الروائية  كليزار أنور: أكتب من وحي انسانيتي أولاً

حوار صالح الرزوق*

الروائية العراقية كليزار أنور كاتبة كردية اختارت أن تعبر عن نفسها بلغة الضاد. وقد كانت أول أعمالها وهي (عجلة النار) رواية تتناول حرب العراق مع إيران.  وهذه إشكالية تناولها موسى السيد في روايته اليتيمة (أيام من أعوام الانتظار) وفيها رسم لوحة لقرية كردية تقدم أبناءها قربانا لحرب مستعرة ليس للكردي فيها أي مكان. إن التعاكس بين الميول والواقع شيء لا بد منه في الأدب، فقد كان سعيد عقل يدعو إلى لبننة لبنان وفي الوقت نفسه يكتب عن أفكاره بلغة عربية فصيحة. ومثله محي الذين زنكنة الكردي المتخصص بكوابيس إنسان الطبقة المتوسطة ولا سيما العامل والموظف. كما أن تجربة سليم بركات تأتي في هذا الإطار وبالأخص أنها من جهة الذاكرة ذات خلفيات كردية.

ولدت الكاتبة الكردية كليزار أنور في مدينة العمادية في شمال العراق عام 1965. وبدأت الكتابة عام 1995. وصدرت لها الأعمال التالية: 
بئر البنفسج (قصص، 1999)، دار الشؤون الثقافية العامة،  بغداد.
عجلة النار (رواية، 2003)، الشؤون الثقافية العامة.
عنقود الكهرمان (قصص، 2006)، الشؤون الثقافية العامة.
الصندوق الأسود (رواية، 2011)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
في ما يلي حوار معها حول مشكلة التعبير الفني عن الهوية.
    
* ما هي مشاعر أدباء كردستان العراق تجاه الواقع العربي، وكيف عالج الأدباء العرب المسألة الكردية. وأين هي منطقة الالتقاء والتفاهم؟.  
ولدت في العمادية وهي مدينة في أقصى شمال العراق. وانتقلت مع عائلتي إلى الموصل بعد شهر من ولادتي، فقد نشأت في بيئة عربية،  والموصل بالذات تتكون من فسيفساء عربية.. يعيش فيها العربي بجانب الكردي والمسيحي والإيزيدي والشبكي والتركماني.. وكانت تجمعنا الطيبة والأخلاق، ولا تباعد بيننا الفروقات العنصرية..
كل منا في بيته يتكلم بلهجته ويعتز بقوميته، لكن خارج منزله هو عراقي فحسب. لذا عندما كتبت (عجلة النار) وهي أول تجربة روائية لي.. اعتبرتها المختبر الذي تعلمت فيه  فن الرواية وحاولت أن أتفادى أخطائي المبكرة في تجربتي الثانية (الصندوق الأسود). كتبت (عجلة النار) كعراقية  واجهتها الحرب كما واجهت كل أطياف الشعب العراقي الذي شارك في تلك المطحنة، وكان لي أخوان على خط النار يومذاك.
وعندما أكتب.. فإني أكتب من وحي إنسانيتي وثقافتي الحرة وليس من وحي (كرديتي/ أصلي وفصلي). في عجلة النار البطلة روزين/ كردية والبطل راغب/ عربي. وحتى في الحياة.. تزوجت من محمد الأحمد/ العراقي/ العربي.. ولم أسأل نفسي ماهي قوميته أو طائفته.. فقد جمعنا الأدب قبل "النصيب". ولم أشعر بالاضطهاد ذات يوم حتى في زمن الرئيس العراقي السابق صدام حسين. فقد صدر لي كتابانولم يقولوا لي كردية، وكنت أنشر قصصي في صحف ومجلات بغداد كالاقلام والموقف الثقافي، وكنت أرسل قصصي بالبريد من الموصل، وكان نصي هو الذي يفرض نفسه.
 
* هل تعتقدين أن غياب هَمّ كردي/ عربي من الرواية الحديثة ناجم عن حساسية إنسانية وفنية أم بسبب اتجاه النظام وظروف الرقابة. فالمنفى حافل بالكتاب الكرد، وصوتهم مرتفع حتى عند كاتبة تركية مثل إليف شافاق في عملها المتميز (شرف). في الأفلام الكردية تصوير لمعاناة الإنسان البسيط ولضغط النظام عليه، بينما لا نلحظ ذلك  في الروايات. حتى في الشعر كان صوت الإنسان الكردي يميل للطبيعة والرموز والفلاحة ويبتعد عن التعبير المباشر. وهذا ينسحب على كرد سوريا مثل حامد بدرخان وسليم بركات وكرد العراق الذين يكتبون بالكردية مثل شيركو بيكة سي. ما السبب في التباين بين الكلمة المكتوبة والصورة المرئية
ثم كان دفاع محمود درويش عن الكرد في (ليس للكردي إلا الريح) أقوى وأوضح من احتجاج الكردي موسى السيد في يتيمته (أيام من أعوام الانتظار). ولنكن واضحين.. توجد نار تحت الرماد. أين المعادل الموضوعي لها في الأدب. وهل الانتماء اليساري لمعظم الكتاب الكرد غطى على الناحية والمشاعر القومية. وفي الذهن محي الدين زنكنة والراهب المجدد: جليل القيسي؟.
الإنسان المثقف بصورة عامة، بطبيعة تكوينه إنسان مسالم.. ما يهمه أن يعيش الحياة التي خلقها اللّه له بكل تفاصيلها الجميلة. والمثقف الكردي يعيش في بيئة جبلية، سماء عالية وأشجار باسقة وينابيع ماء. لوحة فنية من حوله.. وهو بطبيعة تكوينه متفائل، رغم كل المحن التي يمر بها، فهذا الضغط يتبدد بمجرد أن ينظر إلى السماء الصافية ويشم الهواء النقي.. ويذكر إسم اللّه.. حتى المعاناة التي يمر بها تتحول إلى إبداع، فالآلام العظيمة تلد الأعمال العظيمة كما يقول غوته. وفي أغلب الأحيان يكون الأديب الكردي محايدا وينظر إلى الأمور من كافة جوانبها، وبإيجابية، وهذا دليل وعي عميق منه. جميل أن ننظر إلى الكأس ونقول نصفه ملآن، بدل أن نصف نصفه السلبي. 

* وأين تقف الرواية العربية من التطورات التي تعصف بالمنطقة؟. وهل أثرت الحدود السائلة على معنى وأسلوب الرواية العربية؟. بعد عام 2003 حصل انفجار في كم الروايات. ما نسبة الصدق الفني فيها وبالأخص أن قبضة النظام ليست كما كانت، ولا سيما في العراق. بينما معظم الكتاب السوريين يكتبون من الخارج بعيدا عن مضايقات الرقابة. فهل الاستجابة كانت فنية وإنسانية أم يغلب عليها الشعارات والتجارة بمآسي العرب..

وأشير هنا بأصبع الاتهام للأدب الموجه. فقد كان يضع في رأس شروطه إرضاء النظام. وكان يكتب ليسعد الرقابة ودون أي اهتمام بدور الأدب كترمومتر أو تحذير أو بوصلة تدل على عمق الأزمة ..

أحب أن أؤكد أن الزمن الآن زمن الرواية. فالشعر تبدد والقصة لحقته.. لكن الرواية تتطور نحو الأفضل أسلوبا وحكايةً وثيمةً. ولكل روائي طريقه الخاص به  يحاول أن يتفرد بموضوعه وأسلوبه.. وهذا الذي ساهم في نضوجها. كنا متصورين بأن الأدب الموجه إنتهى بانتهاء حزب البعث (في العراق)، لكن ظهر بدله الحزب الديني.. وكما كان لحزب البعث مروجوه، فلهذه الأحزاب أيضاً، وفي الغالب هو أدب ضيق ينتهي بانتهاء هذه الأحزاب.

* أفهم منك بمعنى من المعاني أن الثورة لم تخلق أدباءها وأسلوبها مثلما حصل في القضية الفلسطينية. والثورات الوطنية تخون نفسها فنيا باستمرار، فقد بشر نجيب محفوظ بيوليو ثم انقلب عليها في (اللص والكلاب) وأدانها في (الكرنك)، ومثله توفيق الحكيم كتب (عودة الروح) ثم انقلب على نفسه في (عودة الوعي) وانتقل من حرب التحرير إلى معاهدة السلام. وأجد أن أدباء سوريا والعراق اكتفوا بالشعارات المزيفة،  وأصبح لدينا جيش من الكتبة وليس الكتاب، واختصاصهم أن يكيلوا المديح لما يريده النظام، بينما هناك أدباء لامعون دخلوا في دائرة من الصمت أو في متاهات سريالية أو انكفاء على الذات، ولا داعي لذكر الأسماء فكلنا يعرفها. ولمن ليس لديه اطلاع على الثقافة الوطنية في سوريا بوسعي أن اذكر فاضل السباعي وتراجعه من الصف الأول في الخمسينات إلى الصفوف الخلفية في الستينات وما بعد. وأدونيس الذي انفصل عن ذاته الوطنية في سبيل ذات أشمل وأوسع.

السؤال الأخير، أين تقف تجربتك الفنية؟. وكيف عبرت عن الوصايا المغدور بها بتعبير كونديرا. وما هي مشاريعك للمستقبل، وهل من شيء جديد يحمل قطيعة أخرى وخيبة أمل إضافية؟..

زمن الثورات انتهى.. فالثائر ما أن يصل إلى السلطة حتى يتحول إلى دكتاتور وجلاد يفتك بالعباد. فالأديب أدرك اللعبة.. لذا أبتعد بملء إرادته عنها، فما الذي يجعله يمجدها!. بالنسبة لتجربتي فهي مرتبطة بالكاتب محمد الأحمد الذي تعرفت عليه على صفحات الصحف والمجلات، كانت قصتي منشورة بجانب قصته. ولكي لا أنتهي أدبياً.. كنت مقررة مع نفسي أن أرتبط بأديب. والحمد للّه رب العالمين. جاءت الرياح بما تشتهي. وجمعنا "النصيب". فنحن لا يجمعنا سقف واحد فقط، بل نحن صديقان وزميلان وحبيبان. أقرأ له ويقرأ لي.. نتناقش، نسمع بعضنا بعضا، أضاف لي.. وأضفت له. وما زال لكل منا أسلوبه واتجاهه الخاص به. أما آخر مشاريعي بالإضافة إلى القراءة الدائمة فإني أكتب رواية جديدة مختلفة كليا عن تجربتيّ السابقتين في روايتيّ (عجلة النار) و(الصندوق الأسود). إنها رواية يلعب فيها (المكان) دور  البطولة. وبالضبط المكان هو مدينة العمادية مسقط رأسي. المدينة التي كانت تسمى إمارة بهدينان ذات يوم.. ويعود تاريخها إلى العهد الآشوري.

دهوك – حلب \ تموز 2018 

* أديب من سورية.