اللوحة القصصية عند إسماعيل البويحياوي
محمد معتصم*
يقترح علينا القاص المغربي إسماعيل البويحياوي في مجموعته "ندف الروح" تجنيساً جديداً
يقترح علينا القاص المغربي إسماعيل البويحياوي في مجموعته "ندف الروح" تجنيساً جديداً
يضاف إلى التجنيس المتعدد والمتنوع المختلف الذي رصدناه حتى اليوم عند كتاب القصة، من قبيل؛ القصة، والقصة القصيرة، والأقصوصة، والقصة القصيرة جدا، والقص..جدا، والنص القصصي، والمتواليات القصصية، أما تجنيس إسماعيل البويحياوي فهو: "قصصي القصيرة جدا" الوارد في الصفحة (26) ومثبت على الغلاف الأول، وهو ما يدل على أنه اختيار واع له دلالة يروم القاص إيصالها إلى القراء وجمهور كتاب "القصة القصيرة" وخاصة كتاب "القصة القصيرة جدا".
استعمل القاص تجنيسا آخر مثل "القُصَيْصَةُ" في الصفحتين (20) و(24) و"قُصَيْصَاتٌ" ص (15)، وكذلك "تَخْيِيلٌ ذَاتِيٌّ" و"حْوِيجَاتْ" قصيرة جدا" في هامش الصفحة (20).
ما الجديد في تجنيس إسماعيل البويحياوي؟.
الجديد يتمثل في "ياء النسب"، فالقصص القصيرة جدا التي يتضمنها الكتاب، ليست تجميعا لقصيصات متفرقة لا خيط ناظم بينها ، كما هو شائع، بل هي حبات عقيق منتظمة في خيط سيرة القاص. بذلك يكون مقترح إسماعيل البويحياوي يندرج ضمن كتابة السيرة الذاتية، أو التخييل الذاتي ضمن الخطاب السردي القصير جدا، عكس الذي اعتاد القارئ قراءته ضمن الخطابات السردية الطويلة.
إن مجموعة "ندف الروح" لصاحبها إسماعيل بويحياوي خطاب سردي سير ذاتي وهي كذلك، وهذا هو الأقرب إلى الصواب، خطاب تخييل ذاتي يتكوم من "لوحات قصصية" قصيرة جدا لنص سردي طويل مسترسل؛ إنها لوحات منفصلة ومتصلة في آن، يصل بينها المحكي الذاتي (القاص والشخصية القصصية والسارد صوت واحد) ويفصل بينها غياب الترتيب الزماني وتسلسله الكرونولوجي. فقد اعتمد القاص على السجية، ما يقع أمامه من وقائع ومواقف ووضعيات وحالات يكتبه (يدونه ويسجله ويقيده) حتى لا يفلت منه، ويدل على ذلك عدم اهتمام القاص وهو يجمع "لوحاته القصصية" –ربما عن قصد- بتتابع المعينات الزمانية والمكانية، مثلا يكتب عن لقائه بـ "فاطمة" سنة 1982م بثانوية عبد الكريم الخطابي في الصفحة (50)، ويكتب عن لحظة زمانية سابقة على ذلك في الصفحة (52) عندما عاد فرحا بجوائزه المدرسية سنة 1974م، ثم يكتب في الصفحة (55) عن الغارة الإسرائيلية على تونس سنة 1985م في هجوم سافر على منظمة التحرير الفلسطينية، التي خلفت دمارا وقتلى واستياء عارما في نفوس الشعوب العربية التي أحست بأنها بلا حماية وفي العراء.
هي قصص قصيرة جدا من التخييل الذاتي، انتقى فيها القاص "لوحات قصصية" من ذاكرته نعتقد أنها تشكل لحظات هامة في تكوين شخصيته، أو أنها تشكل موقفا لديه، أو لحظات تاريخية واجتماعية وسياسية مشتركة كان لها تأثير كبير على مسار القاص وجيله.
تتميز "اللوحات القصصية" بحجمها القصير جدا ، والذي لا يتجاوز الفقرة والفقرتين، مع استغلال بياض الصفحة، وتشكيله بصريا بتقطيع الجمل، وتفتيت الكلمة إلى حروف متدرجة حتى التناهي في الصغر أو الامِّحَاءِ والتَّلَاشِي، ويتم توسيع النص بإضافة "هوامش" للشرح، والتوضيح خاصة الألفاظ "الدارجة" المحلية.
تقوم "الدارجة" المحلية المغربية بوظيفة "تهجين" الجملة السردية، لكنها تؤدي كذلك وظيفة أخرى تتمثل في ربط النص المتخيل بجغرافيته وثقافته المحلية، وقد أدى ذلك إلى تأرجح النص بين "المحكي الشفهي" و"المحكي الثقافي"، يستند الأول إلى السماع والمتداول ويستند الثاني على التصور النظري لمفهوم القصة القصيرة جدا كاختيار أجناسي ارتآه القاص قالبا، وقناة عبرها يوصل مواقفه وأفكاره وتصوره الخاص للنص القصصي القصير.
نستنتج أن "القصة القصيرة جدا" لدى إسماعيل البويحياوي خطاب سردي قصير جدا، لا يتجاوز الفقرة والفقرتين، لا يعتمدُ الخَطِّيَّةَ ويميل إلى التشكيل البصري لبياض الصفحة كما فعلت القصيدة "الكاليغرافية" لدى الشعراء الغربيين والمغاربة الذين سبقوه، ويزاوج بين اللسان الفصيح واللسان الدارج بما يقتضيه الحال والمقام، ولا عيب في تذييل المتن بهوامش للشرح والتوضيح لتدليل الفهم وتبليغ المقصود، ورغم قصر حجم النص إيقونيا إلا أنه "عالم" واسع وعميق "يتخيل" الواقع ويصهره في بوتقة اللغة، والحلم، والوعي، الكاتب (القاص) قوي الحضور، والسارد مشارك كذلك، وللخطاب السردي القصير جدا موضوعات غير محدودة، وإمكانيات للسرد متنوعة، قد تكون "اللوحات القصصية" منفصلة تشكل كونها الخاص المستقل، أو أنها تتضافر لتشكل سلسلة متواصلة في تقطع وتدرج غير خطيين.
من الموضوعات التي اشتغل عليها القاص إسماعيل البويحياوي في مجموعته "ندف الروح": التحديد الجغرافي (المعينات المكانية اللسانية وغير اللسانية)، التحديد الزماني (المعينات الزمانية اللسانية وغير اللسانية)، مواقف سياسية وأحداث اجتماعية وسياسية محلية وعربية، مواقف ومشاهد طريفة، وصف لوضعيات اجتماعية، تدوين بعض ألعاب الطفولة (قد اندثر بعضها)، بداية الشعور بالذات وإدراك الرغبة الجنسية.
أرى أن مجموعة "ندف الروح" اجتهدت لتضيف ملمحا جديدا لظاهرة النص "القصصي القصير جدا" في المغرب، ولتثريه وتطرحه مجددا أمام النقد للتحليل، والدراسة واستغوار خفاياه واستكشاف طاقاته الدفينه وإمكانياته البليغة في التعبير عن الذات وقضاياها وعن المحيط الخارجي وشواغله. إنها من المجموعات القليلة التي استطاعة أن تتخلص من شوائب المحكيات القصيرة التي قلنا عنها سابقا مكملات وهوامش غير مستقلة بذاتها، وأنها نتوء في سرد طويل.
ـ إسماعيل البويحياوي؛ ندف الروح. قصصي القصيرة جدا. منشورات التنوخي، الرباط. 2011
* ناقد من المغرب.
