الاحتفاء بالحياة في رواية يحيى صاحب “فندق كوكول”

رمزي حسن*

 
يُعد يحيى صاحب كاتبا استثنائيا، إذا ما عرفنا حجم المنجز الذي قدمه طوال مسيرته الابداعية، التي امتدت لما يقرب من نصف قرن، وما اتسم به هذا المنجز من تنوع ورصانة وغنى، وكاتب مثله تربو كتبه على السبعين كتاباً في الشعر والقصة والرواية والمسرح الشعري واليوميات والترجمة، ويتوفر على هذا القدر من الخبرة والتجربة؛ لابد أن تكون الكتابة هي كل حياته.
في كتابه الأخير "فندق كوكول" يجرب يحيى صاحب شكلاً آخر للكتابة الإبداعية يمكن تصنيفه ضمن ما يسمى بالرواية التسجيلية، فالسارد في هذه الرواية، ولعله الكاتب نفسه، يقوم ومجموعة من العائلات برحلة برية إلى جورجيا، وفي غضون ذلك يقوم بتسجيل انطباعاته ومشاهداته عن تلك الرحلة، في بنية يجري تأطيرها بما يشبه المدونات اليومية.
وغالباً ما تكون الأعمال السردية التي تستخدم صيغة المتكلم مرتبطة بتجربة السارد، الذي يتحقق وجوده، كما في هذه الرواية، بوصفه سارداً وممثلاً في آن.
يبدأ السارد حكايته في اللحظة التي تنطلق فيها المركبة، وهو يستهلها بالتنبيه إلى أن الغرض من هذه الرحلة هو تسجيل صورة للمدينة، ولكن ليس بآلة كاميرا، إنما بآلة أخرى متعددة الأبعاد وأكثر تعقيداً هي الذهن البشري، فما ينقص الكاميرا هو إنها تقدم لنا صوراً ساكنة لا حياة فيها، فهي مجرد آلة في النهاية، بينما يقدم الذهن البشري صوراً مفعمة بالحياة، وهو لا يتوقف عند ما هو مرئي فحسب، بل يتحسس ما وراءه أيضاً:  
"بدا الفضاء من وراء زجاج النافذة، رائقاً، كان مثالياً إذا أردنا أن نسجل للمدينة صورة ذهنية، حين تتراجع عين كاميرا عن اعطاء صورة، لعدم وجودها، فاسحة المجال لكاميرا بديلة أكثر خطراً، تتحرك وتلتقط ما بدا ساكناً، من جوانب عديدة، ولا تتوقف عند ما هو مرئي، بل تتحسس ما وراءه أيضاً" ص5.
وفيما تواصل المركبة اندفاعها في الشارع يتابع السارد المشهد في الخارج، يلتقط  كل ما تقع عيناه عليه، ويحرص على ألا يفوته مشهد من المشاهد، على الرغم مما تنطوي عليه هذه المهمة من صعوبة، لأن المصور والمصوّر، السارد والعالم الخارجي، كلاهما متحرك، هو يتحرك إلى الأمام فيما تتحرك هي (الأشياء) إلى الخلف، ناهيك عن السرعة التي يتحرك فيها الاثنان، ومن هنا يغدو من الصعب القبض على الأشياء أثناء مرورها في محاولة لتسجيلها. إذ أن مدركات السارد في مثل هذه الحالة لا يمكن أن تمدنا إلا بمعارف أولية عما تراه.. إن ذلك يتطلب تلمساً حقيقياً لطبيعة تلك الأشياء، ومن هنا ستظل معرفتنا بها، وهي في حالتها المتحركة، معرفة ناقصة كما سيظل ادراكنا لها نسبيا، غير أن هذا لا يمنع السارد من متابعة الاشياء بشغف، ولا يكتفي بتسجيل الظواهر الخارجية ورصدها فحسب، وإنما ينسحب إلى التعامل مع الواقع، بوصفه جزءاً لا يتجزأ من تجربته الروحية:
"لم أر في حياتي مشهداً جميلاً كهذا! يستمر المشهد كأنه صورة فوتوغرافية ملونة [...]. إنني لمأخوذ بكلّيتي، وكأن ما أراه ليس ماءً وحجارة، إنما روح هائلة تدعوني، فأتصل بها. هل نحن في حالة تصاد؟ بل أن روحينا قد تماهتا، وأصبحنا روحاً واحدة. وأرى أن الطبيعة قد استردتني، تماماً، بعد أن تحللتُ بوصفي نقطة؛ انفصلت عنها، ذات يوم، وها أنذا، أعثر على ما فقدته منذ فجر الوجود، فأعود – هل كنت إبناً ضالاً؟ ، إلى أحضان أمي" ص48 .
ويغلب طابع الوصف على هذه الرواية، ويغدو العنصر الأساس الذي تقوم عليه، والرواية التي تعتمد وسيلة الوصف تشكل تحدياً كبيراً للكاتب، مالم يتوفر، أي الكاتب، على معجم غني من الالفاظ وخزين هائل من المفردات يمكنه من تمثيل الحياة تمثيلاً يقترب من حدود التصوير الفوتوغرافي، وهو ما يتمتع به يحيى صاحب الذي يتسم أسلوبه بخاصية شعرية عالية، ولغة باذخة تضج بالحياة، ما يثري الجو بإحساس واقعي. كما في هذا المشهد الحسي الذي يصور فيه السارد برتا وهي تحتسي الجعة، وذلك بلغة نثرية صافية كما لوكنت تنظر في جدول ماء، رائق، بمقدورك ان تبصر الاشياء بوضوح في قعره، بإدراك يترجم فيه السارد كل تفصيلات تجربته الحسية في دقة وصفية تبعث على الدهشة:
"رفعت برتا قنينتها وأمالتها على قدحها، فاندلقت الجعة ذهبية باردة، وسرعان ما أحيطت فوّهته الشفيفة الواسعة بضباب. وأدرت لنفسي أنا، أيضاَ. هدأت وشوشة رغوة السائل، في القدحين، وتحولت إلى فقاعات صغيرة. بينما استحال الضباب إلى قطرات جعلت تنساب على زجاج القدحين من الخارج" ص112 .
أو كما في هذا المشهد الممعن في الطابع البصري، والذي يصور فيه السارد برتا وهي تدخل غرفتها، فنرى موجودات الغرفة من خلال عينيها، وذلك من خلال وصف يقطع اطراده حضور السارد: 
 "دخلتْ. وحين ضغطتْ زراً، برزت، فجأة، إلى الوجود: رفوف الكتب، نصف طاقم قنفات، طاولة مستطيلة، مزهرية تعلو منها حزمة أزهار بيضاء، وعلى الأرضية انبسطت سجادة مارونية اللون، مربعة. احتلت الجدار، الصور العائلية؛ جماعية وأحادية. فيما اصطف على يمينها: ثلاجة، طباخ، كاونتر، قابله من الناحية الأخرى، مما يلي النافذة الواسعة، المطلة على الشارع، طاولة كتابة كبيرة، عليها، بالإضافة إلى سيت مكتب أسود اللون، عدة كتب مبعثرة، استقر وراء حافتها الأمامية، كرسي ذو تاج، عال، دوار" ص117 ـ 118.     
والسارد في هذه الرواية يتنقل من أسلوب السرد الذاتي إلى أسلوب السرد بضمير المخاطب وبالعكس، وقد يحصل التحول في الضمائر، أحياناً، ثلاث مرات في القطعة الواحدة، كما في هذا المثال الذي يتحول فيه السرد من ضمير الغائب، ثم ضمير المتكلم، ثم المخاطب: 
"شرعتْ الساعة، بحركة نملة مريضة، وقد غادرت، تواً، فترة نقاهتها، متخطية بضعة أشرطة، الدقائق الخمس، قبل الثامنة. أرادت أن تتحرك، ولم تكن حركتها إلا بقصد قطع الشعرة التي تشدني إلى شيء ما، لتلقي بي إلى ذلك السفح المريع، في المجهول. حين تكون قلقاً يحول هذا الانفعال بينك وبين عرقلة داخلية تمنع من أن تظل بكل ما فيك على ما يرام، ومن غير المجدي أن ترى عقلك، كما تراه دائماً، وليس لها سوى القيام بتلك الحركة التي يتبعها كل شيء.." ص24 –  25.     
وهو يفعل ذلك من دون إي انحراف في بنية السرد. إذ  يجري التحول على نحو غاية في الاقناع، فالسارد في هذه القطعة، يبدأ بوصف حركة ساعة، من هنا كان عليه أن يصورها بضمير الغائب، ومن وجهة نظر مراقب خارجي، ثم يعود السرد بضمير المتكلم، الذي هو الصيغة الأسلوبية الرئيسة في هذه الرواية، ثم ما يلبث أن يتحول السرد بضمير المخاطب، فيما يشبه المونولوج وكأن السارد يتحدث إلى نفسه. ورغم هذا الانتقال المجازي في الضمائر، غير اننا غالباً ما نرى الأشياء من خلال عيني السارد ووعيه الادراكي، من دون أن يبعد نفسه لحظة عن مركز التبئير. 
ويبدو السارد محكم الامساك بالوضع الروائي، واثقاً من نفسه، على الرغم من الارباك الذي يمكن أن يسببه مثل هذا التغيير الفجائي في الضمائر، والذي من شأنه إرباك القارئ، مالم يدرك  القارئ، بأن هذا الأسلوب هو جزء من الاستراتيجية التي يعتمدها الكاتب في بناء هذه الرواية. 
على أية حال، لا توجد حبكة في هذه الرواية، كما لا توجد ثيمة مركزية.. إن هذا يقع خارج مخطط الرواية، كما يبدو، وفيما عدا طابعها التسجيلي، فإن الرواية تبدو، كما الحياة لا تحتكم لنسق، فما يوجد لدينا، هنا، هو سارد يرصد عالم الناس والأشياء وخاصية الحياة في تلك المدينة، ولكن مع ذلك فأن (فندق كوكول) هي رواية وليست شيئاً آخر، فهناك شخصيات وأحداث، رغم أنها أحداث صغيرة، متسارعة، يصورها السارد وكأنها وقعت للتو، ومن هنا، يهيمن الزمن الحاضر على معظم أجزاء الرواية. كذلك فأن بنية الرواية تتغير مع ظهور شخصيات مثل: وفاء وسهاد، وهما امرأتان يتعرف إليهما السارد في المركبة التي تقلهما إلى جورجيا. ومن ثم يبدأ السارد فصلاً جديداً مع برتا، وهي فتاة جورجية جميلة، ابنة كاتب وأستاذ فلسفة في جامعة تبليسي، يتعرف إليها السارد في الفندق الذي ينزل به (غوغول)، وهو يصف لحظة التعرف إلى برتا على هذا النحو:
"جذبتني برتا من ذراعي، وأخرجتني من عالم الذهب، إلى ذهب العالم، من شمس الذهب إلى شمسها هي، وأذهلتني ان كانت حقيقية، أما شمس الخارج الحقيقية فلم يعد لها وجود. وسرحنا، معاً في عالم أبيض، وكأن بيننا كل ما يمكن أن يكون بيننا، بعد، ما لا أدريه من زمن، وما أن قطعنا بضعة خطى صامتين، ممتلئين بذهول غير متوقع، توصلنا، باطمئنان أكيد إلى لغة ثالثة، ليست جورجية ولا عربية، حين جعلنا، نحن الاثنين، مضطرين إلى إيقاظها) ص109. 
وبرتا شخصية واقعية مرسومة برهافة في الرواية، يغرم بها السارد، ومن ثم تصبح (برتا هي تبليسي، وتبليسي هي برتا) على حد قوله.
ويظهر المشهد التالي، الطويل نسبياً، والذي يصور برتا وهي تستحم، لما يتوفر عليه بلغة آسرة، غاية في البراعة: 
"دخلتْ الحمام، وجعل يُسمع من الخارج، وشيش الماء المتدفق، من دش، قوياً، دعته يضرب قمة رأسها وينساب من على متنها، في ميازيب دقيقة، بارداً. واصلت وقوفها تحته، عارية، ساكنة، كأنها تؤدي طقساً، واستشعرت، كما تفعل كلما وقفت، تحته، من لحظة مشابهة، الماء محبّاً، وليس كأي محب؛ ولهاً، مُدنفاً. انفتحت أكثر، واستسلمت لمن طفق يجمعها، بقوة في غاية الرقة، من جهاتها، جميعاً. يوسعها لثماً، ويهبط بشفتيه من على نحرها..) ص131.   
إن عري الجسد الأنثوي المبثوث في هذا المكان السري، المغلق، والشخصي جداً (الحمام)،  يجعلنا ندرك البعد الرمزي الكامن في الماء الذي يرشح عن الدش، وما يمثله من استعارة مثالية ليد بشرية تداعب جسداً أنثوياً ، كما تداعب يد العازف لوحة مفاتيح آلة البيانو، ما يعني أن الماء يأتي، هنا، كناية عن السارد، وهو يتمثل تلك القطرات في انسيابها عبر الجسد، كما لو أنه يفرغ شحنته الحسية عبر هذه الملامسة. 
ويكشف المشهد النزوع الإيروسي لدى السارد، غير أن الإيروسية هنا، لا تمثل شذوذاً أو انحلالاً، بقدر ما تمثل توقاً إلى الطبيعة، إلى الجسد بوصفه نزوعاً إنسانياً طبيعياً، وقد وجد الكاتب في أسلوب السرد بضمير الغائب مخرجاً لتبرير هذا النزوع لدى السارد الإيروسي، ونجح، إلى حد بعيد، في التخفيف من ذاته النرجسية، وحضوره كسارد مركزي.
تنطوي رواية "فندق كوكول" على سحر خاص، ولا يرجع هذا السحر لما تتميز به من دعوة للطبيعة واحتفاء بالحياة فحسب، بل، أيضاً، لما تتمتع به الرواية من خاصية شعرية فذة، وقدرة فائقة على تطويع اللغة وفي خلق صور واقعية مفعمة بالحياة. 
ومن بين أعمال يحيى صاحب الروائية (الفريسة، سمايا أوروك، وطائر الفنجس، فضلاً عن رواياته القصيرة الأخرى)، تعد رواية "فندق كوكول" أكثرها امتاعاً، فهي تضج بالحياة، حيث نجد أنفسنا مفتونين بتلك اللوحات الواقعية التي يرسمها لنا خيال الروائي، والتي تعيد صوغ الحقائق البسيطة لحياتنا اليومية بأسلوب آسر مدهش، ما يجعلها أقرب إلى قصيدة النثر منها إلى الرواية.  
 
* كاتب وقاص من العراق.