الـوَطـَـنْ الـذي يَـبـتـَـعـدْ (شهادة)

د. عـبـد الـقـادر حسـين ياسـين*

"آهٍ، من قـلـِّـة الـزَّاد، 
وبـُعـد السـَّــفــَر، 
ووحـشة الطريق"
عـلي بن أبي طـالـب
أجمع شتات المنافي والتشرد وأطرحها مما تبقى لي من أيام، فلا أرى أمامي في المرآة سوى وجـه يـعـصـف بـه الشـك... 
أرفع رأسي إلى السقف متسائلا لأرى قطرتين ،تنهـمران على خديّ كأنهما دمعـتان من السماء.. 
أحاول الآن أن أوقف الذاكرة على مشهـد ما، فـتـتـداخل الصور والأحداث، الدم والمطر، النساء والشظايا، النصوص والأصدقاء ، الصحافة والمنفى. 
فلا أدري من أين أبدأ..؟
كأن قـدري أن أعيش حياتي المتعثرة سلسلة مفارقات. 
وما الكـتابـة إلاّ مفارقـتها الأبهى والأصعـب.. 
ذلك أنها هي الحياة في أقصى دهـشـتـها وفـنـيـتـها ومفارقاتها، وهي لا تـتـمكن من ذلك إلا إذا استحالت إلى نبض حيٍّ للإنسان، تـُعـبـِّر عـن توقه وهواجسه وعـذاباته وأحلامه السِّرية، متصاعـداً بها إلى مصافِ الحسّ الإنساني - الإبداعي.. 
فالكاتب - كما أراه - جوّاب الآفاق ومـُدون الألم ،ومُستشرف الأمل ومـُلـتـقـط المفارقات، في مـُروره العابر والمـُجلجـل على رصيف الحياة..
فـفي تلك المعاناة والتجارب الحيـَّـة، وفي مفارقات الواقع ،يكمن جوهـر الكتابـة وسحـرهـا الحقـيقي وتحـديهـا ولـذتهـا وعـذابهـا، وكل هـذا يحتاج إلى مهارة غـير عادية لصهره وتمثله في اللغة، حيث يصبح للتماهي بين الواقـعي والغـرائبي ،
هذا السحر الأخّاذ الذي يشدّك إلى الاستكشاف والمعـرفة والتغـيـيـر، 
وهـنا تتجلى قوة الكـتـابـة وبهاؤهـا.. 
ولا يتأتى هـذا من القـراءة فـقـط ، رغم أهميتها الكبيرة، بل بالانغـمار والانغـماس في الحياة وتجربتها الباهـرة... 
كأن "من يتعـذب كثيرا يتعلم كثيراً" ـ كما يـقـول ايزوبAesop ، 
أو كأن "ما يـُعـذب حياتك يُعـذب كذلك أسلوبك في الكتابة" ،كما يرى غـوسـتاف فـلوبير أيضا..

أتوقـف قـليلا عـند بعض محطات سيرتي، فأراني كـاتـبـاً يتسكع في أصقاع السويد، متأبطا منفاه ونشيده الملتاع وسخريته المرّة..

كان دافع القراءة والكتابة بالنسبة لي يشبه دافع الحياة،أو دافع الحب أو دافع الشهيق والزفير، إنه - بكل بساطة - طبيعي ومـُعـقـد في آن، وكان لابد منه تحت أي ظرف كان..

واليوم أجـدني أسترجع تلك المسالك المهـولة، التي أخذت الكثير من أصدقائي، من إعـتـزل، أو اغـتـيـل، أو تـشـرّد، أو سـقـط... 
سائراً مع القـلة الذين واصلوا بالشظف والمـُكابدة،ذلك الطريق الأبهى، ماسكين بالجمرة أو الشـُعـلة إلى النهاية، كأنني أتـنهد تلك المقـولة الـخـالـدة لـعـلي بن أبي طـالـب : 
"آهٍ، من قـلة الزاد، وبـُعـد السفـر، ووحـشة الطريق"
وقد انطبعت تلك الأيام والصور المريرة في ذاكرتي، لأتعـلم منها أول الدروس وأقـساها: إن للكلمة مفعـولها السحري، لكن لها أثمانها الباهـظة..
          
لقد عـمل الـزعـمـاء الـعـرب ، 
والجـنـرالات وتـجـار الحروب وتجار السياسة والعقائد ، 
على تغـيـيـب الـوعي ، ومن ثم غـَيـَّـبـوا الإنسان ثم غـَيـَّـبـوا الوطن.. 
وهذا الغـياب المقصود هو الذي أطال في عـمر الدكتاتورية،
وأتمنى أن لا يتكرر هذا الغـياب ليطيل من عمر خرابنا وشـتاتنا.....
لـقـد آن الأوان لإشاعة مفاهيم الحـرية والوعي والاخـتلاف، وتـفـعـيـل النقاش وتنشيط الأسئلة القـلـقة ، حول كل ما مرَّ ويمرّ بنا، وكل ما يحيطنا، 
حول مشكلاتنا التاريخية والمعاصرة، حول موروثنا وحداثـتـنـا وإبداعـنا...
إن الإبداع الحـرّ هو الأكثر تعـبيراً والتزاماً بالإنسان، من مفاهيم الالتزام التي دوَّخـنا بها مـُنظرو الاشتراكية،والقـومية والرأسمالية.. كما أن النصّ المبدع ،
يحمل في نسيجه دائماً ديناميت الـتفجير والتغـيـيـر.
إن عـلينا أن نـُحـرر الأدب من الدكتاتوريات المتوارثة عليه، وإطلاق سراحه ليعيش حـُراً كما كان ، وعلينا أن نـقـف ضد القـمع والظلم أينما وُجـد وليس في بلادنا فـقـط، مثلما يغـضّ البعـض طرفهم عن الدكتاتوريات ، التي يعيشون في كـنفها وينقـدون دكتاتوريات في الدول الأخرى ، فـالظلم لا تجـزأ.... 
وعـلينا أن نقـف ضد كل عملية استغفال للجمهور ، وضد كل من يسعى إلى دفعه إلى مطحنة الحروب باسم الدين والوطن.

الثقافة العـربية مهددة من الداخل والخارج معاً، وهي معركة مستمرة ومتعـددة تـتـنـوع بين الاستبداد ،وحرية الفكر والتعبير والتعددية ، وسلطات التجهيل السائدة،التي هي سلاح من أسلحة الأنظمة الحاكمة، وهكذا دواليك .

إن واجب الكاتب الثوري الأصيل أن يناضل ضـد استلاب العـقـل،وغـياب الحريات... 
فاذا لم تتكاتف معه كل القوى الشريفة والمتنورة،التي تؤمن بقـيم الجمال والحرية والحق ،لمواجهة ثقافة الظلام التي تـشـيعها الأنظمة الدكتاتورية،
وأتباعها من القوى الظلامية، فإن أجيالا قادمة ستنهار وتنتكس وتعاني، 
وسيكون حكم التاريخ علينا جميعا بأننا قد تخلينا عن مسؤوليتنا.

 

* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.