الطابع المزدوج للخطاب الأدبي

د. إبراهيم خليل*

الخطابُ كما جاء في أحد المعاجم، تواصل لفظيverbal  أو حديث. وهو معالجة شكلية لموضوع ما بوساطة الكلام المحكي أو المكتوب. وفي موضع آخر عُرّف بــ " وحدة نصية يستعملها اللساني لتحليل ظاهرة لغوية في تسلسل معين" والفعل منه to discourse  أي: يخاطب، يشرح، يزاول القدرة على الإفهام والتفهيم. وقد ورد تعريف آخر للخطاب في المعاجم الفرنسية، فقيل: محادثة ذات طبيعة رسمية، أو تعبير رسمي يتصف بالأفكار المنظمة، كلاماً، أو كتابة. وجاء في قاموس لونجمان للإنجليزية أن الكلمة المذكورة مشتقة من الأصل discourse  ومعناها التدفق، أو الانثيال، إلا أن كلمة "الخطاب" أصبحت من باب الاصطلاح في ستينات القرن الماضي تطلق على أنماط من الحديث المباشر، أو غير المباشر – نطقًا أو كتابة - في الفلسفة، ثم انتقلت في الحقبة نفسها للاستعمال في دائرة أكثر اتساعًا، واستُعملت على سبيل المثال في اللسانيات لدى من يتحدثون في العادة عن خطاب الإعلانات التجارية، وفي الدراسات الاجتماعية فيما يسمى خطاب التمييز العنصري.

ونظرا للمرونة التي عُرف بها استعمال هذا المصطلح، فقد تضمَّن عند بعضهم –كريستال Cristal- التعليقات، والخطب، والنصوص الأدبية، والأبحاث، والملاحظات، والفصول من الكتب. والتقى مصطلح الخطاب ومصطلح النص في وسط الطريق بحيث بات من المقبول، لدي بعضهم، تسمية النصّ خطابًا، لكونه يحتوي على وحدات لغوية ذات وظيفة صريحة، ومحددة، سواء أكانت منطوقة محكية، أم مكتوبة منشورة. 
بيد أن بعض الدارسين يأبون أن يكون النصُّ، والخطابُ، لفظين مترادفين، فالنصّ لا بد من أن يكون مكتوبا، في حين أن الخطاب يجوز أن يكون منطوقا غير مكتوب. وقد يخلو النص من التفاعل، في حين أن الخطاب لا بد فيه من التفاعل بين المتكلم، والمتلقي، والموضوع، والظروف المحيطة بالحدَث اللغوي. وقد يكون النص قصيرًا أو طويلا، ولكنه في جلّ الأحوال يتميز عن الخطاب بالاكتمال، وله نهاية. في حين أن الخطاب قد يتضمن أنساقًا مبعثرة تفتقر للترابط، ولا تنتهي بنهاية محددة حاسمة، بل بنهاية توحي بالاستمرار وبتناول جوانب أخرى مرجأة. ويرى آخرون - بنفنست Benveniste مثلا-  أن النص يشبه الجملة من حيث أنه بنية ذات عناصر محددة يُتمِّمُ بعضُها بعضًا، في حين أننا عندما نتجاوز الجملة ندخل في دائرة أوسع، وأكثر ديناميكية، في التعبير، هي الخطاب. وتبعا لذلك، ينبغي أن يكون الخطاب، بمعناه الذي يختلف به عن الجملة: كل تفوه- أوتلفُّظ- يتحول إلى جدَلٍ يتضمن متكلمًا ومستقبلا، ولدى الأول منهما مقاصد يريد لها أن تنتقل بوساطة الكلام للآخرين انتقالا يحدث فيهم تأثيرا أو أثرًا - على الأقل - بطريقة ما، وقد يجري ذلك مشافهةً، أو تعاد كتابته مثلما تكتب المراسلات والمذكرات واليوميات والمسرحيات والدروس التعليمية. فالخطاب – على هذا الأساس – هو كل الأنواع من الكلم التي ينصرف إليها الإنسان بصفته متكلما، لينظِّمها في مقولة أو مقولات شخصية. وهذا يعني أنّ الخطاب لدى سارة ملز Mills شكل من الأداء الكلامي تنفتح فيه الذات – الأنا- على الآخرين. وقد ضربَ بنفنست مثلا، وهو نسق الحكايات التاريخية، فالمؤرخ يروي ما حدث اعتماداً على روايات أخرى، أو وثائق، ومدوَّنات، وعندما يتوقف المؤرخ فجأة حيال حادثة ما رواها ليعلق عليها، أو يفسر سبب حدوثها تفسيرًا، بعد أن انتهى منها في سرده المتتابع، فإنه يكون قد انتقل من الخطاب التاريخي إلى خطاب آخر، هو عِلْم التاريخ، أو فلسَفة التاريخ. لأنه في هاتيك التعليقات توقف عن الخطاب منتقلا لآخر يتصف بوجهة النظر، والمعتقداتُ، والقيم، التي تجعل من هذا المؤرخ مختلفًا عن غيره ممن روَوْا تلك الحوادث.
وأيا ما يكن الأمر فإن مصطلح " الخطاب" ذو معانٍ عدة تبعُا للسياق. ولهذا نجد ميشيل فوكو Foucault (1926- 1984) يُعرّفه تعريفًا مرنا، يستوعب ذلك كله، بزعمه أن الخطاب هو: الميدان العام لكل البيانات كافة. أي أن كل " التفوهات " و" النصوص " التي لها معنى، ولها بعض التأثير في العالم الواقعي، خطابٌ. وبسبب النقد الذي وجه لهذا التعريف جاءنا بتعريف آخر، يقول فيه" الخطاب هو مجموعة البيانات القابلة للتميُّز " ولكي تكون هذه البيانات قابلة للتميز، فلا بد لها من أن تكون منظمة بطريقة ما، ومترابطة، وقوية. وتبعا لهذا التعريف ظهرت استعمالات جديدة للكلمة، فقيل " خطابُ الأنوثة " و" خطابُ الإمبريالية ". وحتى هذا التعريف لم يكن كافيًا في رأي بعض المنتقدين، فجاءنا فوكو بتعريف ثالث، هو " الخطاب: كل ممارسة تفسرها مجموعة من البيانات " على أننا لو تأملنا هذه التعريفات، وجدناها على الصعيد العملي لا يختلف بعضها عن بعض، فهي في رأي سارة مِلْز كلُّ تعريف منها يبدو مكسوًا بالآخر.
وقد أضاف ميخائيل باختين Bakhtin إلى هذه التعريفات جديدًا، فهو يستعمل كلمة خطاب الروسية slovo للدلالة على الصوت، ولذا نجدهُ يصف بعض الخطابات بعبارة خطاب مزدوج الصوت. وقد تجلى هذا في نظريته عن تعدد الأصوات، والمبدأ الحواري في روايات دستويفسكي. ومن الممكن استعمال مصطلح الخطاب لنشير به لصوت من الأصوات داخل نص، وهذا ما يتكرر في أعمال باختين، ورولان بارط Barthes. أما في كتابات منظرين آخرين منهم بنفنست، فيُعد الخطاب تمثيلا للوقائع داخل نص، دون أن يتقيد المتكلم، أو الكاتب، بالتسلسل الزمني لها. ويذهب كل من يول، وبراون، في كتابهما " تحليل الخطاب " إلى أن الخطاب – في نظر النظام اللغوي- كل ما يمكن أن يتجاوز الجملة (البنية الصغرى) لذا يشكل الخطاب في رأيَيْهما نموذجا موسعا لنص تبرز فيه فاعلية ذلك النظام بوساطة الترابط، والاتساق.
 
الشكليون الروس
وإذا عدنا لإشارة بنفنست، وعلاقة الخطاب - من حيث هو مفهوم- باللسانيات، وتتبَّعنا مواقف اللغويين، وجدنا بينهم من يفرق بين اللسانيات النقدية، والنقد الألسني، على أساس أن اللسانيات النقدية هي البحث في ما يقع فيه اللسانيون من أخطاء في النظرية، أو في التطبيق، وهذا ما نجده في الكتاب الموسوم بعنوان اللغة بوصفها إيديولوجيا Language as Ideology لكل من هودج Hodge و كرسّ Kress (1993) في حين أن النقد الألسني يبحث في الخطاب الأدبي من وجهة النظر اللسانية، مشيرًا لتلك الخيارات، والاستعمالات، التي تمنح الأدب تلك الصفة. ولا بد - ها هنا - من التذكير بالمدرسة الشكليَّة الروسية، وتناولها لوظائف اللغة، ومنها الوظيفة الأدبية. وحديثها المتواصل عن الانزياح، أو الانحراف، أو العدول باللغة عن نظامها المثالي لنظام آخر يسمح بتضمين الخطاب ضروبا من المجازات، والاستعارة، والكنايات، وصورًا متخيلة، وموسيقى، ووزنا، وحبكة متقنة تخضع لمنطق النص السردي في الرواية، والحكاية، والأسطورة. وهذه التصورات، التي اغتنت بما أسهمت به حلقة براغ اللغوية، تنطلق من فكرة قديمة متجددة، وهي التي تقول: إن الأدب يمثل استعمالا خاصًّا بالأديب الشاعر، أو الناثر، للغة، ويمثل انتهاكا، وخرقا، لما تواضع عليه مستعملوها في غيره. وقد أطلق الشكليون، والبراغيون، ومن تأثروا بهم، ممن ساروا على هذا النهج في دراساتهم للخطابات الأدبية، أو لنقل، على هذه المزية التي تتباين فيها لغة الأدب عن لغة غيرهِ، مصطلح " الشعرية" Poetics. وقد تناول هذا المفهوم بالتوضيح كثيرون، منهم ياكوبسون، وتودوروف، وجوناثان كيللر.. ويمكن اختصار الأسُس التي تقوم عليها فكرة الشعرية باثنين، هما: الانزياح أو الانحراف عن المعيار deviation  ويسميه بعضهم عدولا، لأن المتكلم، أو الكاتب، يعدل عن طريقة في الكلام لطريقة أخرى، سواء أكان ذلك في المستوى الدلالي، واستعمال الوحدة المعجمية، لفظة كانت أم أداة، باللجوء للمجاز، أو الاستعارة، أم على مستوى التركيب النحوي، أو الصيغة من الصيغ الصرفية، أو أي طريقة أخرى تتَّبَع في لغة العلم. 
فهذا العدول، أو الانزياح، هو المكوِّنُ الجوهري في رأيهم للخطاب الأدبي، وهو معيار تميزه عن غيره مما لا نصيب فيه من الأدب، قلَّ أو كثر. ومن الأمثلة التي تتَّضح فيها هذه الانزياحات الآية الكريمة (واشتعل الرأس شيبا) فقد استعملت فيها كلمة اشتعل استعمالا غير معياري، فالاشتعالُ يكونُ للنار، ولكن الآية جعلت الاشتعال للشيب للدلالة على كثرة انتشاره في الرأس، وهذا مجاز لغوي يُصنفُ لدى البلاغيين بالاستعارة. وأسند الفعل في الآية لغير الفاعل الحقيقي من باب المجاز أيضًا، إذ ينبغي أنْ يقال في هذه الحال انتشر الشيب في الرأس، وجعل الفاعل الحقيقي، وهو الشيب، تمييزًا. وهذه الانحرافاتُ عن المعيار المتَّبع في لغة العلم- مثلا- أضفى على الآية لونًا من الإعجاز، والجمال الأسلوبي، الذي لا نجده فيها لو قيل: وانتشر الشيب في  الرأس انتشارًا شاملا. 
يقول أحد الشعراء في بيت ذكره عبد القاهر الجرجاني في " دلائل الإعجاز ": 
سالتْ عليه شعابُ الحيِّ حين دعا     
                           أنصــــارَهُ، بوجـــوهٍ كالدنانير 
فقد استعملت كلمة (سال) لغير ما يسيل، وهو الوجوه، والشعابُ لغير ما يُتدفَّق فيه، وعوملت معاملة الأودية، والوجوه شُبّهت بالدنانير دلالة على الإشراق. وقد قدم الظرف، وما تعلق به على كلمة وجوه، والترتيب يقتضي أن يقال: سالت عليه شعاب الحي بوجوه كالدنانير حين دعا أنصاره. وهذا كله أضفى على البيت صفة شعرية لا يخطئها النظر، ومثل هذا في الأدب كثير.
بيد أن هذا الرأي لم يسلم من تحفُّظ، وتردُّد، لدى بعض اللسانيِّين، وأتباع النقد الألسني. صحيح أن كتابة الأدب شعرًا، أو نثرا، بلغة دقيقة، نفعية كلغة العلم، تنأى به عن الشعرية، وتجعله باهتا فقيرًا خاليًا من البلاغة، والجماليات، ولا يختلف قطعًا عن المقال الصحفيّ الذي يتحدث فيه كاتبه عن انخفاض احتياطي البنوك من العملة الصعبة، أو عن ارتفاع معدَّلات التضخُّم، أو ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب الخريجين. ومع ذلك لا يُنكِرُ بعضُ اللسانيين خلوَّ الخطاب الأدبي- في كثير من الأحيان- من الانزياح، أو  المَجاز، ومثل هذه الخطابات لا ريْب في أنها من الأدب، فقول شوقي أمير الشعراء الآتي: 
والشعرُ إنْ لم يكن ذكرى، وعاطفةً،     
                              فإنــــما هــــو تقْطـــيعٌ وأوْزانُ 
قولٌ يخلو من المجاز، ومن الاسْتعارة، ويخلو من أيّ تمثيل، أو تشبيه، ومع ذلك يُحتَسبُ في الأدب. والواقع أن الكثير من النصوص، والخطابات، التي لا يشك في نسبتها للشعر، والأدب، تخلو من هذا الانزياح، فهذا بيت للمتنبي يذكرُ فيه حلبَ:
والمُسَمَّــــوْن بالأمــــــير كثـــيرٌ
                           والأمير الذي بها المأمــــــولُ 
وهذا أبو فراس الحَمْداني يقول في مطلع قصيدة له في الأسر: 
يا حســــرةً ما أكاد أحملـــها
                           آخــــرُها مزعــــجٌ، وأوَّلُـــها 
فمع أننا لا نجد في النموذجين مجازًا، ولا استعارة، ولا تقديمًا أو تأخيرًا، ولا انحرافًا عن المعيار، فإن قيمتهما الأدبية لا يحطُّ منها خلوهما من ذلك كله. وهما ينسبان لاثنين من كبار الشعراء، وعليه فإن بعض اللسانيين يرون أن المقياس المذكور – العدول، أو الانزياح- لا يكفي وحده لتحديد شعرية الخطاب، وأدبيَّته. لا سيما وأننا نجد مثل هذا العدول، أو الانزياح، في الخطابات غير الأدبية. وقد أشار إلى ذلك بعضُ القدماء عندما زعموا أن أكثر اللغة مَجاز، وأن المجاز إذا كثُر تداوله تحول إلى حقيقة. فها نحن نسمع، ونقرأ، ما يقال: (واتفق الوفدان على فتح صفحة جديدة بين البلدين، وطيِّ صفحة الخلافات). فاستعمال " الصفحة " ها هنا مجازٌ، ومع ذلك لا نصنف هذا القول في الأدب. ونقرأ أيضا قولهم: (وهذا التصريح صُرِّح به ذرًا للرماد في العيون، وحفظًا لماء الوجه). والأمثلة التي تشبه هذا أكثر من أنْ تعد، أو تحصى. وهي باتفاق لا تعد أدبًا مما يُرجِّحُ كفَّة الرأي القائل بعدم كفاية الانزياح وما يشبهه، ويشاكله، لوسم الخطاب بالطابع الأدبي.
وثاني الأسُس التي أشار لها اللسانيون هو الوظيفة، إذ يرى النقد الألسنيّ في " الجمالية " الوظيفة الأولى التي ينبغي لها أن تحتل مرتبة الصدارة في الخطاب الأدبيّ، وليس الوظيفة النفعية، ولا الدقة النحوية، والصرفية، والإملائية، فالدقة، والضبط، وسلامة النحو، والصرف، شروطٌ لا بد من توافرها في الخطاب، أيًا كان تصنيفه، فالمعياريَّة في الخطاب الأدبي، أي الكتابة بلغة دقيقةٍ كدقة العلم، تبتعدُ به مثلما قيل عن " الشعرية "وربما أدى به هذا النظمُ للانتساب لخطابٍ آخر كالخطاب العلمي، أو التعليمي، وهذا شيءٌ لا جديد فيه، إذ يستوي فيه النقد الألسُني وغيره. بيد أن هذا وحده لا يكفي لتحديد الغاية من الخطاب الأدبي. وربما كانت هذه هي الوظيفة الأولى لهذا الخطاب، فالمتلقي ما إن ينتهي من شعوره الطاغي بمتعة الخطاب الجميل حتى يتساءل ما الذي أراد أن يقوله هذا الأديب؟ ولكي يجيب عن هذا السؤال لا مندوحة له من ترك القشرة إلى ما تحتها، فالغوص في الخطاب يكشف عن حقيقة غفل عنها كثيرون، وهي كون الخطاب الأدبي خطابا متعدد الوجوه على الرغم من وحدة المظهر، فثمة خطاب مضمر داخل النسق، وهذا الخطاب المضمر عبر عن ذاته بطرائق غير مباشرة، وليس من المستبعد أن تضمر القصيدة خطابا سياسيا قد يكون ممالئا للسلطة أو معارضا لها حدَّ العداء، لا بل قد يكون الخطاب المضمر في القصيدة أوالقصة خطابا عنصريا أو دينيا أو اقتصاديا أو نسويا، فنحن قلما نقرأ قصة أو قصيدة أو رواية قراءة تقوم على الفهم والاستبطان، لا على الاستمتاع بجمالية اللغة، دون أن نحاول البحث عما يضمره الأديب وراء الكلمات، وما بين السطور والعبارات، لذا نعتقد أن النقد الألسني وقع في مأزق المبالغة في تركيزه على الجمالية، أو على ما يعرف بالانزياح، فالخطاب الأدبي خطاب بطبيعته القائمة على الترميز، والأداء غيرالمباشر، يتضمن في حقيقة تكوينه الصُلبة خطابًا آخر غير أدبي. 
 
* ناقد وأكاديمي من الأردن/ الجامعة الأردنية.