الحـِدْس المـَعـرفي في كـتابة الـتـاريخ

د.عبـد القـادر حسين ياسين*

إذا اعتبر الفارابي "المعلم الثاني" للفكر الإنساني بعد أرسطو، 

وإذا كان الغزالي الوحيد الذى امتاز بـ "فلسفة الشك" التي لم يرثها عن أحد قط ، 
وإذا كان ابن سينا وابن رشد قـد أثرا في العـقـلية الأوروبية في العصر الوسيط، 
فإن عـبـد الرحـمـن ابن خلدون  قد أسـَّـسَ علماً يبقى أبـد الدهـر.

لقد كان مفهوم التاريخ عند العرب وبقـية الأمم الأخرى، عـبارة عن مجاميع من الأخبار والحوادث سـُطـّرت عبر حقـب زمنية، كما أنهم كانوا يدونون دون أن يكون لهم تمحيص علمي فى الأسباب والعـلـل والظواهر.  

وهكذا جاء ابن خلدون لكى يتناول التاريخ، ليس كجعـبة إخبارية منقـولة التدوين، وإنما علماً يستحق دراسته بكل جدية واهتمام. 

ومثلما جرَّد الفلاسفة الإغـريق المعـرفة من الأساطير والخزعـبلات، فقد جـرَّد ابن خلدون القـوانين والنواميس العامة ، التي كانت تدخل جذراً رئيساً فى سير التاريخ. 
وهذا ما لم يكن عند المؤرخين القدماء أمثال هيرودوتس ، الذي يعرف عـنه بأنه "أبو التاريخ"، 
ولا ثوقـيديدس الذي يعد أعظم مؤرخي اليونان قاطبة. 

أسباب الاكتشاف

يحق لنا أن نتساءل: كيف اكتشف ابن خلدون هذا العلم الجديد؟ 

وما هى الأسباب التى قادته إلى اكتشاف فلسفة التاريخ أو عـلم الاجتماع؟ 
علينا أولاً أن نوجز شخصية ابن خلدون قبل الولوج إلى فـلسفـته.

أولاً: كان عـبـد الرحـمـن ابن خلدون رجلا سياسي النزعة،  فقد تـقـلـد مناصب عـدة أعلاها شأناً هي "الحاجب" أي الوزير الأول أو رئيس الوزراء. 

وهذا يعـني أنه شارك في معـترك الحياة السياسية، في الانقلابات والمؤامرات والدسائس، 
فـتارة يكون مركوناً فى السجن، وتارة أخرى في صدر الوزارة، 
بين خطورة الموت ومرارة الهروب، 
وبين قوة المواجهة وصلابة التحدي. 
ثانياُ: نظراً لتعـلقه بقـيادة الحكم ، فقد كان تعلق الأمراء والسلاطين به أكثر فى تثبيت أركان الحكم. 
وهذه المزية ساعـدت بأن تجعل من ابن خلدون، متنقلاً فى أقـطار المغرب العربي والأندلس، قبل أن يستقر نهائياً فى مصر، مما أتاح له أن يطلع على أحوال الناس كافة ،وفي مختلف البيئات والأماكن ، ويلم من الشؤون كثيراً.

ثالثاً: بناء على ما سبـق ذكره ، لا بـد أن يكون الوضع الفكري عند ابن خلدون من نمط آخر، 

خصوصاً وهو الضليع فى العـديـد من العلوم. 
ومن خلال الواقعية السياسية والاجتماعية ، جعـلته يأخذ بعين الاعتبار التجربة والأخبار اليـقـينية. 
ومن هـنا فـقـد دحض ابن خلدون الـتـفـكـيـرالغـيـبي ، ولم يأبه بالتركيز على العلوم العـقـلية الخالصة. 
وبما أن أسلوبه الفكري العام هو نقـدي علمي  ، فقد كان نفـوره من الفـلسفة في المغرب العربي ،
لا يـقـل أهمية عن حملة الغزالي في المشرق العربي. 

وهكذا تـمخـض عن ذهـنية ابن خلدون اكتشافه لهذا العلم، الذي أهمله السابقون، القدماء منهم والمعاصرون.  فلم يكن هناك من رؤية علمية ولا منظور تحليلي للتاريخ.

يرى ابن خلدون فى تشخيصه للتاريخ ، بأن "ظاهره" لا يزيد عن الأخبار الماضية للدول وغيرها. 

ولكن "في باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق " ، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق".
والجملة الأخيرة تدل على دقة الوعي العلمي عند ابن خلدون، وهو يقدم لنا تعريفاً علمياً صحيحاً للتاريخ.

ويتطرق ابن خلدون إلى قضية المستقبل، وكيفية التنبؤ به على أُسس علمية. 

فهو يركز أولاً على قضية السببية فى البحث التاريخي، لأن معرفة السبب تكون ذات علاقة تساعد على معرفة المسبب. 
وعليه فإن استنباط المستقبل يتوجب أن "يعود إلى الأسباب التى تتفاعل فى الوقت الحاضر. " 

وبذلك فإن المستقبل "يمكن التنبؤ به استناداً إلى حوادث وأخبار الماضي من خلال المنهج العلمي". 

وإن دلَّ هـذا على شيء فإنما يدل على عـقـلية ابن خلدون المبدعة ، التي شاركت في تطوير الإنسان عـلـماً وفكراً واجتماعاً.

إن إدخال قانون السببية فى التاريخ عند ابن خلدون ورفضه للماورائيات، جعلا من نهجه العلمي ذا ميزة ملحوظة. 

ذلك أنه لم يخضع التاريخ إلى نظرية مادية بحتة أو مثالية صرفة. 
لأن الماورائيات مستبعـدة من التاريخ ولا تدخل فيه بشيء حسب المفهوم الخلدوني. 
فالتاريخ إنما يخضع إلى جملة من العوامل المادية ، والاقـتصادية والدينية والفكرية وما شابه ذلك. 
وبالتالي فإن التاريخ هو "عـلم استقرائي يمكن من خلاله التنبؤ بالمستقبل". 
وغالباً ما يُفهم خطأً فـلسفة ابن خلدون فى هذه النقطة تحديداً. حيث يوصف بالدهـرية،  لأنه سحب بساط الثقة من الفلسفة التـقـليدية عند المسلمين، واتجه نحو الوقائع التجريبية والمشاهـدة من التاريخ. 
 
فـلسفة التاريخ
يعتبر ابن خلدون أن الحدث التاريخي ليس واقعاً بسيطاً، بل ظاهرة معـقـدة يجب تناولها ودراستها بحذر وانتباه وعناية، حيث أن التاريخ علم بكيفيات الوقائع وأسبابه العميقة.  
فلو كان التاريخ ذاتي النهج عبر قوانين ونواميس ثابتة ومسيطرة عليه، لأصبح في دوامة فارغة من معناها وبعيدة عن فحواها.  
فهو إذن "عـلم يحتاج إلى تنظيم وقواعـد." 

ومن بين المؤرخين الذين نقـدهم ابن خلدون المسعودي  الذي نقـل ، دون تمحيص علمي دقيق ، ما جاء في أخبار بني إسرائيل، بأن النبي موسى أحصاهم فى التيه، بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح من ابن العشرين فما فوق، فكانوا 600,000 مقاتل.  

ويرى ابن خلدون أن المسـعـودي "كان جاهلا بطبائع الأحوال، حيث أن هـذا الجيش الجرار لا يستطيع أن يتحرك بحرية قـتالية داخل صحراء سيناء".

كما أنـه "جاهل بطبيعة العمران. 
فالجيوش الكبيرة لها حاميات "تـتـسع لها وتقوم بوظائفها وتضيق عما فوقها.
تشهد بذلك العوائد المعروفة والأحوال المألوفة".

وهـو "جاهل بالتواصل الزمني، حيث أن المدة الزمنية بين موسى ويعـقـوب "لا تزيد عن أربعة أجيال...فمن أين أتى هذا الحشد الجبار من الرجال ...؟!". 

وبما أن هـذا "لا يمكن تصديقه ولا تطبيقه فى الزمن الحاضر، إذن فإنه لا يمكن أن يحصل فى الزمن الماضي." وهـذه من بين التـقـنيات فى الحدس المعرفي عند ابن خلدون.

يـمـكن القـول ، دون مـجـافـاة للـحـقـيقـة، إن ابن خلدون هـو أول من وضع نظرية علمية فى فهم التاريخ. 

صحيح أن ثوقيديدس قد تناول حروب البيلوبونيز ، وكانت له نظرة عامة فى تاريخ اليونان، 
إلا أنه لم يكن صاحب منهج علمي منظم ودقيق. علاوة على أن كتابه لم يترجم إلى العربية، 
وأن ابن خلدون لم يكن يجيد غير لغته العربية.  
وبذلك فقد نال ابن خلدون ،وبكل جدارة ،لقب مؤسس فـلسفـة الحضارة أو التاريخ أو الاجتماع ، سمـّه ما شئت.

بيد أن اهـتمام ابن خلدون بهذا العلم الجديد ، لم يظهر بعـده عـنـد الفلاسفة والمؤرخين الـعـرب.  

ولعل السبب هو نقد إبن خلدون للفلسفة التقليدية عند المسلمين، خصوصاً فى قصور وعجز العـقـل تجاه العلم الإلهي.   وهذا يعكس أيضاً تأثر ابن خلدون بالإمام الغزالي، الذي يذكره بكل تجل واحترام. 

كان الفيلسوف الإيطالي فـيـكو أول من تناول فـلسـفـة التاريخ  فى أوروبا، في كتابه "العالم الجديد" الذي صدر عام 1725، بعد أكثر من ثلاثة قرون من كتاب ابن خلدون "المقدمة" ... 

ثم جاء الفرنسي مونتسكيو في كتابه "روح القوانين" الذي صدر عام 1748. 
إلا أن ابن خلدون يبقى هو طليعتهم الأول. 
أضف إلى ذلك أن معظم كتابات هؤلاء الفلاسفة، تنحصر في نطاق تطور الحضارة الأوروبية ،
بينما كانت دراسة  ابن خلدون شاملة للحضارة الإنسانية. 
ولهذا نجد شيخ المؤرخين فى القرن العشرين أرنولد توينبي ، يـعـترف في كتابـه A Study of History   بأن ابن خلدون قد أنتج  "أعظم كتاب من نوعه أبدعه إنسان فى كل زمان ومكان".

* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.