التلقي والسياقات الثقافية بحث في تاويل الظاهرة الأدبية

د.إبراهيم خليل*

يواصل عبدالله إبراهيم في كتابه " التلقي والسياقات الثقافية" حفرياته المعرفية في التراث العربي القديم والوسيط. فالكتاب، الذي يقع في أربعة فصول وملحق، يتناول ظواهر ثقافية متعددة، يمكننا أن ندرجها في إطار الخطاب العربي الموروث، ففي الفصل الأول يقفنا عند اختلاف التفسير بوصفه ظاهرة عامة تهيمن على كل من المرسل والمتلقي، فالأول يضمر ما لا يتنبه إليه الثاني، فيكون تفسير الخطاب مزدوجا، فهو صحيح على الوجه الذي لم يرده صاحب الخطاب، في حين أنه صحيح لدى مستقبل آخر يمكن أن يتنبه لما لم يتنبه إليه الأول. وفي هذا السياق يقتبس عبدالله إبراهيم أبياتا أنشدها بعضهم في حادثة يذكر المؤلف تفاصيلها، منها قول الشاعر:

أنا ابن من دانت الرقاب له 
ما بين مخزومها وهاشمـها
تأتيه بالرغم وهي صاغرة 
فيأخذ من مالها ومن دمـها
وقد فهم المتلقي أنَّ القائل من أقرباء أمير المؤمنين، أو في منزلة كهذه، لكن الحجَّاج – وكان قد عرف أن القائل من مدلجي الليل الذين يتمايلون من أثر السكر – قال، عندما سمع بالأبيات: إن صاحبها ابن حجام، والحجام – مثلما هو معروف- تذعن الرقاب له وتدين. وهكذا تضارب التفسير تضاربًا كبيرًا، واختلف التأويل اخلافا بينا. فإذا عُلم السياق الذي قيل فيه الخطاب انتفى التفسير السابق. ومثل هذا يقع كثيرًا في ما يعرف بالألغاز، والمعمَّى، والمُشْكل عند العرب. وعلى هذا النحو يستنتج المؤلف أن ثنائية المرسل والمتلقي في الخطاب قد تقوم على ما يوصف بالمواربة، والخداع، والتضليل. فالمرسل يتعمد أن يرسل الخطاب في سياق ذي شيفرة خاصة، في حين يقوم المتلقي المؤوِّل باستقباله في سياق أخر ذي شيفرة مغايرة. وهذا يعني أن الخطاب يتعرض لأكثر من تفسير تلجأ إليه الشخوص، تبْعًا لمواقعها من ثنائية المرسل والمتلقي.
 
سيرة بقناع روائي 
في الفصل الثاني يحاول المؤلف جاهدًا إقناعنا بأن كتاب " حي بن يقظان " لابن طفيل(581هـ) الذي ألفه على نسق كتاب آخر بالعنوان نفسه لابن سينا(428هـ) سيرة ذاتية للمؤلف بقناع روائي. فالخطاب الأدبي الذي يهيمن على هذا الكتاب هو السيرة، وليس الرسالة، أوالرواية، مثلما يُظن. وهي سيرة إشراقية، لأنها في الحقيقة والواقع، لا تتعدى كونها رصدًا لما يمر فيه بطل الحكاية من مراحل تنتهي بمرحلة التماهي بالذات الإلهية، لتسطع في داخله أنوار الإشراق، تمامًا مثلما تتَبَّع السهروردي (632هـ) ذلك في كتابه (اللمحات) والغزالي(505هـ) في (المنقذ من الضلال) وفي (مُشكاة الأنوار). والمعروف أن الإشراق مصطلح يُطلق على ضرب من التفلسف الصوفي الذي يقوم على دوام التفكير في العالم القدُسي، وقراءة الوحي، والإفراط في العبادة، والانقطاع عن لذائذ الحواس، إلى أن تهبط على العابد الأنوار اللذيذة هبوط البرق، فتسلبه رؤية الأجرام، ويصل إلى ما يوصف بعالم المشاهدة. وابن طفيل – في رأي المؤلف- أراد التعبير عن هذا، وهو شيء مر فيه، غير أنه لم يشأ التعبير عن ذلك بصيغة السيرة الذاتية المباشرة، وإنما اتخذ من حي بن يقظان وسلامان، و أبسال، رموزًا، وأقنعة، يعبر بها عن تجربته في بلوغ الذروة من الصفاء الروحي، ومشاهدة الحق، بطريقة غير مباشرة، تتيح له البوح بأسراره هو، كأنه يتحدث عن أناس آخرين، في إطار سردي يبدو موضوعيًا غير ذاتي، فيكون تأثيره في متلقي الخطاب أكثر نفاذًا، وأعظم أثرًا. فبدلا من أن يقول: هكذا بلغتُ السعادة القصوى، صرّح بذلك عن طريق السرد الذي تتمثل فيه هواجس النموذج الإشراقي متجسدًا في حي بن يقظان.
وهذا الفصل- إذًا - لا يقوم على تأويل الخطاب، وإنما يقوم على تجْنيسه. فالكتاب المعروف حي بن يقظان كتاب تنازع فيه الدارسون، فمنهم من يؤكد أنه قصة، ومنهم من يؤكد أنه رسالة كرسالة حي بن يقظان لابن سينا، والمؤلف لا يرى في هذين الرأيين صوابًا، وإنما الصواب في رأيه أنه سيرة ذاتية (1) لكنها مُقنَّعة بقناع روائي، أو قصصي رمزي.
 
النجنيس مرة أخرى
أما الفصل الذي يبدو لنا شاذًا، فهو الفصل الثالث الذي يتناول فيه تلقي(البَنْد) بوصفه أحد الأشكال التعبيرية التي ظهرت في أوْج التشققات الكثيرة التي أصيب بها الأدب العربي في العصور الوسطى. وقد تتبَّع عبدالله إبراهيم تعريف (البند) بنماذجه المتعدِّدة، مؤكدا أن الغموض يحيط بنشأة هذا الفن، فمن قائل إنه يعود إلى زمن ابن دريد (321هـ) ومن قائل إن ظهوره يعود للقرن 11 الهجري أي الـ 17 الميلادي. ويقفنا المؤلف إزاء البنية الإيقاعية لهذا النوع الأدبي، فهو بين المنثور والمنظوم، وخلافا للشعر التقليدي يقتصر على تفعيلتي الهزج والرمل، مع تحرُّره من قالب الشطرين، وهذا ما شجع نازك الملائكة (1923- 2007) على تناول (البند) بوصفه تمهيدًا لظهور الشعر الحر(2). ومن تتبعه لهذه البنية، يصل بنا لنتيجة تجيب عن السؤال: أي نوع من الأجناس الأدبية ينتمي له هذا (البند)؟ فمن الباحثين من يرونه شعرًا، ومنهم من يرونه أقرب إلى النثر المسجوع. أما المؤلف فيرى فيه ضربًا من التعبير تتراسل فيه الأجناسُ، وتتداخلُ الأنواع، شأن كل خطاب أدبي رفيع لا بد فيه من بعض الشاعرية التي لا تنبع بالضرورة من الوزن، فمصدرها قد يكون الإيقاع بمعناه العام، وهو شيءٌ مختلف عن الوزن، ويؤدي وظيفته الجمالية على مستويات؛ أسلوبية، وبنائية، ودلالية، ووفقا لهذا يرى المؤلف أن التداخل الأجناسي هو المكوِّن الرئيسي لـ (البَنْد).
 
نقصُ الخطاب الموروث
وفي ما يخصّ المرويات الجاهلية يعيدنا المؤلف إلى الأسئلة التي سبق أن تداولها الرواة، ومؤرخو الأدب، قدماءَ ومحدثين. وهي تتلخص في السؤال: أين هو النثر الجاهلي؟ فالقدماء على وفاق من حيث أن النثر تقدم زمنيا على الشعر، لكننا نجد شعرا كثيرا، ونثرًا قليلا نزرًا. وفي إجابة عبد الله إبراهيم ما يذكرنا بميشيل فوكو، وحفرياته المعرفية، وما يؤكده في غير كتاب من كتبه من أن الخطاب- بصفة عامة - تعرض خلال الأزمنة لما يسميه المراقبة والمعاقبة تارة، والاستبعاد والإقصاء تارة أخرى. فهو- أي عبدالله إبراهيم- يستخدم عبارة إقصاءات لاهوتية (ص112) في إشارة إلى أن الخطاب القرآني دفع بالكثير من الرواة، والإخباريّين، لاستبعاد الكثير من المرويات الشفاهية الجاهلية، إما لأنها تحتوي ما لا يتسق مع الخطاب القرآني، أو ما لا يتفق مع أركان العقيدة الجديدة التي تجبُّ ما قبلها جبًّا. فهو يقف على سبيل المثال إزاء شخصية جاهلية (النضر بن الحارث) الذي قيل الكثير عن روايته حكايات عن رستم، وإسفانديار، وأنه كان حكاءً بامتياز ملحوظ ، ومع ذلك لا نجد في ما حفظه الرواة، ودونوه، من هذه المرويات شيئا كثيرًا أو قليلا. ويَذْكر شخصية أخرى عرف عنها ذلك (تميم بن أوس الداري) الذي قيل إنه أسلم، وكان مقرَّبًا من النبي (ص) وكان يحدثه بحديث الأولين، إلا أن الرواة لم يحتفظوا من مروياته إلا بالقليل الذي لا يُؤْبه له، ومن ذلك حكاية (الجسَّاسة) التي تتضمن إيحاءً بقرب ظهور النبي (ص) وعودة المسيح في آخر الزمان. ولولا هذه الإشارة التي تدعِّمُ حقيقة النبوة، لما احتفظ الرواة بها، على الرغم من طابعها الخرافي. ولعل هذا ما يُفصح عن أن الخطاب العربي الموروث لم يتعرض للاستبعاد حسب، وإنما للتحريف، والتشويه، بالحذف تارة، وبالزيادة تارة أخرى.
ولا يختلف عصر التدوين عما سبقه، يقول المسعودي(346هـ)- وهو من كبار المؤرخين- : " ويصعُب ذكر أخبار الأوائل، لأن أصحاب الشريعة ينكرون ذلك، ويمنعونه " وقد عرَضَ عبدالله إبراهيم لموقف الرواة، والمدونين من الخطب، والوصايا، والأمثال، ونوادر الكهَّان. وأشار لبعض الخطباء، مثل: قس بن ساعدة الإيادي، الذي روي أن الرسول (ص) استمع له قبل الوحي، وأنه كان معجبًا بإحدى خطبه، وأكثم بن صيفي، وغيرهما.. ويتساءل المؤلف مُحقاً: أين خطبُ هؤلاء، فالمصادر لا تحتفظ منها بالقليل فضلا عن الكثير؟ وليس ثمة جواب عن هذا إلا أن يكون الدافع الديني هو الذي منع، واستبعد، تدوين تلك الخطب. علاوة على أن الحديث المنسوب للنبي (ص) وهو قوله (أسَجْعًا كسَجْع الجاهلية ) أسهم هو الآخر في إهمال، أو استبعاد، ما كان يمكن أن يكون ثروة من المرويّات، مما يؤكد - في نتائج البحث الذي استوفى فيه المؤلف النظر في تلك المرويات أن التعارضات التاريخية -  الدينية حالت بين الخطاب النثري الجاهلي وبين البقاء، وبينه وبين التعبير عن نفسه، كونه حاملا لمنظومة قِيَميَّة مختلفة. وذلك ما سعت الدعوة الإسلامية في البداية لاستبعاده. ولهذا كان الخطاب النثري الجاهلي الذي بين أيدينا – في المُحصِّلة النهائية- خطابًا ناقصًا، وما بقي منه في الغالب إما محرَّف أومُشوه، بالحذف، أو بالزيادة.
 
مَلاحِظُ
 لا يسلم هذا الكتاب القيّم من مَلاحظ، أولها أنه يضم دراسات أربعًا غير متجانسة، ويبدو الشذوذ فيها والاختلاف من كون إحدى هذه الدراسات تقف بنا إزاء ظاهرة أدبية (عامية) وهي (البند) وأخرى من السيَر. وثالثة عن ثنائية المرسل والمتلقي، ورابعة عن المرويات الجاهلية الشفوية. فليس ثمة ما يجمعها في نسق غير الزعم بوجود خيط خفي ينتظمها هو التلقي. والواقع أن هذا غير مقنع، لأنّ المؤلف لو ضمَّ إليها دراسات أخرى عن الرواية النسوية، والتاريخية، والرواية النفسية، والشعر المقاوم، فسيقول: إن ما يوحِّد هذا الخليط غير المتجانس هو التلقي. 
علاوة على ما سبق، لا يخلو الكتاب من أخطاء طباعية، بل إن هذه الأخطاء كثيرة كثرةً تسيء في بعض الأحيان لسلامة التلقي، وقد تشمل هذه الأخطاء المعلومات، فهو يذكر في ص 140 متحدثا عن سحبان وائل " أدرك الجاهلية، وتوفي في منتصف القرن الهجري الأول" وهذا بالطبع غير صحيح، فالرجل جاهلي أدرك الإسلام، لا العكس. يضاف إلى ذلك أن العنوان لا ينسجم مع الفحوى، ذلك أن المؤلف يعتزم تأويل الظاهرة الأدبية، لكننا لم نجد في الكتاب سوى فصل واحد ذي صلة بالتأويل،وهوتأويل أبياتٍ، لا ظاهرة، أما بقية فصول الكتاب،فهي أقرب إلى التجنيس منها إلى التأويل(3). ولعل هذه الملاحظ القليلة لا تحطُّ من شأن الكتاب، ولا من قدر المؤلف، الذي عرف بكتاباته الغزيرة عن السردية العربية، والثقافة، والمركزية الغربية، والمرجعيّات المُسْتعارة.
 
إشارات
يبدو أن المؤلف عدل عن رأيه في الكتاب، ففي السردية العربية ذكر حي بن يقظان في السير الذاتية، انظر ص 136 ط1، المركز الثقافي العربي: بيروت، 1992.
انظر: قضايا الشعر العربي المعاصر، ط3، دار مكتبة النهضة، بغداد، 1967 ص169- 181 
من المعروف أن التأويل تيار يؤمن بالقراءة الرامية لاستكشاف، أو اكتناه النصوص الأدبية، وغير الأدبية، اعتمادا على آليات التأويل، لكن التجْنيس نوع آخر من النظر يقوم على رصد المقومات التي تتوافر في نصٍّ ما ليصنف وينسب لأحد الأجناس.

* ناقد وأكاديمي من الأردن (الجامعة الأردنية).