القط عازف بيانو

عبدالعزيز دياب*

واحد من اثنين، إما أن يقتل القط الذي يسكن البيت، أو يتخلص من "البيانو"، هذا صعب وذاك أصعب...

لم يعد يطيق شذوذ النغمات التي يُحْدِثْها القط أثناء سيره على أصابع البيانو، هي تفتح لأفكاره الموسيقية طريقًا للفرار دون رجعة، نغمات أشبه بتكدس خصاصات.. ألواح. كتل معدنية، أو أي شيء ينتمي للمعادن، بل هي ارتطام معدن بآخر، معدن ناعم بآخر خشن، أو معدن خشن بآخر خشن، أو معدن ناعم بآخر ناعم، هي ليست ضجة أفرزها عالم خيالي ميتافيزيقي بحت، إنما هي قريحة القط التي لا تنضج وتتقشر أوراقها، إلا بعد نوم الموسيقى صاحب الأصابع السحرية المرهفة بعزف نغمة ما قبل النوم، هي نفسها النغمة التي توقظ القط من النوم ليبدأ العمل، تزامن فطري عجيب ما بين نوم مؤلف موسيقى، وصحو قط.. هذا ينام وذلك يصحو. 
حفي بصاحب المؤلفات المبتكرة أن يرصد حركة القط، هي فكرة لا تقل عبقرية عن أفكاره الموسيقية، إذا فليشتر كاميرا، اكتشف أخيرًا وهو الموسيقى البارع أنه لا يمتلك كاميرا، كيف كانت تمضى رحلاته.. جولاته بدون كاميرا، حمدًا لله، أخيرًا اشترى كاميرا، يمكنه الآن أن يسجل محاولات القط العديدة في ضبط النغمة وهو يخطو على أصابع البيانو سريعًا.. بطيئًا، بطيئًا.. سريعًا، بطيئًا ويرتد بسرعة، سريعًا ويرتد ببطء، يحاول أن يستخلص نغمة تليق بالمكان، بالبيت.. بأذن صاحب المؤلفات المبتكرة، حفي بالكاميرا أن تسجل الآن، فقد عزف الموسيقِى نغمة ما قبل النوم، واستيقظ القط ليبدأ محاولاته الحثيثة لصقل قريحته.
النغمة التي ينتجها القط لن تكون خالصة من أول مرة، أو ثاني مرة، أو.... ، أول مرة: سيقذف القط بالحديد، على النحاس، على الصاج.
ثاني مرة: سيدخل القط بعمود النحاس في جدار من زجاج. 
ثالث مرة: تتخبط مواعين البيت بفعل قوى خفية، بالأحرى هي وقع مخالب القط على أصابع الآلة الموسيقية.
أخيرًا وبعد إرهاق، أخيرًا وبعد توتر، أخيرًا وبعد إزعاج صارت النغمة خالصة، نغمة وقع أقدام القط على أصابع البيانو، هذا ليس قطًا هذا جني على هيئة قط.
أزاح الموسيقى الفريد غليونه عن إحكام شفتيه، ارتدى ملابسه الرسمية: البدلة.. الببيونة، هبط إلى باحة البيت، انحنى أمام القط انحناءة صادقة، اعترف بمهارة القط الفذة، ألبسه بدلة سمراء وقمصًا أبيض، وببيونة حمراء، صعد مرة أخرى، وضع رأسه على الوسادة الخالية، نام قرير العين بلا إرهاق، أو توتر، أو إزعاج.
لم يدم الأمر طويلا، إذ أنه ذات ليلة استيقظ على عزف عبقري.. متوهج.. متجانس، كونشورتو يعمل في يسر، هبط إلى باحة البيت فوجد القط بنفس بالزي نفسه: البدلة السمراء.. القميص الأبيض.. الببيونة الحمراء، يضرب بكل حماس وحكمة وفنية أصابع البيانو، فيما اصطفت وراءه جوقة من قطط بالزي ذاته، يعزفون على آلات عديدة مقطوعة مدهشة، ما زال حتى هذه اللحظة يبحث عن مؤلفها.
 
* قاص من مصر.