"الخاسرون" لزياد قاسم.. رواية لم تحظ باهتمام الدارسين 

د. إبراهيم خليل*

لا ريب في أنَّ روايات  الروائي الأردني زياد قاسم (1945- 2007) حظيت باهتمام الكثير من الكتاب، ومن يرصد الدراسات، والمقالات، التي كتبت عن رواياته، يعجب أشد العجب لأن " الخاسرون " وهي روايته الأخيرة، لم تحظ لا بالكثير، ولا بالقليل، من الالتفات. فهذا نضال الشمالي يُصدر كتابا عن تجربته الروائية فيقتصر فيه على رواياته: المدير العام، وأبناء القلعة، والزوبعة، على الرغم من أن كتابه صدر في العام 2002 والرواية صدرت في العام2000 وينشر نزيه أبو نضال ثلاث مقالات عن رواياته، أولاها عن المدير العام، والثانية عن الزوبعة. والثالثة في كتابه " التحولات " عن الزوبعة (2006). وخليل الشيخ يتناول روايتيه أبناء القلعة (1993) والزوبعة (1998) في مقالتين، ويوسف غيشان يتناول الزوبعة (1994) هو الآخر، ويتناول بدر عبد الحق ابناء القلعة (1992) ويقف بنا شفيق النوباني في كتابه" عمان في الرواية العربية " عند أبناء القلعة (2013) ويكتب فخري صالح هو الآخر عن أبناء القلعة في عدد خاص عن الكاتب في أفكار(ع 244) (2009) وقد تناول محمد عبيد الله " أبناء القلعة " في مقال نبه فيه على صلة الرواية بالمكان: الدستور الثقافي 10-8- 2007. ولمريم جبر دراسة عن روايته الزوبعة في كتابها " التجليات الملحمية في رواية الأجيال العربية " (2005) ولسليمان الأزرعي في كتابه العبور إلى الحاضرة (2005) وقفتان: إحداهما عند رواية " أبناء القلعة "(ص120) والأخرى عند رواية " المدير العام "(ص 226). وتوقف شكري الماضي عند روايتين من رواياته، هما: أبناء القلعة، والزوْبَعة، في كتاب له بعنوان " الرواية العربية في فلسطين والأردن " (2003) وكتب نبيل حداد، فيما كتب عن الرواية في الأردن، فِصْلة عن " المدير العام " (2002) كما تناول صاحب هذه السطور رواية أبناء القلعة في الفصل الأول من كتابه " في السرد والسرد النسوي " 2008. ويتَّضحُ، من هذا التتبُّع، أن رواية " الخاسرون " لم تظفر بمقالة، أو دراسة واحدة، مما يدعو للنظر فيها، والتوقف عندها، لإضافة الجديد إلى الدراسات التي تدور حول الكاتب الراحل زياد قاسم.

الرواية والتاريخ
فعلى الرغم من أن الدارسَ لا يستطيعُ أن يصنِّف " الخاسرون " في عداد الروايات التاريخية، إلا أن سطوة الذاكرة التاريخية على المؤلف، وهيمنتها على الراوي، تقربها من التاريخ. فقد تضمَّنت إشارات تاريخية متناثرة في نحو 435 ص. ففي البدء ثمة إشارة إلى إضراب فلسطين المشهور الذي استمر ستة أشهر عام 1936 (ص20) تلته إشارة أخرى للنكبة 1948 عند الحديث عن أبي يحيى العفيف وأسرته التي اشتهرت بالتجارة، ولم يلبث أن أشار لطباعه، وأنه لا يحب اللواء محمّد نجيب، ويفضل عليه جمال عبد الناصر، لذا فرح كثيرا بتنحيته(ص23) وتتضمَّنُ البدايات أيضًا إشاراتٍ متكررة للجنرال غلوب، وإلى الضباط الإنجليز ونفوذهم في عمان (ص26). وختم هذه الإشارات باستبعاد غلوب باشا في غرة آذار من العام 1956 وما رافق ذلك من احتفالاتٍ دوافعها الترحيب بتعريب الجيش. (ص143) والانتخابات النيابية التي جرت في العام نفسه، وفوز (أبو يحيى) العفيف بمقعد نيابي، وتعيينه وزير دولة للشؤون الاقتصادية. ولم تفته الإشارة إلى العدوان الثلاثي (1956)، وما رافق ذلك من مظاهرات اجتاحت البلاد تضامنًا مع مصر. وتلت ذلك إشاراتٌ متكررة لقيام الوحدة بين مصر وسورية، والاتحاد العربي بين العراق والأردن 14-2- 1958، وانهيار هذا الاتحاد إثر الانقلاب العسكري الذي انتهى بمجزرة قُضي فيها على الكثير من أفراد العائلة الملكية في قصر الرحاب ببغداد 14 تموز 1958. ولعل أبرز الإشارات، التي تحتم علينا التسليم بهيمنة البؤرة التاريخية على السارد، هي وقوفه عند التفجير الذي أودى بحياة رئيس الوزراء السابق (هزاع المجالي) وعدد من كبار موظفي الرئاسة، والمراجعين، يوم الاثنين 29/8/1960، واعتقال عدد من المتورطين، وتقديمهم للمحاكمة، وتنفيذ حكم الإعدام بمن حُكم عليهم حضوريًا، وإرجاء تنفيذه في من حكم عليهم غيابيًا، كأبي يحيى العفيف. 
 
رواية شخوص
وعلى الرغم من هذه الحوادث اللصيقة بالتاريخ، وعلى الرغم - أيضًا- من أنها منحت الرواية تصنيفا آخر إذ يمكن أن نصنفها في روايات الحقبة، كونها تروي بعض ما جرى بين 1948 و1960، إلا أن القراءة الموضوعية تأبى تجنيسها بوصفها تاريخية، ذلك لأن المؤلف- رحمه الله- يروي وقائع عاش الكثير منها في حياته، وتلك التي لم يعشها سمع عنها، أو قرأ ما يقوله، ويكتبه، المعايشون لها، فهو إذن لم يبتعد عن تصويره لوقائع الحياة اليومية في تلك المدة. علاوة على أنَّ اهتمامه لا ينصبُّ على الحوادث، وإنما ينصب تركيزه على الشخوص. فقد أقام روايته على مجموعة من الشخصيات التي يتكرر الحديث عنها، وعن الوقائع التي تمر بها، وأكثر من ذلك يتكرر وصفه التقريري المباشر لها، وتحليله لأوضاعها النفسية، والاجتماعية، والطبقية، والاقتصادية، والثقافية، فهي رواية شُخوصٍ " اخْترَعَها " المؤلف وليس بين شخصياتها شخصية تاريخية واحدة، فأبو يحيى العفيف- مثلا-  من الشخصيات التي يرصد المؤلف مسارها من النزوح إلى الأردن، حتى الحكم عليه بالإعدام غيابيا، متتبّعا تجارته في المواد الغذائية، وتخليه عنها، وتحوله للإنتاج السينمائي، وما أنجزه من عقارات استثمارية كمركز العفيف التجاري، والمكتبة التي عهد لموفق، ابن سائقه السابق، بإدارتها، والاعتناء بمقتنياتها من نفائس الكتب، وذخائر المخطوطات (ص 21) مسلطًا  الضوء على موقفه من السينما، ومن ثورة 23يوليو، وتعصبه شبه الأعمى لعبد الناصر، وعلاقته بالمشير عمَّار، وبالممثلة الخليعة جوهرة. ودعمه لثورة مصر بالمال، فضلا عن الأقوال(ص141- 142)وأثر ذلك في موقفه من السياسات الداخلية، وعلاقته ببعض الحزبيّين، ومناداته بتنحية غلوب عن قيادة الجيش(ص143). 
وقد تعرض أبو يحيى العفيف، بسبب موقفه السياسي، لإشكالات عدة، بعضها مع ابنه يحيى الذي يتابع دراسته في القاهرة، ومع الممثلة الجوهرة، ومع الإدارة في الأردن، فبعد فوزه بالانتخابات النيابية، وتسلمه حقيبة وزارية، وإقالة الحكومة الإئتلافية (10-4-1957) وصلتْ العلاقة بينه، وبين النظام، حدَّ القطيعة (ص215) فشد الرحال إلى دمشق، والقاهرة، بصفته لاجئا سياسيًا. وانتقلت إدارة أعماله التجارية لابنه يحيى، الذي لم يكن في السياسة كأبيه (ص217) فأبو يحيى- في رأي ابنه- ناجح في التجارة، و" أرْعن في السياسة "(ص255)، فخسر، وخسر معه الجميع. صحيح أنه نجح في فتح قناة للتواصل مع أحد كبار الضباط المناوئين للحكم في عمان، وتمكن من توريد بعض السلاح في كراتين الكتب، بيد أن النتائج كانت وبالا على موفَّق، وعلى يحيى، فالأول اعتقل بعد التفجير، واعترف بدوره فيه، وحوكم، والآخر صودر جواز سفره مرارًا، وَطُلِب للتحقيق مرارًا، وحين فكر بالهجرة إلى أميركا مع خير، اغتيل على يدي أحد أبناء الضحايا في رابعة النهار، تاركا صديقه خير ليبكيه، ويبكي مستقبله الفني. ورفيقه هاني ليلتجئ لأحد الأديرة في رد فعل مباشر على الإحباط الذي تعيشه الشخوص: خير ونذير ونجم وحسن الشيشاني وأبو هاني وأبو الخير وأبو فؤاد الخياط وقسَّام وعثمان والجنرال والأرمني ديكران ونجلاء المكنوز وأختها لمياء وسعاد ونبيلة ووَعْد وتغريد وآخرون لا يسمح هذا المجال لضيقه، واختصاره، بذكرهم.
فهاني العالي عُرف أبوه بنشاطه الفندقي، وقد امتلك أروع بيوت الجوفة، لكنه بُعيد أن جرت النقود بين يديه كالنهر طمع ببيع البيت، والانتقال إلى حيٍّ راق بدلا من " الجوفة المتخلف " (ص187) في إشارة لما طرأ من تحولاتٍ على مدينة عمّان. ومع ذلك، فإن ما جرى في بغداد في تموز 1958 أحبط الكثير من مخططاته لتراجع المردود السياحي. واختفى ابنه هاني في نهاية الرواية، وعُثر عليه في أحد الأديرة. ويتكرر الشيء نفسه مع أبي فؤاد الخياط، الذي يقيم مع أسرته في بيت مستأجر تعود ملكيته لأبي الخير. فقد عانى من الاضطرابات، وتراجُع الزبائن عن شراء الأقمشة، وخياطة البدلات(ص213) ولكن الحظ ابتسم له عندما تحول إلى التعهُّدات، فقد رسا عليه عطاءُ توريد الملابس الشتوية للجيش( ص214) وبعد تقلبات استطاع أنْ يظفر بمهمة الوكيل الحصري لمنتجات شركة شانتيل للألبسة النسائية، وافتتح (نوفوتيه) تديره زوجته أم فؤاد في جبل الجوفة، وما إن جرت النقود في يديهما جريان السيل، حتى ساورتهما فكرة الرحيل من الجوفة إلى حي آخر أكثر رقيا، فاختارت أم فؤاد منزلا راقيا في اللويبدة، ودفعت أجرة ستة أشهر مقدمًا (ص301) في إشارة لما هم فيه من الرخاء والترف. وقد تبع تغيير المسكن تغيير الكثير من طِباع الأسرة، وأساليبها في الحياة اليومية، وازداد إنفاقها متجاوزًا الإسراف إلى التبذير(ص363). ولكن هذه الرفاهية لم تدُمْ، شأنها شأن الرفاهية التي شهدتها أسرة أبي هاني، فساءَتْ أوضاعه بعد انهيار الاتحاد العربي، ووصل إلى حافة الإفلاس، فباعت زوجته ما لديها من مَصاغ، وأخيرًا لم يجدا بدًا من مغادرة البلاد إلى ألمانيا لتجنب مطاردة الدائنين(ص365).
أما نذير، فهو خالُ خيْر، كوّاء، يمتلكُ مصبغة على كثب من منزل صهْره أبي الخير، وقد كشف لنا الراوي عن خفايا زواجه من أم عناد- الأرملة - التي تمتلك بعض البيوت المؤجَّرة، كانت قد ورثتها عن الزوج، ولكن هذا الزواج لم يكن سعيدًا في نظره، ولا مريحًا، فهي لا يمكن أنْ تُحسب في الجميلات، ولا في الصغيرات، ولذا ظلَّ يظنُّ نفسه عازبًا، ويتمنى أن يقيم علاقات مع غيرها، وهو لا يفتأ يتطلع لطالبات ثانوية الجوفة القريبة من المَصْبغة، وقد أتيح له أن ينجح في علاقته بسعاد التي أوصلته للمحاكم، بعد أن لاحت عليها علامات الحَمْل، وبعد هذه الحادثة، التي سببت له الكثير من الفضائح، تاب، وأطلق ذقنه، وشرع يصوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، وشيئا فشيئا طغى عليه التديُّن (ص353) ثم انتهى به الأمر للانضمام لإحدى فرق الصوفية (ص355) شأنه في ذلك شأن هاني الذي وجد خلاصه في الرهْبنة؛ والخير، الذي اكتشف في آخر المطاف أن الفن في عمَّان لا يُطعم خبْزًا. وأن الهجرة إلى أميركا تفتح له الآفاق. بيد أنّ ما جرى ليحيى العفيف أعاق تنفيذ الفكرة. وتبدو شخصية الخير دليلا قويًا على هيمنة البعد التشْخيصيّ لدى الكاتب، فقد نبَّه على العلاقة المتوترة بين الخير وأبيه، وهذا التوتر لم يفتر يومًا، فأبوه الخمسيني الذي يميل لجارته أم فؤاد ميلا يعدها عشيقة محتملة (ص34) كثير القسوة على ابنه هذا، وهي قسوةٌ – في رأي ابنه - خاصة، وشخصية جدا. (ص38) ولعل من الدلائل غير المقبولة على قسوته تلك أنه حزن عندما سمع بخبر نجاحه في المترك. ولما بلغه خبر اعتدائه على عذْريَّة نجلاء المكنوز مع يحيى العفيف هُرع إلى مسدسه، وأطلق عليه ثلاثة أعيرة أخطأته لحسن الحظ. وقد قاوم رغبة ابنه في أن يكون فنانا تشكيليًا، ومنعه من المبيت مع الأسرة، فلاذ الفتى بالتسوية حيث الكراكيب، وبقايا الطوبار، وقضبان التسليح المعوجَّة، والغبار، والأتربة، مع افتقارها للإضاءة والماء والأثاث. وفي هذه التسوية الموحشة استقبل أصدقاءَهُ ومعشوقاته على أضواء الشموع، وقام بإعداد رسوماته، ومن دلالاتِ حرص المؤلف على هذه الشخصية تنقُّله بنا من الفضاء الخارجي إلى عالمها الداخلي، فقد ظل يتطور عن طريق القراءة، وتتسع مداركه اتساعًا لا يتناسب مع عمره، فهو طالبٌ ثانويٌ، ويقرأ في كتب قلَّ أن يطلع عليها أساتذة محترفون، ككتب نيتشة، وتوينبي، وبرغسون، والحلاج، وشعر السياب، وأبي نواس، وشكسبير(ص127)، وآخرين كثر ذكرهم لنا الراوي .. في إشارة تنم على المبالغة التقريرية المباشرة في تحديد ملامح الشخوص. وقد تحرَّر من عقدة الأب حين وجد عملا لدى مكتبة العفيف التي يديرها موفق. ووجد في الحصول على دخل شحيح العتبة الأولى للتحرُّر الذاتي، والاستقلال عن سلطة الأبوين (ص108)، وما لبث أن وجد عملا أكثر ربْحًا لدى الخطاط الأرمني ديكران (ص171)، ولو أن هذا الأخير ساءت أحواله في نهاية الرواية، وشاع عنه أنه غادر إلى أميركا (ص217).
 
تحيُّزٌ ذكوري
ومن يقرأ الرواية، دون تحيُّز مُسبق، يأخذ على استراتيجية الكاتب حيال الشخوص انحيازها للذكور، وتحيزها ضد الإناث، فهو لا ينظر بعين العدل، والإنصاف، تجاه الجنسين. وتحيزه هذا لا ينسحب على مثال واحد من الشخصيات النسوية، وإنما يشمل الشخصيات عموما، باسثناء واحدة، أو اثنتين. فلا تظهر في مسرح الأحداث امرأة، أو فتاة صغيرة، أو كبيرة، إلا ولديها إستعداد تلقائي، وفطري، للسقوط. فنجلاء المكنوز تسقط في أول لقاء لها بيحيى، وخير، وتواصل هذا حتى في حياتها الزوجية مع قسام، فهي لا تفتأ ترى في عثمان، زوج شقيقتها لمياء، رجلا أحق بالزواج منها لاقتداره على توفير الحياة الرخية. وسعاد، الطالبة في الثانوي، تسقط لدى أول لقاء لها بنذير، ويحيى، وتعاود السقوط. ونبيلة، التي ظهرت على حين غِرَّة في أكاديمية الفنون، تغدو، بين عشية وضحاها، الفريسة التي يتنافس عليها أعضاءُ هيئة التدريس، لا سيما قسَّام، ومدير الأكاديمية الذي يُذكِّر السابق بأن الأكاديمية ليست " كرخانة ".(ص185) وقد استحوذت تصرفاتها لاحقا على اهتمام الطلاب اهتمامًا لا يتناسب مع الدور الذي عُهدَ به إليها في الأحداث. (ص189- 197) على أن الكاتب يبدي أيضا تركيزا على  الجذور المسببة لسقوط نبيلة التي تحاول – جادة- الإسهام في حركة الفن التشكيلي بعمَّان. فهي من عائلة ثريَّة بالوراثة، ومعظم أفرادها مدمنو مشروبات كحولية، ومخدَّرات، وابن خالها يأبى الزواج منها قائلا لا يمكن أن يقترن بابنة ذلك السكير.(ص227) ويتَّضح-  لاحقا - أنَّ ابن خالها على حق، فاستعدادها للانحراف أوضح من أن يخفى. وانتهى بها الأمر، في ما يذكر الراوي، للتنقل من عشيق لآخر، والتردد على الحفلات الصاخبة، الماجنة، في الفنادق، وفي غيرها من بيوت العازبين، والمتزوِّجين.. ويبهجها ارتفاع أرقام الفواتير التي يدفعها المُغرمونَ بها (ص244) وختمت هذه السيرة بدخول السجن بتهمة الدعارة. (ص246) وبعد خروجها منه أصبحت العشيقة الخاصة بحسن الشيشاني- أحد أفراد الشلة- مع احتفاظها بقنوات التواصل مع عشاقها الآخرين.(ص389) أما حسن هذا، فقد دخل السجن لأسباب لا تتضح للقارئ، وخرج منه بمساعي من يُعرف باسم الجنرال الذي يدير شبكة من العملاء المتاجرين بالممنوعات (ص253) واشْتُهر – أيْ حسن- وذاع صيته بصفته أكبر مُورِّد للحشيش، والأفيون، والسلاح، بمساعدة ذلك الجنرال الذي لا تعرف مصادر قوته، ونفوذه (ص398) على الرغم من تكرار الإشارة لعلاقته بالماسونية، ولرتبته العليا في أحد محافلها السرية. 
وبقية نساء القصة لا يختلفن عن نبيلة، والجوهرة، ونجلاء، ولمياء، وسعاد، ودبُّوس، والداية، والخطابة حكيمة، وأم زهير( ومن يسميهنَّ الراوي بالنوريات)وغيرهن ممن يُدرْن بيوتا للدعارة، ويحتفظن بعلاقاتٍ وطيدة بأفراد الشلة. ولا تشذ عن هذه القاعدة إلا اثنتان لم توفقا في علاقاتهما، وهما وَعْد- شقيقة هاني المسيحي-  فقد شغفت بموفق – الذي يدير مكتبة في مركز العفيف- ولكن هذا الشغف حكم عليه مسبقا بالإخفاق لاختلاف الدين. وتغريد شقيقة موفق التي شغفت هي الأخرى بهاني. 
 
الخاسرون من هم؟
ومن هذه الملاحظ ينبغي لمن ظنّوا أن الكاتب زياد قاسم مهتم في رواياته برسم صورة إيجابية لمدينة عمان في الخمسينات، أن يعيدوا النظر بما استخلصوه، واستنتجوه، من قراءتهم الفِجَّة تلك، فالصورة التي يخرج بها القارئ الحصيف عن مدينة عمان في تلك الحقبة – إذا تجاوزنا الوضع السياسي بما فيه من قلقٍ، ومن اضْطراب – صورةٌ أخرى لمدينة غير موجودة، مدينة تطغى عليها بيوت الدعارة، والمقاهي التي يشيع فيها تعاطي الحشيش، والأفيون، وتجارة السلاح، والمَمْنوعات، وثكثر فيها البارات والحانات، والفن فيها- كما الثقافة – أنصارهما، والمهتمون بهما قلة نادرة، فهي لذلك تشجع المهتمين بهما على الهجرة، والبحث عن ملاذات حتى لو كانت في بلد بعيد كأميركا، والنهاية المتوقعة لمن يسقطون في الرذيلة فيها هي الإفراط في التديُّن، رهْبَنةً، أو انخراطا في التصوُّف، أو الاغتيال على يديْ طالب ثأر، فالجميع في هذه الرواية-  إذا أردنا التذكير بعنوانها - هم من الخاسرين.
 
 
* في إشارة لمحمد أيوب في المقال الموسوم بعنوان " زياد قاسم فلسطيني الجذور أردني النشأة " ذكر له رواية أخرى لم تنشر، بعنوان " رحلة أحمد ". وأخرى توفي قبل أن تتم.
https://ar-ar.facebook.com/permalink.php?story_fbid=373041732710960&id
* ناقد وأكاديمي أردني.