الدّخول في لعِبِ الإشارة

Printer-friendly versionSend to friend
سيف الدّين العلوي*
 
ترتدي اللّغة أزياء الإشارة فإذا الوجود بأسرِه أصابعُ. 
فجأة العالم الذي يحُفّ بمحيط ذلك الكائن وبسائر متعلّقاته: مشاعره المظلمة، رغباته الباطنة، كوامن سـرّه البعيد/ القريب، شهواته الكتيمة/ الصّريحة، مكبوتاته الفائضة،/ الغائضة، عالمه الدّاخليّ الضيّق/ الفسيح،المنفتح قسرا على موجودات العالم الخارجيّ الفسيح /الضيّق ... كلّ ذلك العالم وسواه ممّا خفي، ينصبُّ في كَفِّ يده ، ثمّ توزّعُه الكفُّ عبر العقل إلى الأصابع، ثمّ تضطلعُ الأصابعُ بترجمة الصّمتِ وتعرية العالم الأبكم. 
ماذا بمحموله يا ترى يفعل ذلك الرّجل الأخرس / المهذارُ الجَوارحِ، الجالس قبالتي في المقهى؟ لقد أتاح لي لوهلة أن أخالَه معتوها. كان يبتسم وهو يرفع محموله بمواجهة وجهه وعينيْه.. عيناه كانتا تتابعان النصّ الطّويل. إذن ثمّة نصّ له حضور على شاكلة مرئيّة. لوهلةٍ خلتُ به خبَلاً: أصابعه فقط كانت تتكلّم- تتحرّك، بتعابير رمزيّة مختلفة. هكذا نطقتْ يداه. جعلت تَـشْـهدَان على امتلاءات الباطن. ما من شكّ في أنّ الباطن كان ممتلئا، يغْلي بحمم اللغة المتلاطمة..
    كان لليد ضجيجُها في تلك الآونة: لو لم تكن تضطرم بمتعة القول لما كانت تعلو. تنخفض. تمضي يسرة فــيَـمْنة. ترسم أشكالا هندسيّة ما. حركاتٌ كأنّها حركات قبسٍ ناريّ يُدارُ في العتمة. سمحتْ لي بعضُ الإشارات بـتهجّي المعنى: 
" ليس الآن ، بل بعد غد".
   قالت إشارةُ اليدِ ذلك اللّفظ الصّموتَ. ولم تتوقّف الإشارات بالحركات عند ذلك الحدّ من التّعبير بل لعلّها أصابتْ جلَّ أهدافها التّواصليّة .. ولكن أشعر أنّ وعْـيي العَــيَّ عن تحويل الرّمز إلى دوالٍّ أخَـر، أخذَ يخور. كذلك ظلّت المدلولات تنقالُ تباعا، دون أن أتمكّن من صناعة نصّ مكتملٍ انطلاقا من المرْئيّ باتّجاه اللاّمرئيّ أو باتّجاه ما ينبغي تحويله إلى مسموع ومفهوم..  ورحتُ أتساءلُ بغباء، عن كيف  يتمّ التّواصل الإشاراتيّ باليد والأصابع دون رقْن أو رسم كتابة؟  وإلى أيّ مدى يمكنُ لذلك التّعبير التواصليّ الصّامتِ أن يصمد دون أن يتحوّل صاحبُه إلى معتوه؟
        لقدرتي على ترجمة المقُول الأوّل، رحتُ أزعمُ أنّه تسنّى لي فهم ما يلي بعجالةٍ كعجالة الحركة. أوَ يكون اللّسانُ لو نبسَ أعجلَ ممّا فعلتْ حركاتُ اليديْن؟.كانت الأصابعُ تثرثرُ. والشفتان تعضدان الخطابَ بلا إفصاح. ثمّة تمتمة. ثمّة اطّراد وانقطاع ثمّ اطّراد جديد. لو لم يحدث هذا التّناوبُ بين الإسهاب والاقتضاب لما ازدحمت اليدان والشّفتان بضجيج الحركة الصّامتة. خُيِّل إليّ أنّني إزاء مسرح الصّمْت.
لكن، كان ذلك بديعا بمعيارٍ ما.. كانت الإشارات،لغة الأصابع وتلويحة اليد و تحوّلات الأسارير العاجلة تعبيرا عن فتنةٍ ما.
 لا يهمّ..
       يحتاج العالم اللّسِنُ الأبكم المشلول اليوم، إلى إشاراتٍ. ماذا لو ندخل جميعنا في لعِبِ الإشارة. يحتاج اللّسانُ إلى فُسحة راحة. تلك القطعة من لحم غريب طريّ عصِيّ، لا شكّ أنّها استنفدتْ كلّ مرونتها ومِطواعيّتها في سبيل البحث عن أسلوبِ كذبٍ جديدٍ عن هيئة داخليّة و وضعيّات متنوّعة، لإيصال فكرة ما مصنوعةٍ من حروف. لا شكّ أنّ اللّسان وهو يصنع اللّغة ، يمارس شتّى وسائل التقلّب و التقلّص والتمدّد و التقدّم والتّراجع والاندفاع العلويّ والانكماش السفليّ ، لا شكّ أنّه جِسمٌ مرِنٌ بارع في البهلوانيّات الخافية والحركات المتوارية..    هكذا فقط تكون اللغة المُصرَّحُ بها سمْعًا، هي الجزء المسموحَ بسماعه فيما تكون آلتُه مخبوءةً مستترة.. و لو أنّه أتيحَ لنا رؤية الأحرفِ حالَ خروجها من الشّفتيْن وقد دفَعها اللّسانُ إلى الظّهور لبدتْ ( ربّما )جريحة دامية أو محترقة متورّمة. لذلك كثيرا ما نعتقد أنّنا نشُمُّ في الحروف وهي تتابع، رائحةً ما تعكس وضعيّةَ اللّسان المتقلّب ودرجة تقلّبه وتلوّيه، وتشي بمشروع الذّهن الذي أعِدَّ  اللّسانُ في مصنعِه هو أو أداة لترجمة مشروعِه. تماما كما لنا نستخلصَ من حركاتِ بهلوانٍ رياضيّ حالَ انتهائها، صورةً جماليّة فاتنة أو صورة تهريج ما، أو أنْ نستنتج من وراء فعلِه سماجةَ فعلٍ وسوءَ أداءٍ.
      للّغة روائح متعدّدة تُحيل فورًا على مهارة أو خُرْقِ- طبْـخة اللّسان لأدواتِ الكلام. أمّا الإشارة – وقد تكون  ممارسة بهلوانيّة جديدة- فهي إعفاءٌ للّسان عن مهامّه البهلوانيّة، واتّراكٌ له عوَــزْلٌ، واستبدالٌ لأدائه بأداءٍ مغايرٍ إشاراتيّ رمزيّ، ينوبُ اللّغة المنطوقة، ويكسِرُ عادة السّماعِ ويُقيلُنا عن مهمّة اشتمام الأحرفِ المنتظمة الحاملة لإمكانيّة كذبٍ ما، ويحجبُ الحاسّة عن وظيفتِـها. هكذا تتحوّل الوظيفةُ من اللّسان إلى اليَد، من لحمةٍ رخوة إلى أصابع ذاتِ يُبْسٍ.
      هكذا تتعرّى اللّغة - وهي تتستّر في آنٍ- فتخرُج من مكمنِ الأفعى(كثيرا ما خُيِّلَ إليّ أنّ اللّسان شبيهٌ بأفعى مشدودةِ الذّنَـبِ مطلقةِ سائرِ الجسد، في حركات لا تني تستقرّ ، متأهّبة للسْعٍ متواتر.أو هو أشبهُ بإيرٍ في حالةِ هيجانٍ يقِظ وانفعال دائبٍ، يفتّش عن انخراطٍ ما في أحدِ جحور المتعة..)  هكذا تصمتُ اللّغة بوساطة الإشارة ويُخْصى اللّسانُ، أو هي تصمتُ بمجرّد انخصاء اللّسان. إنّها في الحقيقة لا تصمتُ بل هي تحلّ في الإشارة المرئيّة وتفقد بذلك خُصوصيّةَ مسْموعيّتِها لتكتسِبَ نجاعةَ مرئيِّـتِــها. وبين ذاك الفقد وهذا الكَسْب، تكتسي بطابع الصّدْقِ،(أو توحي بذلك على الأقلّ) ذلك أنّها لا تمتلكُ في تلك الأثناءِ سوى آلية تعبير واحدة، هي الرّمزُ.على عكسِ اللّسان الخَدوعِ الذي يمتلك إمكانياتٍ بديلةً متعدّدة في استبدال الخطابِ.. لذلك تكون الإشارة صادقة في مستوى التّبليغ التّواصليّ(و قد لا يكون ذلك حتمًا في مستوى الإنجاز الفعليّ) فيما يكون اللّسانُ محتمِلاً للكذب في مستوى التّبليغ التواصليّ اللفظيّ المعلَن، بما يعني أنّ احتمال تصديقِ الإشارة أكبرُ وأقوى من احتمال تصديق اللّسان. ذلك أنّ للإشارة مَسْلكًا مرئيّا واحدا لا يُعوِّلُ إلاّ على حاسّة البصرِ التي تكون هي التي تقرأ وتؤَوّلُ، بينما اللّسان يُعَوّلُ على المنطوق/ المسموع.  كما أنّه يُنوّع في أساليب التبليغ السمْعيّ بأصواتٍ أخرى غير الحروف كالتّصفيرِ ونحْوِه. وكثيرا ما كان يُجَوّزُ له أن يستعين بالإشاراتيّ المرئيّ، كدليل على عجزِه عن التّبليغ التامّ وعدم استطاعته بذاتِه..
   من هنا يتأتّى الحذرُ من اللّسان ومن صناعتِه للخدعةِ،أكثر ممّا يتأتّى الحذرُ من الإشارة الرّامزة ومن صناعتِها للفكرة المُرادِ إيصالُها سريعا.. 
أدركت في الختام أنّ الرّجل مهذار الجوارح كان قد عوّل على كفاءة يديْه في فنّ الإشارة، وكانت اليدان وملامح الوجه مشبعة باللّهفة على إيصال النصّ الصّامت. وتيقّنت حينها من وجوب وجود كاميرا محمول ترسم وجهَ المُشارِ إليه  لحاذق لعبة الإشارة. ثمّة إذنْ تواصل كونيّ خارج حدود اللّغة. يجوز أنّ ذلك التّواصل الإشاراتيّ كان قادرا على الإفصاح عن خفايا العالم السرّيّ للمنخرطين في لعب الإشارة. ولا شكّ أنّها قدرة تُضاهي أو تفوق قدرة أداء اللّسان. ولكن دون  احتمالات كذب كبير عبر تلوين ذبذبات صوتيّة وزخرفة المعنى لفْظا وتنغيما..
 
* أديب من تونس.