اخـتـلال

أحمد غانم عبدالجليل*

 

 ترمق صومعتك الحديدية الصدئة لدى مرورك بكامل أناقتك التي كانت لها الأولوية دوماً لديك، تتحداها بخطاك الواثقة، تحط على الأرض بانتصاب قامة شاب لم يشكُ يوماً من ألمٍ في الفقرات، أو قرحة توغلت إلى أمعائك لتلقيك في الفراش أشهراً دون حراك، لم ترغب خلالها برؤية أحد. يحيطك حراسٌ أشداء جيء بهم مع منصبك المرموق. رشّحك له أحد أصحابك المنتسبين إلى أحد الأحزاب الممسكة بزمام الأمور في العهد الجديد، فأنجدك من هوة التقاعد المبكر الذي أجبرت عليه، تتطلع كل شهر إلى الأوراق النقدية المتهالكة بعرق عقودك الماضية بعينين جاحظتين، تستثير أعصابك، ترفع ضغط دمك، تجعلك أكثر عصبية ونقمة على كل شيء، رحيل الأولاد واحداً تلو الآخر رغم تضرع أمهم وتوسلاتها بقائهم، وأنت رغم صرامتك الدائمة معهم منذ صغرهم وتعقد علاقاتكم مع  كل مرحلة عمرية يخطونها، ترتفع خلالها نبراتهم المتذمرة من سطوتك وتقلباتك المزاجية، صار قلبك الموَطَد على عدم المبالاة إلا لذاتك، كما وصفه أحدهم في عراكٍ محتدم معك، يفتقدهم بضراوة من حينٍ لآخر، ويمكن أن تتعرج دمعة خفية بين غضون وجهك العبوس. كل منهم يحتار في تصريف أمور حياته وأسرته الصغيرة حيث ألقاه جناحاه المهيضان، بالكاد يرسل إليك أحدهم كل عدة أشهر ما أمكنه تدبيره، يسألونك بيع البيت والبحث عن جحر تمضي وزوجتك فيه سنواتكما الخريفية في الزمن المكلل بالأغلال، وسفرياتك الحكومية لا تبارح ذاكرتك. كنت تعود منها محملاً بالهدايا وأبهى التحف، تباهي بها زوارك الذين لم يكونوا ينقطعون عنك. عاودت سيارات من بقي من أصدقائك وأقاربك الاصطفاف أمام الباب الذي كنت ترقبه ساعات طوال، بجلبابك المهلهل ولحيتك التي تهملها أياماً دون حلاقة، وقد فقدت كل أمل بإعادتك إلى الوظيفة بعقدٍ سنوي، تتسمع أخبار مرؤوسيك القدامى وما جمعوه من ثروات تتراكم مع تدفق النفط المهرّب عبر البلاد، تصب جام غضبك على زوجتك الرازحة معك تحت عبء الفقر. يسمع الجيران أصوات صياحك ولعناتك وقبح شتائمك لها. طردتها أكثر من مرة من الدار بعربدة سكير لا يعي تصرفاته، كدت تطلقها مراراً، وإن لم يصدر عنها سوى الولولة الأشبه بمواء قطة هرمة أضناها الجوع، والاستغفار الذي لا ينفك عن تدوير مسبحتها الطويلة في رتابة أيامكما القاحلة، تحسب إنها تتعمد إغاظتك به أكثر من أي كلام. تتلافى نظراتك المتجهمة والمتحيرة في جدائل صبرها.
 لم تتصورا أن تريا أولادكما وأحفادكما ذات يوم. الصور القليلة لديها كادت تتمزق بين حنايا صدرها، تتشرب دموعها الصامتة خوفاً من ثوراتك المجنونة. تتشبثَ بملامح تلك الوجوه البعيدة، وكأنها تترجاها عتقها من مرارة جحيمك، وإن وجدت كل شيء يأتي إليها دون شقاء اعتادته لسنوات، وأنت جالس في مكانك لا تكف عن التذمر وإصدار أوامرك السلطانية للخدم، أما هي فلتهتم ـ تحت إشرافك ـ بتجديد الأثاث، البحث عن مثيلات تلك التحف واللوحات التي تسللت من الدار واحدة إثر أخرى، وشراء ثياب جديدة، ليس من أجلها، بل من أجل زهوك أمام ضيوفك.
 شهقت غير مصدقة موافقتك على سفرها لأداء مناسك الحج، في ذات فترة سفرك إلى أميركا مع وفد حكومي رفيع المستوى. احتواك نشاط وحماس لم تعهد مثلهما حتى في بداية حياتك المهنية، تناقش وتجادل في أدق التفاصيل التي لا يفقه فيها زملاؤك شيئاً، يجتاحك ظفر منتصر لا يجاريه أحد في سوح القتال، وددت لو أمضوا الوقت في غرفهم المترفة بين أحضان عشيقاتهم، أو التسوق من أرقى المحلات، بشيء من رزم النقود التي رفضت مثيلاتها بنرفزة الشعور بالإهانة، أو الجلوس في البارات، ومن ثم النوادي الليلية الخاطفة للأبصار، وترك كل المهام لك والسكرتيرة الفاتنة التي ترافقك، لإتقانها استخدام الكومبيوتر، فتنجز كل الاتفاقيات على أحسن ما يرام وبأسرع وقت، دون أن تشعر بأي قدرٍ من التعب يتسلل إلى جسدك الذي كان يتأوه لأقل شيء، متجاهلاً كل ما عليك أخذه من حبوب ضغط وسكر، وأخرى مهدئة للأعصاب، أوشكت على إدمانها في ما مضى.
 هاأنت تعود لجلستك مجدداً بالجلباب، منكوش الشعر قطني اللون، وقد زالت الصبغة فاحمة السواد عنه، لحيتك شعثاء، وعيناك غائرتان، تدفع الأرض بقدميك فتهتز الأرجوحة بك هزات خفيفة تُميد السماء من فوقك، تزفر أنفاسك عالياً، ترمق باب الحديقة المغلق بقهرٍ موغل في الوجع منذ رحيلها، لا يسعفك التفكير أين يمكن أن تكون. لم تعد تطيق احتمال سلسلة اهاناتك المستعرة أكثر من ذلك. نظراتها المشفقة تبصرها شماتة مقيتة جراء سحب بساط الريح من تحت قدميك لعدم تآلفك مع متطلبات المرحلة الجديدة التي تمر بها البلاد، هكذا همس صاحبك المسؤول في أذنك، يفجر الفقاعة الكبيرة التي احتوتك لتهب كهولتك عمراً جديداً تتنسم هواءه بعد طول اختناق. تناديها، تستغيث بها، علّها تعود، رأفة بحالك، كأمٍ تهبُ لنجدة ابنها، مهما اختلج قلبها من غضبٍ عليه.
 
* قاص من العراق.