السّبلُ والغايَاتُ

متاقي أبوبكر* 
 
حُلْمِيَ كان بَسِيطاً :
دِفْترٌ شِعْرِيٌّ صَغِيرٌ بِنَفْحَةٍ بَرِّيةٍ بَحْرِيّةٍ، يَقُولُ مَسَالِكَهُ وَلَا يَقُولُهَا، يَزْدَهِي بِالتَّقَشُّفِ وَيَزْدَرِيهِ، يُعْلِي مِنْ شَأْنِ الْفَجِيعَةِ مِنْ جِهَةِ مَرَحِهَا وَيُسْقِطُ عَنْهَا كُلَّ لَوْنٍ، يُؤَلِّبُ الْعَوَاطِفَ بَعْضُها عَلَى بَعْضٍ، يُؤَاخِي بَيْنَ دِفّتَيْهِ بِوَرْدَةٍ وَظِلِّهَا إذَا تَعَذَّرَ الْخَيْطُ الْمَتِينُ، يُتَوْئِمُ النَّظْرَةَ بِاللَّمْسَةِ وَلَا يَنْسَى مَبَاهِجَ الرُّوحِ  ــ لَهُ حَقِيقَتُهَا الصّلْبَةُ وَعَلَيْهَا أَوْهَامُهَا الرّخْوةُ ــ . كِتَابٌ يَرِثُ مَا تَغَرْبَلَ ولا بكاء فيه غَيْرُ آبِهٍ: بِنَهْرٍ يَجْرِي ,بِضِفَّتَيْنِ تَتَآكَلَانِ، بِبُحَيْرَةٍ تَتَجَمّعُ، بِشَجَرَةٍ تُجْتَثُّ أو تَرْقُصُ أوْ تَتَلَوَّى، بِظِلٍّ تُشْقِيهِ هَويَّةٌ مُتَخَيّلَةٌ تتناقصُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُفٍّ ، بِفِكْرَةٍ تُخَانُ في فَجْرِهَا، بِفِكْرَةٍ تُعَادُ في احْتِضَارِها، بِفِكْرَةٍ تُوَفَّى أجْرَهَا كَامِلاً قبلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهَا بِأَرْضٍ مَشَاعٍ، بِأَرْضٍ مُسَيَّجَةٍ بِغِنَاءٍ جُعِلَ مَسْلَخاً لِلْكَلِمَاتِ، غُيْرُ آبِهٍ  في النّهايَةِ بِحَيَاةٍ يَائِسَةٍ تَتَصَفَّحُ كَتَالُوغَ قُبُورٍ بالألوان.  
تَقْرِيباً، هَذَا الدّفترُ وَحْدَهُ ارْتَقَى مِنْ مُعْتَرَكِ ضَجِيجِ الدّاخِلِ ،وَصَارَ شُغْلاً شَاغِلاً.   
مَا أَشَدَّ إذاً ، تَعَاسَة الْإِرَادَةِ الْمَحْفُوفَةِ بِالْإِشَادَةِ الْمَنْخُورَةِ بِالْكَسَلِ .
 مُتَّسَعٌ من الْيَقَظَةِ لِكِلَابِ الأَحْلَامِ وذئابها تَنْبَحُ وتعوي، مُتّسعٌ من الحُلْمِ لِكِلابِ الْيَقَظَةِ وذئابها تُبَادِلُهَا النُّبَاحَ ــ حَقُّ الرّدِّ مَكْفُولٌ ــ وَبَيْنَهُمَا مُنْخَفَضٌ تتداوله الظلمة والضباب بالتناوب. هَيّأْتُ تَفْسِيرَيْنِ لِمَعْنَى اللّذّةِ، تَفْسيرٌ وَاطِىءٌ وَتَفْسيرٌ رَاقٍ، بيْنَهُمَا حَدٌّ أَدْنَى مِنَ الْقَرَابَةِ . تَتَزَاحَمُ الْعَنَاصِرُ أَمَامَ مَنْفَذِ إِغَاثَةٍ،  كَأَنّهَا تُسَابِقُ أَجَلاً مُسَمَّى، كَأَنَّهَا تَخْشَى بُؤْسَ اللَّامَصَبِّ وَضَلَالَهُ. لَيْسَ لِيَ الْآنَ إِلَّا التّمْتَمَةَ بالْعَزَاءِ الْقديمِ نفسه قُبَالَةَ شَفَتَيْنِ مُطْبَقَتَيْنِ, خَلْفَهُمَا كَمُنُ لِسَانٌ عُهِدَ إِلَيْهِ بِلَحْسَةٍ شِبْهِ مُدَوَّرَةٍ كُلَّ دَقِيقَتَيْنِ. تَلْمَعَانِ فَتَجِفّانِ سَريعاً . هَا أَنَذَا أَسْتَلُّ ذِكْرَى امْرَأَةٍ حَائِلَةً وَأسْعَى لِصَقْلِهَا. أُدَوِّنُ مَا يَتَهَدَّدُهُ النِّسْيَانُ أَقُولُ لنفسي مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقٍ. أَدْنُو مِنِّي بِمِقْدَارٍ, أُطِلُّ عَلَيَّ بِمِقْدَارٍ، فَائِضٌ مِنَ الْأَشْلَاءِ يَتَبَاهَى بِفَوْضَاهُ . حَضِيضٌ مُزْدَهِرٌ بِالْفَاقَاتِ وَالشَّهوَاتِ. [هَاتِ يَدَكَ أَعِنِّي عَلَى هَذَا السُّلّمِ وَاسْمَعْ شَهِيقِي وَزَفِيرِي يُؤَبِّنَانِ جَسَدِي قَبَلَ الْآوَانِ] لَكِنِّي مَدَدْتُ لَهَا حَبْلَ كَلِمَاتٍ عَنِ الطُّمَأْنِينَةِ تُغَطّيهَا طَبَقَةٌ سَمِيكَةٌ مِنَ الْقَلَقِ. حَفَرْنَا مِرَاراً مُتَّحِدَيْنِ بِرَغْبَتَيْنِ مُتَعَانِقَتَيْنِ فِي الْفُروعِ المادية مُتَنَاقِضَتَيْنِ فِي الْجُذُورِالروحية، حَفَرْنَا إلَى أَنْ سَادَتْ لُغَةٌ هَشَّةٌ هَشِيمِيّةٌ فِي تَمَامِ جَفَافِهَا. أَكَادُ أَقُولُ: هَذَا مَدْخَلٌ مُرْتَبِكٌ و مُلَائِمٌ لِلدُّنُوِّ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ حَيْث تَكْتَفِي الْجُمْلَةُ بِذَاتِهَا . السُّبُلُ نَادِرَةٌ وَالْغَايَاتُ وَفِيرَةٌ.
 
* كاتب من المغرب.