الليلة نمشي بين الماء والرمل

Printer-friendly versionSend to friend
محمود الريماوي*
 
ـ 1ـ
قلت : يارب، هل إن كل ما يتمنى المرء لا يدركه ، في هذه الفانية الى الأبد ؟
بل اجعل يا رب ، لابنك الطفل ، الآن وغدا، وفي سن الكبر وأرذل العمر ، مركبة طويلة · وبفيض قدرتك ، لا تفسح في ذاكرته مكانا لغير الماء··
يا رب الأبد · يا رب الأزل .
 
ـ 2ـ
ـ ها اننا وصلنا ·
ـ المشي على البحر جميل جداً ·
ـ تجيء كثيراً  الى هنا ؟
ـ نذهب دائماً الى الحديقة.
ـ الحديقة قريبة من البحر ·
ـ لكنا نبقى هناك دائماً .
كانت عيناه تتوامضان  بالفضول والبهجة ، وبدا وجهه صبوحا وهو يدير طرفه الى الماء ·
كانت راحته الطرية الصغيرة  تملأ راحتي بالدفء· والصمت والكلام بيننا يتواقتان .
ـ هل تعرف أن تعوم ؟
ـ لا أعرف · هل تعرف أنت ؟
ـ لم أتعلم بعد · سأضع شيئاً على وجهي عندما أغوص·
ـ تغوص ·· لماذا ·· الماء تحت ..
ـ انني لا أبقى هناك ، أغوص ثم أخرج ·
ـ الماء تحت البحر مظلم  · 
ـ ليس مظلما عندما أضع ذلك الشيء على وجهي . 
ـ وتحت الماء صخور وأسماك كبيرة ، هل تعرف؟
ـ رأيتهم يغوصون ويخرجون  ·  
ـ أين رأيتهم ؟
ـ ألم ترهم ؟
ـ لم أرهم ·
ـ يظهرون في برنامج التلفزيون  .
ـ أنا لا أرى التلفزيون .
ـ ألم تر المركبة الطويلة ؟
ـ لم أرها .
ـ مركبة طويلة وسريعة جداً  تشق الماء نصفين.·
ـ وتحب أن تركبها ؟
ـ ليست مثل هذه . ·
قال ذلك وهو يتجه بعينيه الى نهاية المنحدر ، حيث كان رجلان يشتغلان على تهيئة قارب خشبي ·
ـ المركبة تغرق عندما تكون سريعة جداً  ·
ـ عندما تغرق يقفز الكابتن ويعوم  ·  
أفلتت يده مني تلك اللحظة ، فالتقطتها وكان يجب أن أدعها قليلاً ، وضعطت عليها من جديد·
ـ اذا سألتك أين تذهب المركبة ، هل تعرف ؟
ـ ترجع الى الشاطئ ·
ـ وقبل أن ترجع ؟
ـ تظل في البحر ، لأنه بعيد جداً ·
ـ وتظل أنت فيها ؟
ـ عندما أنعس أنام ·
ـ السائق لا ينام  · 
ـ عندما ينعس ينام وتمشي المركبة  .
ـ كيف تمشي والسائق نائم ؟
ـ انها تمشي وحدها ، رأيتها في التلفزيون .
ـ وإذا نمت من يوقظك في الصباح ؟
ـ ·· صوت الماء قوي جداً ·
 
ـ 3 ـ
لم يكن صوت الماء عنيفاً  الى جانبنا · كان ينسرح خفيفا رائقا ، ذات أمسية صيفية مترعة بالنداوة ، وعلى سطحة تبرق أضواء الشارع  النحاسية الباهرة  ·
هو نهر ، لكن الطفل يقول عنه بحر · ومن قرارة النهر العميق، كانت تنبعث دقات وانية تنتظم في الصمت الذي انتشر علينا · صمت شامل متسع  يلعب به الهواء الهفهاف· لكنه صمت ثابت نظيف  كأنما يكتفي بنفسه · بينما أقدامنا توقّع على العشب، النابض بالبلل والطراوة الخافتة  ·
كنت قد أنست في نفسي رغبة في المشي أكثر، الا أن الطفل شعر ببرودة· وعرفت اذ بدأ صدره ينهج ببطء ، ان بعض التعب أدركه ، فمسحت على شعره، خافقي مفعم بألفة وحنان نحوه · وقلت لنفسي: لنتوقف بعض الوقت · واقتعدنا الأرض الخضراء · جلس على الأرض المعشبة لصقي ، فأحطته بذراعي · كانت السماء فوقنا صافية شاسعة، وأمامنا النهر عريض هائل · وشعرت بدفئه القريب مني  يغمرني ، شديد العذوبة، وكأني في حضرة حلم ·بينما كان النهر هادئاً ·· هادئاً حتى الجبروت ، وكأني اذا ما أمعنت النظر فيه سينزع مني والى الأبد ، الماضي الذي عشت فيه ·
سألت الطفل : هل نرجع الى البيت ؟ فغمغم وهو مطرق الرأس : ليس الآن · فلم نرجع ؟
وكان البيت بعيداً عن النهر ، يقبع مكافحاً وسط بيوت متلاصقة منتظمة، وشديدة التشابه · بيوت عديدة أقاموها في ظاهر المدينة ، بحيث تُفتح نوافذها إما على البيوت الملاصقة، أو إلى الجهة الأخرى على أرض فسيحة : مُتربة وخلاء · ولم يكن يحِدّ البيوت واحدها عن الآخر ، سور أو باب خارجي أو حديقة أو بضع حديقة · وكان على الطفل أن يقضي الوقت (الوقت الضيق الذي بين المدرسة ·· والمدرسة) بين الجدار الواطئ والمائل وجدار البناية·· على السلم ( الدرج) اللولبي يلهو مع أولاد الجيران  · 
ثم ألقى برأسه على حضني وعرفت أنه سيغفو، فغفا · وثنى ساقيه إلى صدره، متخذاً وضع الجنين، وكأنما ينسحب من خطر مقبل· و بدا في ذلك كتلة رقيقة ضعيفة مستسلمة، وراقبت وجهه فكان متشحاً بالأسى، كأنه يحمل في ضميره عبئاً ما· فقلت لنفسي: لأكن رقيباً على نفسي، ولا أترك قيادها، حتى لا أجدني بغتة أزيح رأسه عني وأمضي بعيداً عن النهر العميق، إلى قلب المدينة الجياش·
وإذ آذنت الشمس بالغروب، أغمضت للحظات، وأغلقت المجلة باليد الأخرى، وقلت: يا رب، خذ بيد طفلك· خذ بيد أحلامه الطاهرة، وأشواقه الأخرى البيضاء· ودعه ينهض ويكبر ويصبح رجلاً· ولا تنسه يا رب، صغيراً على بابك الواسع الكبير·
وإذا ما أطل القارب المضيء، يداعب صدر الماء الأخضر ورأيت الرجلين يجدّفان بيسر ودربة، قلت : يا رب، سدد خطى ابنك صوب الميناء القريب· واجعل له من لدنك وبـ دالّتك، مركبة طويلة· يسوقها الطفل بسرعة شديدة جداً، حتى تثير قلبه الضجة المائية· مركبة يسوقها الطفل المقدام في كل وقت· في ضوء نجمة الصباح الأولى، أو في غبش الظهيرة الفتان، أو في هدأة القمر الساحر·
وعدت من جديد أتملى النهر في وحدتي الليلية· كان النهر رخياً، لكنه عميق وله دويّ سري، كأنه يجمع بين الصوت والصدى في اللحظة الواحدة· وقلت لنفسي وقد بدأ يغشاني خوف: إني إذا ما أمعنت النظر، في صفحة الماء وما تحتها، فإن النهر لا بد يسلبني كل الماضي الذي لي· ويجعلني أقف عارياً مكشوفاً، أمام طفولة بعيدة مكسورة· طفولة شائخة أيضاً، يمر الزمن من بين أقدامها ويتبدد، وهي واقفة أبداً· وقلت··
 
ـ 4 ـ
فيما كنت أحاول أن أدفع عني الشعور بالبُعد والهجران أحنيت رأسي· لم نكن، أنا والطفل، بعيدين عن الشارع الرئيسي حيث تحتشد السابلة، لكنننا وحدنا في ذلك المكان·
وبينما كان الطفل سادراً في نومه سمعت على البعد صوتاً يقترب منّي، ترافقه جلبة ذات إيقاع رتيب· ثم لاح جسم ضئيل ، وشرع يدنو مني لاهثاً· حتى إذا أصبح على مرمى نظري القريب، رأيت صبياً ناحلاً خائفاً ملتاعاً· فقلت لنفسي: ثمة من أضاعه في الطريق، فجاء يلجأ إليّ · وقف يحدّق بي، بدل أن أحدّق أنا فيه·
فسألته على نيّة أن أثير فيه الجرأة على البوح (هل تفتش عن أحد؟) وكأنه لم يسمع، فلم أعرف كيف كان وقع كلامي عليه، لكنه بدا وكأنه نادم على مجيئه · ثم نظر إلى الطفل النائم، وأنعم النظر، كما لو أنه يحاول أن يتذكّر شخصاً يعرفه · فتملكني انشداه، ولم أعرف كيف أفكّر، وقلت لنفسي: من جمع الأطفال بين يديّ هذه الساعة؟ فأجاب (الناس الذين عرفتهم ، لم يكن بينهم أهلي)· وسألني إن كنا لوحدنا فأجبته أننا راجعان إلى البيت، وأني سأرجع مع الطفل إلى بيته· سمع ذلك واستغرق، وغامت عيناه (لا أعرف ولا أتذكر مكاناً أذهب إليه)· قال ذلك بصوت خفيض يتقاسمه اليأس والشجن، دون أن ينتظر رداً مني، وكأنه يخاطب بدلاً مني، كائناً مجهولاً· قلت : هل أعطيك شيئاً؟ فلم يختلج وجهه "لا تعطني شيئاً"  لاذ بالصمت· قلت: "هل أنك تعيش وحيداً؟" فلم يوقظه سؤالي، لكنه أجاب: "لم أعش إلاّ وحيداً"·
وراودتني رغبة طموح في التعرف إليه أكثر فقلت "إذن فإنك تشتغل"· فصوب عينيه عليّ بدقة ومضت هنيهات قبل أن يقول " لكنك تراني صغيراً··"·
( كنت قد التفت لبرهة، إلى الطفل النائم على حضني، كان قد ذهب بعيداً في قرارة النوم، وبدا وجهه يشف عن مسرة غامضة· فقلت : يا رب· لتكن له باسم مشيئتك، مركبة طويلة، حتى يشق البحر بلهفة طفلية بهية· بثقة الأمير، والعاشق المغرور· وبكل ما يملأ قلب الكون، من بركة وسعد وشكران)·
ثم نظر إلى الطفل النائم، وأخذ ينقّل عينيه، بيني وبين الطفل، حتى قال: (إنه شبيهك) فقلت: "بعض الشيء· ربما"· ثم تمطى وتثاءب، وأطلق صوتاً لم أتبينه، وأقعى قربي· "إنك تشعر بالتعب" فقال: "لأنني أمشي" وتوقعت أن يسألني إن كان الطفل النائم قد مشى من وقت، فقلت: "إنه نوم التعب"· وبعد ذلك، فجأة خبط الأرض بكعب حذائه المتآكل وهو يقول: "هل تسكت وأتكلم أنا"· وكان وقت قد مضى، وأنا متوقف عن الكلام، فاشتعلت عيناه وتبسم· لكن لم يلبث أن اكتأب وانكسرت أهدابه· " بعد أن صار عمري سنتين فقدت الوالدين· ولذلك لا أعرفهما، وصعب أن أتذكرهما، أرى في الشارع رجلاً فأفكر أنه أبي، والمرأة أمي· وإذا اقتربت يبتعدون قبل أن أسأل· وما زلت أخطئ وأفعل، لكني في آخر لحظة أزوغ، ولا أسأل· وأكيد ، ومهما حصل، سأتوقف عن هذه الطريقة . كنت التحقت بمدرسة داخلية، وبعد سنة فيها، هربت وتخلّصت منها، لأنها ضغط· وبدل أن أتعلّم القراءة والكتابة، أو أتعلّم صنعة،· تعلّمت أن أظل ساكتاً· وقد اعتدت من ذلك اليوم، أن أعيش في الجوع والتشريد، والآن لا أعرف أحداً· وحين ينتهي النهار، لا أعرف ماذا أفعل· فمن الممكن أن يفعل الواحد أي شيء في النهار، أما في الليل فإنها مشكلة· وكثيراً، دائماً، أتمنى أن أبكي· ولا أبكي، ولا أقدر··"·
ولم أقدر أن أصدقه، ولم أتكلّم· بقيت ساهماً لابثاً في الصمت لأجل أن يتكلّم هو· وتوقعت أن يستيقظ الطفل على الصوت، لكنه لحسن الحظ كان منصرفاً الى النوم .
"أقضي الوقت في التفتيش عن رجال ونساء، متأخرين في العمر، فلا بد أنهما الآن كذلك، مثل الأجداد وبي الشوق لأن ألعب · هل تفهم؟ فأنا أحب الأطفال كثيراً جداً، وكأن كل واحد فيهم، شقيقتي وصديقي، لكنهم في البيوت أو المدارس، أو يخرجون مع أهلهم"·
توقف قليلاً، ليرمقني بنظرة طويلة ، أحببت أن أفهم منها رجاءه:أن أفهم ولا أتكلم ·
" لماذا مثلاً لا يفتشون عني هم· هل جاؤوا بي ليطردوني ويفقدوني؟ لقد صرت أخاف أن أسأل أحداً"·
كانت أنفاسي قد ضاقت ، وغالبت دموعي رغم ثقتي أنها لن تخرج· كنت قد دخلت في حالة سكون، شبيهة بجمود حجر يقف جنبي وحيداً· وصرت أنقّل نظري بين الصبي الوافد الغريب والحجر الواقف القديم، فاكتشفت أن لهما ملمساً واحداً· ملمس الكائن المغلق، تحكمه دائرة ضيقة واحدة، فيدور ويدور ولا يخرج من نفسه·
" لم ألعب مع طفل في المدرسة· كأننا كنا نخاف من بعضنا، لا أعرف كيف·· فهل انتهى وقت اللعب قبل أن أكبر؟ أخاف قبل أن أصبح رجلاً، أن يقتلني أحد بالخطأ، أن يقتلني رجل بالخطأ· أنت لن تقتلني ولا أخاف منك"·
لم أصدقه· وقلت لنفسي: إنه يتمتع بذكاء لا يليق إلاّ برجل ·
ولم أستطع أن أخفي ذلك، فقلت: "من علمك الكلام؟ ‘نك تتحدّث مثل رجل"· فانقبض وأشاح بوجهه "لكني ما زلت صغيراً كما ترى"· ولم أصدقه· فقلت لنفسي: أنه يخيفني، وأريد الخلاص منه· وبدا لي الأمر شائكاً، فقلت وقد أفسد الحزن قلبي: "ما الذي جاء بك إلينا؟" فسمعني وأخذ يطلق أصواتاً عالية متشنجة، ويضرب بيديه على أعلى ساقيه "أنتما جئتما قبلي· إني أجيء في كل يوم" · عند ذلك انسحب ودفن رأسه بين راحتيه، لقد أصيب بعناء شديد، ولقد تأخرنا في العودة· واتجه بعينيه إلى منحدر مجاور مظلم· منحدر مشجر زلق مظلم· ثم سكنت عيناه، وانطفأ اختلاج وجهه ونهض· وبدأت صورته تتراجع وتتقطّع، وتختلط بالعتمة، تحف بها أصداء لها صرير مخنوق، ولما أدرت وجهي لأتبين آخر ما يبقى منه، شهقت بحرقة· كان عناء شديد قد ضرب رأسي، بصداع حاد، وقد تحللت أعضائي، كمن يخرج من تجربة جسدية مضنية ناقصة· وراودتني الرغبة اللهيفة ــ بدل الحركة الصعبة غير المواتية ــ في نوم عميق ·
 
ـ 5 ـ
استيقظ الطفل من نومه ذاهلاً، ليبادرني: (لقد أخفتني· أين نحن ؟)· ولم يكن النطق متيسراً، لأن حنجرتي مبحوحة، بسبب الجفاف الشديد في فمي، كانت الأشياء حولنا، رغم الليل، تتخذ وضوحاً مقيماً صارماً، ومبتوراً عني، كانت الأشياء حولي في الليل الأسود  تتخذ وضوحاً مفرغاً ساكناً  لا يتنفس، لكنه شديد الهشاشة والفراغة، فقلت لنفسي: هذه ليست ليلتي، لأن وضوح الأشياء حولي، كان يثقب كل صمت ويصفع أية نأمة، صحو الأشياء حولي،  كان عارياً وشجياً، ويحيط بالذاكرة حتى يسطو على ما فيها.
 وقال الطفل وهو يفرك أجفانه، ثم يطوّح بذراعيه في الهواء "النوم في المركبة أجمل مئة مرة".
استدرتُ تاركاً النهر وراء ظهري، ففعل الطفل مثلي، وقد سلّمني يده، وهو ينوء بعبء يجلل وجهه بالسكينة· وبدأت أحثّ الخطى، وأتعثّر لأني كنت بين وقت آخر أغمض عيني، لأضغط على ذاكرتي، حتى أمنع الصور الدائرية الطافية· حتى أمنعها لآخر مرة، وأبدّدها وأسوّيها، بينما الطفل قد استكان، وأقدامه الصغيرة تنهب طريق الرجوع إلى أفق فسيح مُترب · ولم أستطع الكلام مع الطفل الذي يهيم في عالم الماء المركبات( القوارب)، ولم أعرف كيف أبدأ الحديث مع نفسي فضاق قلبي، حتى تولّاني غيظ عظيم، فقلت: يا أيها الرب العظيم، ما دام لا ماء لا فيض ولا طوفان هناك، فاجعلها رملاً خالصاً · وبغامر قدرتك، لا تفسح في ذاكرتي مكاناً لغير الرمل.
 
القاهرة 1972
 
* أديب وإعلامي من الأردن.