الكـمُّونْ

Printer-friendly versionSend to friend

منصف القرطبي*

 
استيقظتُ مفزوعا، وخُيِّلَ إليّ أن أمي ترفع يد المهراس إلى الأعلى تطحنُ الكمُّون البلدي على رقعة الـمهراس : دُقْ دُقْ دُقْ...أسمعُ صوت ارتطام المهراس بسقف البيت الذي أنام في ركنه الركين. أمّي تـحسّ بالعياء؛ فتهدأ قليلا لتعيد الطحن بحماسة أكبر. وأنا في الطابق السفلي لا أنام، أتبخّر. وصوت المهراس : دُقْ دُقْ دُقْ. أتشمم رائحة تشبه الكـمُّونْ تفوح قادمة من الطابق الثاني، وأحاول أن أغمض عيني مرسلا الغطاء على جسدي من الرأس إلى أخمص القدمين. دُقْ دُقْ دُقْ. تزداد حدّة الصوت، ترتفع، تعلو، تخترق قلبي، تزعـجنـي؛ وأضرب الحائط بيديّ ورأسي، رافعا رجلي إلى الأعلى كديك طُهِيَ ووُضِعَ على صـحن. أصعد الدرج إلى الطابق الثاني كـي...وأرى أمّي ترفع يد الـمهراس إلى الأعلى وتخبط الكمون بلا هوادة : دُقْ دُقْ دُقْ. أقترب منها، أدنو. أقبّل رأسها وأمسح بعينيّ رقعة الـمهراس: خاوٍ وفارغٌ، لا كـمّونْ فيه، لا أعشاب، لاشيء؛ فلماذا تخبط وتطحن؟ وما الشيء الذي تريد أمّي أن تستنشق رائحته وتشمه؟ 
قلت :
-وَمِّــي لْـمْهْرَاسْ خَاوِي مَافِيهْ لَا كْـمُّونْ لَا وَالُو؟ ومْـخَلْيَانِـي بْلَا نْعَاسْ؟
تنظر إليّ وتضع يد المهراس أرضا : 
- تَّا هُوَ لْـكُمـُّونْ مَبْغِيتِيشْ تْعِيقْ؟ رَاهْ جُوجْ النّْـهَارْ هَدِي يَلْكْنْسْ لْكَـامُونـِي، يـَخّْ جيلْ بلا نْفْسْ !
من يومها وأنا أشم رائحة الكّــمُّـونْ تنبعث منّي كلما تجاوزت الساعة العاشرة صباحا دون أن أستيقظ وأنهض من... الفراش!
 
* كاتب من المغرب.