الحـَيـاة حـتى آخـر رَمـَق

د. عـبدالقادر حسين ياسين*

 

"بعض الناس لا يموت لأنه لم يولد" ،
عبارة للفيلسوف الفــرنسي جـان جـاك روسو،
يسخر فيها من الكسالى الذين يملأون فضاء الأرض فلا يعملون، 
وإذا عملوا ملأوا حياتهم بالفراغ. 
وبناء على ما تقدم ، أقطع بأن رحـيل نقـولا زيادة ليس موتاً، إنه غـياب. 
وكيف يموت من لم يكن يعـير للزمن وزناً ، وكانت شعلة الحياة فيه متوقـدة لا تخـبـو؟!.

 

منذ عرفـته لم أره يوماً وقد أصابه الفتور. 
كان موّاراً بالحياة والعافية. 
اغـترب عـنا لكنه بقي حاضراً بما ترك من حكايات وكتب.
عرفت تفاصيل حياته من خلال المقالات الشيقة التي كان ينشرها، 
وكانت صوراً من الماضي حافلة بالغرابة والإثارة. 
السفر مشياً من الناصرة الى لبنان والتنقـل بين مدنه وجروده وقراه.
ارتحاله الى ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، 
وقبلها الى لندن طالباً وقارئاً للتاريخ القديم في جامعتها الشهيرة، 
وانتهاء في بيروت، جالساً على أحد كراسي التعليم في الجامعـة الأميركية.

 

لم أعرف من بين من عـرفت رجلاً مثل نقولا زيادة. 
مثل خلية نحل كان، هذا الذي ما توقف يوماً عن العمل والعطاء. 
ظل، حتى في أيامه الأخيرة، منصرفاً الى العمل، عاشقاً للحياة، معانداً أبياً.

 

ظل نقولا زيادة حتى بعـدما جاوز التسعـين، صاحب خيال خصب وذاكرة نادرة وذكاء يقظ دقيق. 
وكان رجل طرفة ونكتة، لبق الحديث، حلو المحضر.
كنت أمتع نفسي بحديثه العذب الرقيق، البعيد عن التكلف. 
وجهه المثقـل بأثقال السنين كان يشع ذكاء وأبوة وعاطفة. 

 

لم يكن مؤرخاً ومعلماً فحسب، كان أديباً أيضاً، ولا أغـالي إذا قـلت انه كان أستاذاً من أساتذة الأدب. 
وكان بأسلوبه النضر ساعة يسرد حكايات عمره ، وقصص الذين عرفهم وجايلوه، أقرب الى الأدب منه الى التاريخ،  وكانت مروياته ومذكراته الشخصية قطعاً من النثر لا أجمل ولا أحلى.

 

إن ما كتبه نقولا زيادة وألقاه في ردهات الجامعات والأندية ، لم يكن الحقيقة الكبرى في فهمه للتاريخ ورموزه وشخصياته. 
كان يعرف كيف يقرأ ، ويتخطى بعقله الثاقب هالات القداسة ، التي تسبغها الشعوب النائمة على مجدها التليد ، حين يعـوزها المجد الطريف. 
ولم تكن شكوكه مقـتصرة على حوادث التاريخ فحسب،  بل كانت تمتد لتطاول حتى الوجود الحسي لأشخاصه.

كان نقولا زيادة من المؤمنين بأن "لا إمام إلا العـقـل"، وبأن "التساؤل أساس المعـرفة" على حـدّ قول ابن رشد، لذلك بقيت نظراته العميقة في فهم التاريخ وقـفاً عليه، وعلى عـدد قـليل من جلسائه وأصفيائه.  وكان من حسن طالعي أن أكون واحداً منهم.

 

ويبقى من الحقَ القول إن ما وضعه الرجل من مؤلفات ، لا يعبر عما كان يختلج في أعماق نفسه وآفاقه من تساؤلات، على رغم ما فيها من وصف جميل لما جاء في السير والتراجم والكتب، 
ومن مطالعات ونظرات شخصية في الناس والحياة،  وحكايات مشوقة لا يجيدها إلا المعلمون الأذكياء والمحاضرون الجديون.

 

بعثرت الأقدار المريرة مصائر نقولا زيادة ، فما أمكنته من تخطي حاجز المئة،  بعـدما ظل، مثل أبطال الأساطير الاغـريقـية، يصارع أيامه موعـوداً بتدشين قرن جديد في عمره المديد، 
لكن تعـب الأيام أوهـنه ، فغادرنا في التاسعة والتسعين. 

 

هـذا الفتى الفقير الذي بدأ دراسته في دمشق ، وتابعها في فلسطين على ضوء قناديل الكاز صار، لاحقاً،  أحد أهم المؤرخين وأساتذة التاريخ في العالم العربي ،
بعدما حاز الدكتوراة مع مرتبة الشرف من جامعة لندن سنة 1950.
لم ينخرط في أي جهد سياسي مثل معظم الفلسطينيين في بلاد الشتات،  ولم تشغـله السياسة يوماً عن حياته الفكرية والثقافية والتربوية، لكن مذكراته الموسومة بعنوان: "أيامي: سيرة ذاتية" ، حفلت بأخبار رجال السياسة، فضلاً عن رجال الفكر والأدب والتربية. 

 

ويكاد نقولا زيادة يتفرد عن غيره من الأعـلام الفلسطينيين ، بشجاعـته على الذات وجرأته على المحرمات. 
ولعـل إدوارد سعـيد المقدسي تفـوّق على نقولا زيادة الناصري ، في هذا الضرب من الكتابة، ولا سيما في سيرته “خارج المكان”. 
غير أن زيادة، وهو من جيل أسبق، تجرأ على البوح ، بتفصيلات حميمة من حياته لم نعهدها في كتب مجايليه ،  فكان أقرب الى “يوميات” أندريه جيد ، و”اعترافات” جان جاك روسو والقديس أوغـسطين ، التي شجّعـت الميل إلى تعرية النفس المتلبسة بالآثام. 

أن تعرف نقولا زيادة طالباً او صديقاً او نديماً ، او زائراً معايداً او سائلاً استشارة علمية او نصيحة، او كل هذا معاً، او شيئاً من كل هذا، يعني انك امام انسان ذي فرادة تكاد تكون نادرة الوجود وكلية الحضور معاً... 

 

ذاكرة حية مدهـشة بيومياتها وتفاصيلها على امتداد قرن عربي طويل، 
يعج بالأحداث الكبرى، بدءاً من عشرينيات التغـلغـل الصهيوني في فلسطين،
حيث ولد ونشأ، وحتى العـدوان الأخير على لبنان ، حيث درّس وكتب وبحث وعاش وتوفي... 

 

بين النشأة والوفاة حمل نقولا زيادة ذاكرة ، كانت تعمل دون كلل ودون نسيان، 
ودون تفويت لأي تفصيل في الحياة اليومية، تسجل الأرقام والأيام والسنوات والأسماء والوجوه،
وتستحضرها في أية لحظة من لحظات المجالس والكتابة،  صوراً ومشاهد آسرة للمستمع وللقارئ. 

 

على ان الذاكرة التاريخية الفردية،  التي كان يحلو لنقولا زيادة ان يستحضرها،
سرداً او رواية وبداعي "المؤانسة" لقرائه او مستمعيه ومجالسيه، كانت تتقاطع مع جهد واسع وكثيف ودائم، في البحث التاريخي قراءة وترجمة وتأليفاً، فكان مؤرخاً موسوعـياً لأزمنة وأمكنة متعـددة ومتنوعة ، بقدر ما كان صاحب ذاكرة حية غـطـَّت قرناً عربياً كاملاً من الأحداث والوقائع. 

 

قبل سنوات جمع نقولا زيادة اعماله الكاملة فإذا بها تحتل اثنين وثلاثين مجلداً. 
عبّرت عن اتساع ميادينه في علم التاريخ ،كما في الجغرافيا والرحلات والأدب والدين والفكر. 
فهو كتب في التاريخ العربي، مثلما كتب في تاريخ الرحلات والرحالة، وروَّاد الشرق العربي والمستشرقين... 
وكتب في التاريخ الحضاري متوقـفاً عـند التراث العربي، والقومية العـربية والمسيحية العـربية. 
وتناول اعلام العرب والتراث الاسلامي والفكر الاسلامي واللغة العـربية، 
إضافة الى موضوعات اثيرة على نفسه مثل تاريخ المدن والمذكرات والسير الذاتية.

 

لم يكن مؤرخاً، مُجرد مؤرخ،  بل كان واحداً من الذين صنعـوا "عـلم" التاريخ، مرتكزاً على اختصاصه العـلمي ومنهجه الأكاديمي وثقافته الشاسعة، الضاربة في أديم المعرفة الشاملة. 
ولعـل وفرة المراجع التي كان يعـود اليها تدل على مدى تضلعه في عـلم التاريخ والمعـرفة. 
الا أن المؤرخ فيه لم يخضع للبـعـد العـلمي الصرف، والاسلوب الجاف والكتابة الرتيبة، 
بل كان مبدعاً في تأريخه،  ذا نزعة أدبية بيّنة، ميالاً الى الأدب ولطائفه. 
وكان نصـّه التاريخي نصـَّاً نثرياً، متين السبك، 
بهي الجمل، قوياً ومتماسكاً. 
وهذا الاعـتناء بجمالية اللغة نابع من ذاته،  هذه الذات التواقة دوماً الى الجمال والمعرفة.

رحل العلامة نقولا زيادة عن تسع وتسعين سنة، امضى اكثر من سبعين منها كاتباً وباحثاً ومعلقاً ومحققاً ومترجماً.  ولم يأخذه يوماً أي ملل او كلل، بل ظل منكباً على الكتابة حتى الرمق الأخير.

وبـعــد؛

 

كان نقولا زيادة فـلـسـطيـنـيـاً بامتياز. 
عاش راهـباً في محراب المعارف وكان صادقاً. 
لم يحـتقـر شيئاً كما احتقـر الرياء والشهرة والثروة والمنافع. 
فـلسطـيـنـه الضائعة بقيت في وجدانه حتى آخر نحـب من أنحابه. 
أما حياته فكانت حرة ممتازة. 
نـثـر بذور المعـرفة، وكان قـنوعـاً بما زرع،  وبما حـصـد. 
 
(الصورة المنشورة لنقولا زيادة).

* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.