الفلسطينيون والأدب المقارن

د.إبراهيم خليل*

  
على الرغم من أن مصطلح الأدب المقارن مصطلح إشكالي، تحيط الشبهات بمعناه، إذ يرى بعضهم فيه دراسة للأدب تتجاوز الحدود بين البلدان، أي أنها دراسة عابرة للثقافات، ومنهم من يرى أن الأدب المقارن هو الجمع بين كتابات ينتمي مؤلفوها لقوميات مختلفة، ويستعملون لغات مختلفة أيضًا، فدراسة طاغور الهندي ومقارنته بكاتب آخر- إنجليزي مثلا- لا تعد دراسة مقارنة كونهما يكتبان بلغة واحدة هي الإنجليزية، فيما يذهب آخرون إلى أن مثل هذه الدراسة قد تعد في الدراسات المقارنة. ويذهب فريق ثالث، ممن تغلب عليهم النظرة التاريخية، إلى وجوب البحث عن الأثر الذي تركه النص (أ) في النص (ب) حتى تدرج الدراسة حولهما في عداد الدراسات المقارنة، كالقول مثلا: إن الكوميديا الإلهية لدانتي، والبحث في تأثرها برسالة الغفران للمعري 449هـ، أو بقصة الإسراء والمعراج، دراسة أدبية مقارنة نموذجية؛ فرسالة الغفران يمكن إقامة الدليل على تأثيرها في الكوميديا الإلهية، ولكن دراسة أخرى تقوم على الكشف عن الأثر الذي تركته رسالة الغفران في رسالة " التوابع والزوابع " لابن شهيد الأندلسي426هـ أو العكس، لا تعد في الدراسات الأدبية المقارنة، فالكاتبان ينتميان لأرومة واحدة، ويستعملان لغة واحدة.
وأيًا ما يكن الأمر، فإن كتابًا من مثل " الفلسطينيون والأدب المقارن " (1) وهو من إعداد دة. فريال جبوري غزول- الأستاذة بالجامعة الأميركية في القاهرة- يثير اهتمامنا لغير سبب؛ فالكتاب يضم بين غلافيه فصولا أربعة، الأول منها لعز الدين المناصرة عن محمد روحي الخالدي، وكتابه " علم الأدب عند الإفرنج والعرب " 1904 وريادته (المزعومة) للدراسات المقارنة في الوطن العربي. والثاني، وله مؤلِّفان، أولهما فريال غزول، التي تتناول في الجزء الخاص بها إدوارد سعيد، وكتابه الموسوم بعنوان " العالم، النص، الناقد "(1983) في حين يتناول المناصرة عددًا من مؤلفات إدوارد سعيد المترجمة، كتأمّلات حول المنفى 2004 والاستشراق 1978 والثقافة والإمبريالية 1997 وفي الثالث نجد فصولا متعددة لمؤلفين لا يتضح أن لهم اهتماما كبيرا أو صغيرا بالأدب المقارن. فبعد المقدمة التي يتحدث فيها من لا نعرف من هو عن رسالة دكتوراه للمناصرة حديثا لا يطفئ ظمأ القارئ، ينتقل بنا الكتاب إلى عروض صحفية، وتقاريظ متكررة، لكتاب عز الدين المناصرة " النقد الثقافي المقارن – منظور جدَلي تفكيكي " ومما يلفت النظر، ويجذب الانتباه، في هذه العروض وقوف القاص جعفر العقيلي عند الفصل السابع منه، ومحتواه الذي يذكرنا بما في الفصل الأول من الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه في هذا المقال. فقد أورد المناصرة في ذلك الفصل رؤيته لمفاهيم الأدب المقارن لدى بعض رواده العرب؛ كالخالدي، والبستاني (سليمان) والحمْصي، مؤلف منهل الورّاد، ومحمد غنيمي هلال، صاحب كتاب " الأدب المقارن ".
وترجع أهمية هذه الجزئية من عرض العقيلي لكونها صورةً أخرى من الفصل الأول، وإن بدا لنا التركيز على الخالدي تركيزًا لا يخلو من بعْض التحَيُّز، فهو- أيْ: المناصرة- يضفي عليه من التقريظ أكثر مما يستحق، فيما يقلل من شأن الآخرين.. وفي الوقت الذي يُذكر فيه اسم كاتب هذا المقال في موضع بارز، يُهمل اسم كاتب المقال التالي، ويُكتفى بالإشارة إليه إشارة خجْلى (ص134) في الحاشية، وهذا لا يتسق مع بقية المقالات. وقد تبدو هذه المسألة شكلية، إلا أنها، مع ذلك، توحي بأن فصول الكتاب، ومقالاته، لُفِّقتْ على عَجَلٍ، من غير رويةٍ، ولا تدْبُّر. أما ما نُسب لحفناوي بَعْلي في هذه المقالة؛ فلا يقتصر على الأدب المقارن، لا من حيث النظرية، ولا من حيث التطبيق، وإنما هو (كشكول) يضمُّ في ثناياه ما لا صلة له بهذا الأدب، وما ليست له صلة بالأدب عامة. فهو يتحدث عن كون المناصرة شاعرًا ناقدأ. ويتناول شعرية الأمكنة في منجزه الإبداعي. وقد أسرف في الابتعاد عن الموضوع إلى الحد الذي يبسط فيه القول عن آراء المناصرة في الشعر الفلسطيني، وعن موقعه بين الشعراء من أمثال محمود درويش، وفدوى طوقان، ومريد البرغوثي .. بل إنه يتجاوز ذلك إلى تناول موضوع التراث في شعره، ويوغل في الابتعاد عن الموضوع عندما يُسرف في الحديث عن كتابه " إشكاليات قصيدة النثر ". وأوغل أكثر من ذي قبل في تناوله لكتاب المناصرة " الفن التشكيلي الفلسطيني " 1975 والمتأمِّلُ في ما كتبه حفناوي بعلي لا بد له من أن يُنكر على الدكتورة غزول هذا الخليط غير المتجانس، ولا المتناسب، في كتابٍ يحمل عنوان " الأدب المقارن ".
ومع أن الموقف لا يسمح لنا في هذا المقال بتتبُّع جل الدراسات، والفِصَل التي يتألف منها الفصل الثالث، وهو حريٌ أن يكون بابًا، لا فصلا – إلا أن الأمانة تقتضي الإشارة لما كتبته الجزائرية خديجة بن شرفي حول الطبعة الثانية من كتاب المناصرة عن " النقد الثقافي المقارن ". فالملاحظ على الكاتبة، من الجملة الأولى، أنها تتغَنّى بالمؤلف، وإنجازه في الشعر أولا، قبل الأدب المقارن. وأنه الأبُ الروحي الحقيقي (كذا) للحداثة الشعرية في الأردن منذ الستينات – لا يُعرف عن الكاتبة متابعتُها للشعر في الأردن فكيف اهتدت لهذا؟ -  وأنه مؤسِّسُ تقاليد القصيدة الحديثة فيه، علاوَةً على أنه " أحد كبار منظري الأدب المقارَن في الوطن العربي ".
ونحنُ لا ننكر على المناصرة هذه الأمْجاد، ولا ننْفي أنه من روّاد الحداثة الشعريّة، وقد أشرنا إلى ذلك في غير كتاب مما أَلَّفناه، غير أن المقال الذي يُفترض فيه الحد الأدنى من الموضوعية، والنزاهة المتجردة عن الهوى يبدأ– للأسَف- بهذه التصريحات المتلاحقة، المتراكمة، والأحكام الفاقعة، التي لا تسْتندُ إلى قرائن مادية ملموسة. ولعل القارئ العادي، ناهيك عن المتخصِّص، يتساءَل: إذا كان المناصرة هو الأب الروحي للحداثة الشعرية في الأردن فمن هو أبوها المادي؟ وثمة سؤال آخر: إلى أي حدٍّ يصدق عليه القول من حيث أنه من كبار منظري الأدب المقارن إذا كانت نظرية المقارنة نفسها مستعارة من الأدب الغربي الأوروبي؟ بدليل أن ما كتبه عن الخالدي والبستاني والحمصي وحتى إدوارد سعيد لا يُنكر فيه أنهم يدينون بما كتبوه، ونشروه، للنظرية الغربية، بشقيها الفرنسي والأمريكي؟ أما عرض الكاتبة خديجة بن شرفي للكتاب فاعتمد للأسف على كلمة غسان عبد الخالق المنشورة على الغلاف الأخير، وهي – كالعادة- تقريظ، وتذييل، غايتُهما الأساسية الثناء على المؤلف، وعلى الكتاب، وعدا ذلك لا نجد في تناول الكاتبة بن شرفي سوى التنقل من عنوان لآخر تنقلا سريعًا لا غَناءَ فيه، ولا تمْحيص.
 
حسام الخطيب 
ويتساءل القارئ عن الأسباب التي تدفع بالدكتورة غزول لتأخير الفصل الذي يتناول جهود الدكتور حسام الخطيب، مع أنه أوفر الأربعة آثارًا، وأكثرُهم شمولا، ووُضوحَ منهج. وقد يُذكرنا هذا الموقف بما أشارت إليه مقدمة الكتاب من مقارنين، فاكتفتْ من باب رفع العتب- مثلما يقال-  بذكر خليل الشيخ، ويوسف بكار، ومحمد شاهين، ذكرًا عابرًا، يشبه إضافة الواو لاسم عَمْرو، فهي إضافة لا معنى لها، ولا قيمة. وفي هذا الفصل نجد مقالا مستلا من كتاب لحفناوي بعلي صدر في إربد 2008 . ومن المعروف أن حفناوي هذا اقتبس قي كتابه مدخل إلى النقد الثقافي الكثير جدا من كتاب عز الدين المناصرة، وكتاب النقد الثقافي لعبدالله الغذامي دون إحالات، ودون عزو. مما تسبب في فضيحة مشهورة عند فوزه بجائزة الشيخ زايد للكتاب (2010) ثم سُحبت منه بعد إدانته بالسرقة، والاختلاس، والسَطْو. ولهذا نحسبُ أن ضم هذه المقالة للكتاب الصادر عام 2013 - أي بعد الفضيحة - كأنما يضفي الشرعية على(التلاصّ) ولكنَّ مُعدَّة الكتاب اقتصرت على ما يتصل منه بحسام الخطيب. بمعنى أن ما انتحله بعلي، أدرجته معدة الكتاب وكأنه مقالة منه عن حسام الخطيب، وجهوده. بيد أن الكاتب بعلي لم يقتصر على المقارنة، بل تناول ما كتبه الخطيب عن تطور الأدب الأوروبي، وما كتبه عن الثقافة والتربية في مواجهة الغزو، وما كتبه عن الأدب والتكنولوجيا، والنصّ المتشعب Hypertext وفي هذا كله خروجٌ عن مفاهيم المقارنة، والأدب المقارن، خلافا لمقالتي فؤاد عبد النبي، وعبيده عبود، القصيرتين. فهما تعرضان عرضًا صحفيًا سريعًا موجزًا لكتاب حسام الخطيب " آفاق الأدب المقارن ". غير أن الكتاب، الذي حظي بإعداد من د. فريال جبوري غزول، انتهى بملاحظة (ص221) يحار فيها القارئ حيرةً شديدة؛ إذ لا يُعلم إنْ كانت جزءًا من مقالة عبود، أم من الدكتورة غزول زيدتْ فيه، وحُمِلتْ عليه، أم هي من إضافاتِ كاتبٍ آخر. فالكاتب الذي قام بكتابتها يحمل حملة شعواء على حسام الخطيب كونه لا يشير في الباب الرابع من " آفاق الأدب المقارن " لكتاب المناصرة الذي سبق ذكره، ولا يذكره أيضًا في ثبَتِ المصادر والمراجع، ولم يشر لجهوده إلا مرةً واحدةً، واصفاً هذا الموقف من حسام الخطيب بـ " تجاهل العارف " تارةً، وطورًا بـ" الموقف التنافسي القائم بين الرجلين " ويعزوهُ لـ " اعتباراتٍ ذاتية مَحْضة " فــ " الحقيقة الموضوعية " (كذا) لا تجيز للخطيب أن يتجاهل الدكتور المناصرة بوصفه المقارن العربي البارز الذي يضْطلعُ بدور فعّال في الأدب المقارن ".
ومثل هذه الحملة على حسام الخطيب، وعلى كتابه، وجهوده، في الأدَب عمومًا، والمقارن خاصَّة، على ما فيه من إنصاف للمناصرة يبلغ حد التحيُّز، موقفٌ غير جدير بالتقدير، لا سيَّما وأن مُعدَّة الكتاب أساءَت للخطيب عندما سلطت الأضواء على الثلاثة الآخرين، فيما لم يحظ الخطيبُ منها إلا بالظلال. فمثلما تأخذ على الخطيب تجاهله للمناصرة، وكتابه في " النقد الثقافي المقارن "، يُؤخذ عليها أنها تجاهلت، بدورها، عددا ممن أسهموا في هذا الميدان، وأولهم محمد شاهين، صاحب تحولات الشوق، وتأثير ت. س. إليوت في بدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، وتجاهلت خليل الشيخ مؤلف باريس في الأدب العربي، ومؤلف ظاهرة الانتحار التي شملت عددا من الكتاب العالميين فضلا عن العرب، وتجاهلت دراسته المقارنة بين أمل دنقل وسيلفيا بلاث، وكتابه دوائر المقارنة، وتجاهلت الكثير مما كتبه يوسف بكار ومقارناته بين الأدبين العربي والفارسي، والترجمات المختلفة لشعر عمر الخيام، ولم تشر لأيّ من دراسات كاتب هذه الكلمات الذي تناول تأثير لوركا في شعر محمد القيسي، واثر تشيكوف في قصص محمود سيف الدين الإيراني، ومقارنته ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور برواية المخطوط القرمزي لأنطونيو غالا، وبرواية في ظلال الرمان للباكستاني طارق علي، ومقارنته قصيدة إبراهيم طوقان مصرع بلبل بحكاية أوسكار وايلد المشهورة "العندليب والوردة " ودراسته للأثر الإسباني والأندلسي في شعر محمود درويش، ودراسته عن مصرع لوركا، وتأثيره في الشعر العربي الحديث. إلخ .. وصدر له عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق كتاب أصداء إسبانية وأندلسية في الأدب العربي المعاصر، وهو مساهمة في الأدب المقارن(2000)، وصنَّف كتابا صدر عن دار مجدلاوي بعنوان " المثاقفة والمنهج في النقد الأدبي " وهو مساهمة في نقد النقد. 
ونحسبُ أن لها في عدم الاطلاع عذرًا، وفي التسرع والسهو ما نظنه غفلَةً لا تقصيرا.  
 
(صايل للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2013 (224ص)    
 
* ناقد وأكاديمي من الأردن/ الجامعة الأردنية.