية إلى أقصى أشكال الفردانية، فلا حديّة أو نقاء كامل في السلوك الإنساني ولكنه ميلٌ لجانب أكثر من جانب آخر.
 
تجارة الضيافة
لنأخذ شكلاً آخر لإقامة المرتحل، شكلاً أكثر حداثة أنتجته وسائل التواصل الاجتماعي. الحجز لا يتم إلا عبر تطبيق تحمّله تلفونك الذكي. موقع «إير بي إن بي»، في هذا الموقع لا فنادق بأسماء عالمية، بل لا أسماء على الإطلاق. مجرد بيوت يفتح أصحابها أبوابها إما لتشاركهم المبيت في الغرفة ذاتها، أو في غرفة خاصة بك أو قد تختار استئجار كامل البيت. على الأغلب، ما يتم استئجاره هو الغرف الخاصة داخل البيوت. الغرفة التي كانت تقيمها الأسرة لضيفها العائلي كعمّ أو خال مسافر، أصبحت غرفة يقيم فيها الغرباء، ليُقيم إقامة الضيف القريب، بمبلغ معلوم. إنها تجارة الضيافة.
الفندق، نبحث عن تفاصيل موقعه، سعره، نظافة الغرفة، أما في الغرفة المستأجرة لدى عائلة فهناك عنصر آخر يضاف للبحث وهو أهل البيت. في التطبيق، تجد لكل صاحب مسكن تعريفاً يقدمه لنفسه، اهتماماته، مهنته، عدد أفراد أسرته، قوانين منزله الخاصة. فمثلاً، هل يسمح بالتدخين أو الحيوانات الأليفة أو العلاقات الجنسية. كما ستخبرك العائلة عما ستمنحه لك من طعام، بعض الأسر كريمة، تمنحك فطوراً صباحياً لذيذاً تتشارك فيه مع العائلة على مائدة الطعام، وبعضها تكتفي بأن تمنحك فرصة استخدام ثلاجة المطبخ لتحضّر أنت أشياءك، وبينهما يوجد الكثير. ألا يشابه هذا الفرد داخل أسرته؟ فالمسافر يقيم لا كضيف عابر، بل كابن عاد من سفر. أهل البيت بهذا المعنى يصبحون كأسرة متبناة يختارها المرتحل خلال فترة سفرة. عائلة تحتضنك، مؤقتاً، تأكل معهم وإن عدت لغرفتك مبكراً في إحدى الأمسيات يمكنك مشاركتهم السهرة. هي عائلة بلا التزامات عليك الخضوع لقوانينها، وهي عائلة تختارها أنت، وتُشكلها بما يتناسب ومزاجك الخاص.
حين تتصفح هذا الموقع بحثاً عن مكان للإقامة، تجد التعليقات ترتكز على دفء صاحب السكن وحميميته وحسن تعامله وجمال أحاديثه، وصف كهذا يشابه من يصف زيارته لبيت أحد أقربائه البعيدين الذين يتعرف إليهم للمرة الأولى. في المقابل التعليقات حول الفنادق، ترتكز حول النظافة والموقع والخدمة، فالفرد هنا لا يهتم بالتماس مع البشر بقدر اهتمامه بالتسهيلات التي تمنح فرديته راحة أكبر. وكأن الهدف في البحث الأول إيجاد أسرة مؤقته للاحتضان، وفي البحث الثاني مكان طارئ أقرب لصفة اللامكان. هل التحول في نمط الإقامة هي محاولة لإعادة التوازن لتوحش الفردانية التي نعيشها، هل أصابنا تشبُع منها، وبدأنا نحنُ لإشباع الجانب الاجتماعي الذي أهملناه طويلاً، فكانت هذه هي الطريقة؛ فردانية جديدة، وفي الوقت ذاته لا تلغي حاجتنا للتواصل الاجتماعي؟
لعله كذلك، ولكن لابد من الإشارة لميزة إضافية تمنحها الإقامة وفق هذا الشكل. هنا، تتعرف إلى إيقاع المدينة عبر ساكنيها، فلا إقامة في أماكن الواجهات السياحية المعتادة. هذا يجعلك تتماس مع المدينة بوجهها الحقيقي لا المزيف للسائح، فعلى الأغلب ستجد نفسك تستخدم المواصلات ذاتها التي يستخدمها من أقمت عندهم، مواصلات لسكان المدينة لا العابرين الغرباء. وإن أردت الغوص أكثر في التجربة فبإمكانك أن تذهب لأماكن الأكل والتسوق التي يقصدها أهل المدينة، بدل المطاعم و(المولات) المقدمة في (البروشور) المعروض لكل سائح مهما اختلفت ذائقته. في غرفتك لدى أسرتك المؤقتة تراقب أهل البيت والجيران، ترى معاشهم اليومي عاداتهم، تختبر هذا، لتتعرف إلى المدينة ليس عبر معالمها السياحية ولكن عبر تفاصيل سكانها.
ليس هذا فقط، بل من الممكن أن تكون هذه الإقامة تجربة يعيشها الفرد لخوض تحديات شخصية. مثلاً، كامرأة غير محجبة تسافر كثيراً وحيدة، الإقامة في فنادق مدننا العربية تُسهل حدوث عملية تنميط محددة وغير مقبولة. لذا فالإقامة وفق ما يطرحه ذاك الموقع تجعل إقامتك تشبه إقامة قريب أتى من مدينة بعيدة لزيارة أهله فلا أحد يكترث لك. وهذا ما تريده امرأة وسط سُعار شوارعنا. أيضاً، الإقامة لدى أفراد بأديان وعرقيات ومستويات اقتصادية وتعليمية مختلفة تحدياً جديداً تستطيع اختباره. الإقامة عند الزوجين اللاتينيين في مدينة القاهرة، والعائلة الهندية في البحرين، والشابة الأوكرانية في بيروت التي حاولت طوال فترة إقامتي إخفاء طبيعة عملها خوفاً من ردة فعلي. أُسر كثيرة بقصص ومفاجآت يكشفها العيش معهم ومشاهدة تفاصيلهم.
 
في بيت رجل وحيد
مرة انتبهت إلى أنني أتحاشى اختيار الإقامة في بيت يسكنه رجل وحيد. أعرف أن للأمر منبعاً من قصص الطفولة حول ضرورة الحذر من الرجل الغريب، وأن أي خلوة مع غريب ستنتهي باغتصاب محتمل! لذا، كان لا بد من تحدي هذا، فأي قراءة في فلسفة الآخر والنسوية لن تسقط هذه الفكرة الساذجة، بل عيش التجربة هو من سيربكها ويفككها. في زيارة لمدينة نيويورك ولمدة عشرة أيام اخترت الإقامة في شقة يمتلكها أستاذ جامعي يقيم وحيداً. كانت فرصة للتعرف إلى تفاصيل من يعيش وحيداً في مدينة ضخمة كنيويورك. اتضح أنه يهوى الركض، بل وفاز بعدد من الماراثونات، فكان يستيقظ في الرابعة صباحاً، ليبدأ الركض لمدة ثلاث ساعات قبل الذهاب للعمل، وحين يعود يرتاح قليلاً ثم يعاود الركض لثلاث ساعات إضافية. هكذا إذن يقضي رجل وحيد في مدينة كبيرة أوقاته، في الركض!. في زيارة ثانية للمدينة ذاتها، أقمت عند زوجين مع أبنائهما، وفي ليلتي الأخيرة لديهم، أقاموا مأدبة عشاء لوداعي، شعرت حينها وكأن لي عائلة تقيم في مدينة نيويورك، المدينة الأحب إلى قلبي!.
في فلورنسا لم أستطع مقاومة تلمس مفتاح سكني طوال فترة إقامتي هناك، مرددة لنفسي:»أحمل مفتاح شقة عمرها 400 عام، وفي فلورنسا»! شعور مغوٍ وباذخ. مفهوم جديد للسفر تشعر معه أن المدينة تمنحك مفاتيحها. بالتأكيد شعور مختلف عن البطاقة البلاستيكية قصيرة العمر التي تمنحها الفنادق. الآن، في البحث عن موقع للإقامة لا أهتم بالموقع ولا تفاصيل الغرفة، كل ما يهم هو من يمتلك البيت. تصبح الرحلة ارتحال للقاء أفراد أو أسر نتخيل أننا أصبحنا جزءاً من صورهم العائلية في غرفة المعيشة، ولو لفترة وجيزة. في سفرتي القادمة أكثر ما يثيرني فيها؛ الزوجان المتقاعدان اللذين سأقيم عندهما. مهاجران عادا إلى لبنان حديثاً، مهتمان بالفنون، ويقيمان في منزل يحتوي تحفاً رائعة. من المؤكد أن أمسيات غنية سأمضيها بصحبة تلك العائلة. لتصبح هذه الصحبة هي محرك السفرة وأحد أهم أهدافها. فهل هذا هدف جديد للسفر أنتجته التقنية الحديثة، نمط جديد أو وجه آخر للسفر قد تشكّل؟ أيعني هذا أن التطبيقات الحديثة أصبحت مجالاً لتغير أسباب سفرنا. وهل نعمم من هذا، بأن التقنية غيرت حتى من أسلوب حياتنا وخياراتنا، مما قد ينعكس على مفاهيمنا وتصوراتنا للذات والآخر بشكل ربما لا نملك أن نقبض عليه بدقة وبوضوح؟.
 
* كاتبة سعودية. المقال عن "الاتحاد" الإماراتية.