الفيلم الألماني "نابولا قبل السقوط": النازية تخفق في تجديد شبابها

رسمي محاسنة*
 
فيلم "نابولا – قبل السقوط" للمخرج دينيس غانسيل يعود بنا إلى عام 1942، حيث النازية في أوج صعودها، وهي بحاجة دائما إلى من يجدد شبابها من الأطفال الصغار، فجاءت اكاديمية"نابولا" التي يقول عنها رئيسها في خطابه الموجه للطلاب المستجدين" الرجال هم من يصنعون التاريخ، ونحن هنا في "نابولا" نصنع الرجال"، ولذلك فان النخبة هم المستهدفون من أجل خلق جيل جديد يحمل الأفكار النازية، والحفاظ على العرق الاّري المتميز، ويخضع الطلاب لفحوصات وامتحانات صعبة، حتى ان الشكل ومقاسات الرأس والجمجمة لها اعتبارها في القبول بالأكاديمية.
 
الفيلم يقدم نموذجين من الطلاب، الأول لشاب ينتمي للطبقة العامة من الناس" فريدريش"، حيث يعمل والده في احد المصانع، كما انه يساعد العائلة بالأعمال اليدوية نظرا لقوته البدنية، اضافة إلى كون والده من المناهضين للفكر النازي، والثاني"البريش شتاين"، شاب ينتمي الى أسرة من نسيج الحكم النازي، حيث والده في مركز متقدم في الحزب، ورتبة عسكرية عالية، ويريد له والده ان يلتحق بالأكاديمية التي كانت حلما عنده في بداية حياته ولم يتمكن  من دخولها.
صائد المواهب المدرب" فوجلر" يتابع الشاب"فريدريش" في إحدى مباريات الملاكمة، ويرى فيه نموذجا يمكن ان يستفيد الحزب منه نظرا لقوته البدنية، فيطلب منه أن يتقدم بطلب للأكاديمية، وأنه سيرشحه للقبول، هذا الأمر الذي يجد صدى في نفس الشاب الذي يريد التخلص من وضع العائلة الفقيرة، والنزوح الى طبقة اخرى، وتحقيق احلامه بان يكون ذا شأن، ويبدع المخرج في رسم تلك الابتسامة الخبيثة على وجه الشاب البريء قبل ان ينقلب على افكار الحزب.
في الأكاديمية حيث النظام الصارم، والتدقيق في أبسط الأمور:النظافة والترتيب، والنوم المبكر، والكلام الممنوع بعد إطفاء الأضواء، الى جانب الأفكار التي يتم زرعها في الرؤوس الصغيرة،عن مفهوم التطور الذي يقوم على قاعدة ضرورة ابادة الجنس البشري الضعيف، لضمان بقاء الجنس الأقوى"، وما يرافق ذلك من امتهان للكرامة الانسانية للطلاب من خلال ذلك الطالب الذي لم يتحمل قسوة الأكاديمية وانعكس ذلك نفسياً عليه من خلال تبوله اللاإرادي على فراشه، وما لاقاه من صنوف الإهانة والاستهزاء من المدربين ومن بعض زملائه، فهم يريدون تحويلهم إلى جرد اّلات تدور في ترس الحزب النازي.
"فريدريش" الشاب القوي والملاكم" و" البريش" الشاب الحالم والرومانسي والذي يكتب القصائد، يمثلان وجهين مختلفين لما هو سائد في علاقات الأكاديمية، جمعت بينهما صداقة قوية، ونقاشات عاصفة، وجاءت لحظة التنوير من خلال حدثين اكتشفا فيهما كذب "المؤسسة" وذلك  عندما تم تشييع جثمان زميلهم الذي القى بنفسه على القنبلة لحماية زملائه ومات، وفي التابين تحدثوا عن شجاعته وبطولته وهو الشاب نفسه الذي جعلت منه الأكاديمية مسخرة أمام الجميع لانه كان يتبول لا إراديا. 
وجاءت نقطة الحسم عندما اخرجوا الطلاب للبحث عن جنود "روس" مسلحين وخطرين فروا من السجن في الغابة، وأمروا الطلاب بإطلاق النار عليهم ليتبين لاحقا أنهم مجرد أطفالروس لا يحملون سلاحا، فكان قرار الموت" احتجاجا" من قبل " البريش" الذي أغرق نفسه في البحيرة الجليدية في أثناء التدريب، ورفض"فريدريش" لأوامر المسؤولين في الكلية، الأمر الذي كلفه الطرد، فخرج منها  إلى الشارع، وكأن خروجه إيذان بمولد "ألمانيا الجديدة".
الفيلم عن انهيار القيم الزائفة، وتراكم الوعي والمواجهة، فالأكاديمية حاولت انتزاع البراءة وتحويل الشباب إلى آلات قتل، وعبادة الفرد أو الحزب، وتكريس الكذب. 
تظهر في الفيلم قوة الأداء عند الممثلين، والاعتناء بالتفاصيل، ومشاهد الأكاديمية" نابولا" حيث الألوان الباردة، والإيحاء بالعزلة والقسوة والجمود، والجدران السميكة والأسوار العالية، وإشارات النازية.
 
 
تعرض الفيلم  مترجماً الى العربية لجنة السينما في مؤسسة عبدالحميد شومان في السادسة والنصف مساء الثلاثاء 21 أيار/مايو .
 
 
* ناقد سينمائي من الأردن.