الدائرة

Printer-friendly versionSend to friend
محمد أبو زرة*
 
 إنه منتصف الليل، النجوم متلألئة في السماء.. تنظر في ساعة هاتفها الذكي، كل دقيقتين تقريبا. يبدو أنها قلقة من أمر ما. أخيرا وقفت أمامها السيارة، فتحت الباب الخلفي بيدين مرتجفتين. قعدت إلى جانب صديقتها التي كانت تضحك بغنج فاضح، يسمع ضحكها المارة القليلون على الرصيف. كان بين الفينة والأخرى يرمقها من المرآة الداخلية للسيارة.. إنها صيد ثمين، هكذا كان يحدث نفسه. دخلوا جميعا إلى صالة الفيلا الواسعة، صديقه ورفيقته لم يطيقا الانتظار وباشرا يقبلان بعضهما بعنف. يداها ورجلاها ترجف من التوتر والخوف.. سألها هل يحضر لها ما تشربه؟ لم تجبه، فقد عقد لسانها من الخوف. اتجه صوب خزانة متقنة الصنع، مخصصة لكل أصناف الخمور؛ قدم لها كأس ويسكي، لكنها ترددت في أخذه، قبل أن يضعه في يديها. يبدو أنك مبتدئة، ولربما إنها المرة الأولى لك، قالها بسخرية.. وأضاف: - لا عليك ستعتادين على الأمر بمجرد الانتهاء، وكسر ذلك الحاجز الرهيف. - أريد أن أذهب، فهذا ليس عالمي. ردت والدموع تتسرب من مقلتيها. - اسمعي أيتها الفتاة: هناك مثل يقول "دخول الحمام ليس كالخروج منه". لذا عليك أن تدفعي ثمن التوصيلة على الأقل! - اسمع يا أخي... - ههههه، أخي.. هاهاهاهاهاهاهاها. قال أخي قال !. أنا لست أخاك، أنا هو من سينام معك الليلة، وتقدمين له القربان، دما.. ما دمت طبعا ستخوضين التجربة لأول مرة. في غرفة النوم طلب منها أن تخلع ملابسها بطريقة تثير شهوته، لكنها ظلت لدقائق جامدة بمكانها.. إنه يتقدم نحوها مثل وحش يريد افتراس فريسته.
 سألها المحقق منتشلا إياها من شرودها: - أين هما شريكاك في الجريمة؟ وأين خبأتم المسروقات!؟ - أنا لم أقصد أن أقتله.. ولا أعلم شيئا عن المسروقات. كما لا أعلم مكان صديقتي أو صديقه. صدقني أرجوك!.
- اسمعي.كل الأدلة تدينك. فالأحسن لك أن تتكلمي. 
- سيدي، أرجوك صدقني. لقد قلت كل ما لدي. أنا لم أقصد أن أقتله.
حكمت المحكمة عليها بتهمة القتل العمد والمشاركة في السرقة، وبالنظر إلى نظافة سجلها العدلي، واعترافها بأنها قتلت صاحب الفيلا بطريق الخطأ، بالسجن ثلاثين عاما مع الأشغال الشاقة. بعد مرور خمسة أعوام عليها في السجن، أُخبرت أن ملف قضيتها فتح من جديد بطلب من محام شاب، عثر على خيط يدل على الآخرَين، الذَّيْن سرقا من الفيلا أثمن الأشياء، بالإضافة إلى أوراق ومستندات هامة. جلست أمام المحامي الشاب، نظرت إلى عينيه، إنهما ذاتا العينين اللتين كانت تراهما كل يوم وهي ذاهبة إلى مدرستها.. اغرورقت عيناها بالدموع، وبدأت بالتضرع إليه بأنها بريئة، وأنها كانت تدافع عن نفسها. 
****
 
ها هي ذي تعتنق الهواء الطلق وتتنفس الحرية من جديد. كان يقف هو، المحقق، أمام سيارته ويرسم ابتسامة خفيفة. 
في المقهى، سألته:
- متى بدأت تهتم بالقضية؟ 
- منذ أن أصدر القاضي حكمه عليكِ. 
- لم أتصور أن يكون الفاعل هما تلك الصديقة وصديقه. 
- نعم.. فهما كانا قد خططا للإيقاع به، لكن ما حصل معك في تلك الليلة كان مصادفة جعلتهما يسرِّعان في ذلك.
- يعني بعد أن دفعتُه وارتطم رأسه بالجدار فظننتُ أنه قد مات في تلك اللحظة.. ثم بعد أن أغمي علي.. أجهزا عليه وقاما بما قاما به، واستغلا حالة إغمائي حتى أتحمل القضية وحدي وأبدو أنني الفاعلة..؟ 
- نعم! لكن، أخبريني: ما الذي دفعك إلى ذلك المستنقع؟
- إنه الواقع المزري.. أضف إلى ذلك، الإغراءات التي كانت تقدمها لي من حسبتها صديقتي.. ناهيك عن وضعيتنا، أقصد ذكورا وإناثا، داخل هذا المجتمع. 
- فعلا.. إن هذا الواقع يضعنا داخل دائرة ويتركنا نجري داخلها في كل الاتجاهات، دون أن نستطيع اجتياز حدودها. 
 
* كاتب من المغرب .