إلسا مورانتي ساحرة الرواية الايطالية

عبده وازن

 
لم تترجم الكاتبة الإيطالية إلسا مورانتي (1912– 1985) إلى العربية ولم يعرف القراء العرب أدبها جيداً ولا أعمالها الروائية، على خلاف زوجها الكاتب الشهير ألبرتو مورافيا (1907- 1990) الذي ترجمت له روايات عدة إلى العربية، خصوصاً في الستينات والستعينات، وجذب جمهوراً واسعاً من القراء ورحبت به الصحافة وكتبت عن أعماله. أما إلسا فلم يقرأها في العالم العربي إلا الأشخاص الذين يجيدون الإيطالية أو الفرنسية او الإنكليزية، أي من خلال الترجمة إلى هاتين اللغتين. لكن اسمها معروف جداً عربياً نظراً إلى شهرتها العالمية واقترانها بمورافيا والفضيحة التي أثارها زواجهما المضطرب والمتقلب. وفي باريس صدرت حديثاً سيرة فريدة لهذه الكاتبة وضعها الكاتب رينه دو سيكاتي المعروف بخوضه عالم السير بعنوان «إلسا مورانتي: حياة في سبيل الأدب» (دار تالاندييه ) وهي كما وصفت، الأشمل والأعمق. وكان دو سيكاتي الروائي المعروف كتب سابقاً سيرتين مهمتين واحدة للكاتب والسينمائي بيار باولو بازوليني وأخرى للروائي ألبرتو مورافيا، وأعاد فيهما البحث في أسرار هاتين الشخصيتين الإيطاليتين الإشكاليتين اللتين شغلتا الأوساط الثقافية في ايطاليا والعالم.
لم يكتب رينه دو سيكاتي سيرة لإلسا مورانتي في المعنى الكلاسيكي للسيرة، بل سعى إلى ولوج عالم هذه الكاتبة الكبيرة التي تعد مرجعاً في إيطاليا، وإلى كشف أسرار هذا العالم، ذاتياً وابداعياً، حياتياً وأدبياً، مستعرضاً ومحللاً في آن واحد، مؤرخاً ودارساً. وكعادة أعماله على هذا المستوى بدت السيرة هذه عملاً ابداعياً نظراً إلى اللغة التي يعتمدها دو سيكاتي في الكتابة السيرية، وإلى الأسلوب الروائي الذي يملكه .

 

تجربة فريدة
ولعل صعود اسم الكاتبة المجهولة إيلينا فيرانتي أخيراً ورواج رواياتها (لا سيما رباعيتها النابوليتانية مع البطلتين إيلينا وليلا) رواجاً كبيراً ومفاجئاً شكّل ما يشبه المفارقة الغريبة، فالكاتبة المتوارية وراء هذا الاسم والتي ما زالت محل تحرّ وبحث أعادت إلى الساحة الأدبية اسم إلسا مورانتي، ودفعت بعض النقاد إلى المقارنة بينهما نظراً إلى التقارب في الموضوعات وطرق السرد. إلا أن إلسا تبقى هي المرجع، والأثر الذي تركته في الحركة الروائية الإيطالية واضح كل الوضوح. وتعود فرادة تجربة مورانتي في شكل خاص إلى روايتها «لا ستوريا» (1974)، التي كرست شهرتها بعدما راجت هذه الرواية ونُشرت آلاف النسخ منها، وتُرجِمت إلى لغات عدة. وقد ساهم الفيلم الرائع الذي استوحاه منها المخرج الكبير لويجي كومنشيني في شهرتها، وقد أدت فيه كلوديا كاردينالي دور البطولة.
إلسا مورانتي روائية كبيرة، متفردة بشخصياتها وأساليبها السردية المتعددة ولغتها الحية والنابضة، إضافة إلى الموضوعات الراهنة التي تطرقت إليها وعالجتها، وبعضها يدخل في سياق ما كان محظوراً. حتى في الصور التي نشرت لها يكتشف القارئ امرأة ذات سحنة سمراء وملامح متوسطية وقسمات كأنها مرسومة بدقة، وما يلفت في هذه الصور أن الابتسامة لا تظهر على محيا إلسا وبخجل، إلا في نهاية حياتها. قد يكون ممكنا وصفها بالإنسانة التراجيدية التي عاشت حياتها، وكأنها خارج الحياة. فنظراً إلى طفولتها وسنوات مراهقتها، لم تبدُ إلسا مستعدة للوقوف أمام مستقبل باهر. فهي ولدت في أسرة متواضعة، ووالدها رسمياً أوغوستو مورانتي (يقال إنه كان مثلياً أو عاجزاً جنسياً)، لكنها في الواقع ابنة «عم مزيّف» من صقليا، في حين أن أمها إيرما معلّمة يهوديّة. أنهت الفتاة الصغيرة المدرسة الابتدائية في مؤسسة خاصة تملكها المركيزة مارايني غويريري. ويرى رينه دو سيكاتي أن هذا الشرخ بين العالمين كان في أساس علاقة هذه الكاتبة مع الخيال، فهي لم تلبث أن كتبت أنّ «فضاء الأشياء الملموسة ليس فضاءنا الحقيقي».
بدت إلسا منذ مراهقتها ذات موهبة شخصية وحذاقة شبه فطرية، فهي لم تنه أي دراسات عليا وراحت تكسب رزقها في سن مبكرة جداً عبر إعطاء دروس وتأليف كتب للصغار، والمثابرة على نشر بعض المقالات في المجلات. وكان لقاؤها سنة 1936 مع ألبرتو مورافيا المشهور جداً آنذاك، حاسماً، ترك أثراً في حياتها كلّها، على الرغم من انفصالهما من دون طلاق رسمي، والاضطراب الذي اكتنف حياتهما المشتركة. ومنذ البداية أصلاً سعى الكاتب والكاتبة اللذان يمثلان أفضل تمثيل ما يسمى «الثنائي الفوضوي»، إلى الاحتفاظ على استقلاليتهما الكاملة، شخصياً وأدبياً. وراح كل منهما يكتب على حدة من دون التأثر بالآخر، بل شرع كل منهما يعيش مغامراته العاطفية، التي كانت واقعية إلى حد كبير لدى مورافيا، وشبه خيالية لدى إلسا التي كانت تفضّل التعلّق بأشخاص مثليّين مثل المخرجين فيسكونتي، وبازوليني... وما كان يجمع بين الزوجين خارج النطاق الأدبي هو دائرة أصدقائهما، وتضم ليونور فيني، بازوليني، لورا بيتي، وماريا كالاس... وكانا يلتقيان بهم بانتظام في المسرح اوفي مطاعم روما، وكان بينهم من رافقهما في السفر إلى أفريقيا والهند. بيد أن إلسا قصدت نيويورك وحدها ومكثت فيها وقتا طويلا نسبياً، وهناك اكتشفت بين التيارات الأدبية الرائجة حينذاك تيار «جيل بيت» الشهير الذي يضم جاك كرواك وألن غينسبرغ ووليم بوروث... قدّرت إلسا كثيراً معطيات هذا التيار الحديث وقرأت أعمال كتابه وشعرائه. وفي تلك الحقبة أغرمت بالنحات المثلي بيل مورو الذي انتحر في الثالثة والعشرين، وكان انتحاره أشبه بمحنة وجودية أثرت كثيراً في حياتها.

خصائص كاتبة

لم يتوقف دو سيكاتي عند هذه اللوحة البانورامية الشاملة التي قدمها وابرز فيها الدوائر الأدبية والفنية الإيطالية ما بين العامين 1939 و1980، بل راح يراجع بدقّة الباحث الأكاديمي أعمال إلسا الروائية مستخلصاً الخصائص التي تفردت بها، ومن بينها «كذب وسحر»، «جزيرة أرتورو»، «أراكويلي»، «اللعبة السرية» وغيرها. وهو قدم ولخص وحلّل وعلّق وقارن، وبحث في المقالات الصحافية، مركزاً تركيزاً أساسياً على الأعمال الروائية، من دون أن يتجاهل أعمال إلسا الشعرية الجميلة، التي لم تحظ بالشهرة التي حظيت بها رواياتها. ومن اجل فهم شخصيّتها بطريقة أفضل، أجرى بحوثاً عن المؤلفين الذين أُعجِبَت بهم، مثل جان جينيه وبوب ديلان وستندال وأرنستو سابا ودانتي وشكسبير، واستعاد المقاطع ذات المغزى الواضح في مذكّراتها الشخصيّة وفي الأحكام التي أطلقها أصدقاؤها عليها، ولم يغض النظر عن أي جانب من حياتها. كان عمله على ذائقتها الأدبية والفنية سبيلاً آخر لفهم عالمها وأسراره.

ولئن كان معروفاً على الصعيد الأدبي، أن مورانتي عرفت الشهرة في حياتها فهي لم تكن مستسلمة لهذه الشهرة ولم تعن لها الكثير. كانت الكتابة هي الغاية بذاتها، الكتابة التي آمنت بها، كما تقول.
وعلى الصعيد الإنساني، لم تكن وقائع حياتها باهرة. وعلى الرغم من حياتها الاجتماعية الصاخبة، ظلت إلسا دوماً تؤثر الوحدة والانعزال، فطبعها المتطلب ورفضها للواقع ونظرتها الغريبة إلى الحب هي من الأمور التي زادت من عزلتها. وبما أنها لم تنجب أولاداً، هي كانت تحب الأولاد كثيراً، وقد بدأت حياتها الأدبية تكتب لهم (الأولاد ينقذون العالم)، فلم تكن لها يوماً عائلة خاصة بها. وفي عمر السبعين، أصيبت بالشلل جرّاء حادث حل بها، وجعلها في وضع صعب، بلا علاج ناجع ولا قدرة على التكيّف، لكنها أصرت على عدم الاستسلام والتنحي، فقوّتها العقليّة كانت حاضرة وحالها المعنويّة لم تتأثر.
ولم تنفك تقول، «أريد أن أموت»، وهي في دار النقاهة حيث أمضت آخر أيام حياتها، محاطة بأصدقائها وزوجها الذي توفي بعد خمس سنوات من رحيلها.
إلسا مورانتي كاتبة كبيرة واستثنائية في إيطاليا والعالم، وهي لم تكن تحتاج إلى أن تكون زوجة الكاتب الكبير ألبرتو مورافيا لتحقق شهرتها ولا ترسخ اسمها وتجربتها الفريدة. روائية ذات مزاج خاص أو شخصي جداً، سليم ومتقلب في آن واحد، حقيقي وانحرافي. ولعل القضايا التي استأثرت بها منذ بداياتها حتى آخر أعمالها هي النزعة الطفولية التي تجسدت في روايتها الأولى «مغامرات كاترينا الغريبة»، الدهشة إزاء الحياة، مواجهة الشر الذي يحكم العالم ويتحكم بالبشر... ظلت إلسا أشبه بطفلة مدهوشة تراقب ما يحصل من حوله بعين قلقة وبريئة. وهذا ما جعل الحكاية لديها تكون حكاية متخيلة تواجه الواقع والتاريخ. وهكذا جمعت إلسا بين الواقعي والمتخيل، منتصرة لهما معاً، فهما في نظرها لا ينفصلان بعضاً عن بعض. وقد أعلنت مراراً أن الحقيقة الوحيدة هي الحقيقة الشعرية وأن المتخيل هو الواقع الحقيقي.
 
عن "الحياة" اللندنية.