المتخيل الروائي في "خاتون بغداد": بين اللغة السردية والتوثيق التاريخي

Printer-friendly versionSend to friend
د. إبراهيم خليل*
 
ينبغي للتاريخ ألا يتجاوز، بحضوره في الرواية، الحدودَ التي تسمح للكاتب بالتركيز، واستبعاد التفاصيل التي توشك أنْ تورط الروائي بما لا تحمد عقباه، علاوةً على أنَّ الكاتبَ ينْبغي له ألا يلتزم بالمدوّنات التاريخية التزامًا كاملا، وحرفيًا، فذلك التزامٌ محفوفٌ بالمخَاطر، وكلما كان الكاتب بعيدًا من حيث الزمنُ عن الحقبَةِ التاريخيّة التي تبْنى عليها الرواية، ازداد قبول القارئ بما يُروى، وحَسُن تلقيه له، لكوْن الحوادث بعيدةً في الماضي، مما يتسعُ مَعَهُ هــــــامش التخييل، وتجاوزُ البعد الوثائقي. أمّا الشخصياتُ، فلا ينبغي للكاتبِ أنْ يرْكن فيها للنماذج النمَطيّة، لأنَّ التاريخ بطبيعته تراكماتٌ منْ حوادث، ومتواليَاتٍ، متغيّرة. وما من ريب في أنَّ المفاصل الزمنية مهمَّة في الرواية التاريخية، وكذلك الأمْكنة، التي ينبغي لها أنْ تبْدو في صورةٍ كتلك التي يتذكّرها القارئ الملمّ بالتاريخ، بشرط أنْ يُحافظ المؤلفُ على دقّة المقاييس في الزمان، والمَكان. وعلى الرغم من حرية الروائي في تفسيره للحوادث، وقراءَته للتاريخ، إلا أنّ هذه الحرية مشروطة أيْضًا، بما لا يبدو فيه التفسير مفروضًا على التاريخ قَسْرًا، أو مُقحمًا على الحوادث بصفةٍ مفتعلةٍ تحملُ في ثناياها أحكامًا إيديولوجيّة مُسْبقة، فهذا لونٌ من الكتابة سرعانَ ما يدفع بالقارئ لمواجَهَةٍ صارمَة مَعَ المؤلف.
ومن الإخفاقات الفنية التي تعْرض لكاتب الرواية التاريخية تصديه لمعالجة الحوادث مُباشرة، والنظر للموضوع بوصفه إعادة كتابة للتاريخ، والوقوع في الاسْتطراد، والحشْو، الذي تمليه، في العادة، ضرورة التقيُّد الحرفي بالحوادث، وتسلْسُلها الزمني، وهذه التساؤلاتٌ ضرورية لمن أراد الوقوف على علاقة الرواية بالتاريخ مثلما تتجلى في رواية خاتون بغداد لشاكر نوري.
فخاتون بغداد هو عنوان الرواية الأخيرة للكاتب (من العراق) بعد رواياته: نافذة العنكبوت(2000) ونزوة الموتى(2004) وكلاب جلجامش(2008) والمنطقة الخضراء (2009) وشامان (2011) ومجانين بوكا (2012) وجحيم الراهب (2015) والرواية الجديدة صدرت عن دار كتّاب Publishing في العام الحالي 2017 وهي رواية تروي بأناة، وتؤدة، ما جرى في العراق منذ الحرب العالمية الأولى 1914 حتى الاحتلال الأمريكي لبغداد في 9 إبريل (نيسان) 2003 برصده لحياة الآنسة غيرترود بيل Gertrude Bell  الإنجليزية التي عاشت بين 1868 و1926 ونهضت – اعتمادا على وظيفتها بصفتها السكرتيرة الشرقية للمندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس الذي عُهد إليه بإدارة شؤون العراق بعد سقوط بغداد ورحيل خليل باشا آخر الولاة العثمانيين- بدور مهم في تاريخ العراق الحديث لا ينكره المؤرخون، ولا السياسيون .
ومن يقرأ الرواية يلاحظ بوضوح سعي الكاتب لإضفاء طابع الشخصية الروائية على مسّ بيل Bell على الرغم من أنها شخصية حقيقية وليست من اختراع الكاتب، أو ابتكاره. فقد عدل عن التوثيق التاريخي الذي يتخلل الرواية عبر تكرار الأسماء، والتأريخ للوقائع بذكر اليوم والشهر والسنة، إلى إطلاق العنان لخيالات الراوي، الذي طفق يرسم لنا صورًا لتلك المرأة، واستقبال العراقيّين، والعراقيات لها، والدهشة تملأ عيونهم، فهم يرون لأول مرة امرأة في غاية الحسن ترتدي بقدميها حذاءً بكعب عال يزيدها طولا، ويضفي على قوامِها المزيد من الرشاقة، وتصدُر عنه إيقاعات منتظمة، وهي تتنقَّل من مكان لآخر، على هذا الرصيف أو ذاك. أما شعْرها الأشقر الذهبي، وبشرتها البيضاء الرقراقة التي تذكّرهم بلون الطباشير(كذا)، فيثيران شهوة العراقيين الذين لا يعرفون إلا النساء بالأحْجبة، والأردية السود الكالحة، وأما النساء فيتلصَّصْن من ثقوب الأبواب، وشقوق الشناشيل، لرؤيتها وهُنَّ يحاصرن ضحكاتهن، وقهقهاتهن.
 
الراوي العليم
وقد اتكأ شاكر نوري على الراوي العليم تارة، وعلى المسّ بيل نفسها تارة، في ذكره للكثير من المتواليات السردية. فهي موضوعٌ يهتم به الراوي حينًا، وراوٍ يصدر عنه فعل القصّ حينًا آخر. واللجوء إلى هذا النوع من " التقْنيات " السردية مرده إلى حقيقة يدركها القارئ بلا ريب، فالاعتماد على الراوي العليم يختصُّ بالأحداث التاريخية، والوقائع التي تكاد تكون شبه معروفة لدى القارئ الذي لا يجهل مجريات هذه الحقبة من تاريخ العراق، بينما يكون الاعتماد على الراوي " المتكلِّم " فيما يختص بالحوادث التي تتعلق بها هي، أي مس بيل Bell وبعالمها الخاصّ، كعلاقتها بوالديها في لندن، وعلاقتها بهنري الذي كادتْ تقترن به قبل أنْ يغرق في بحيرة (لار) شديدة  البرودة، أو علاقتها بالضابط ريتشارد الذي لقي هو الآخر حتفه في معركة مع الأتراك، ولم يتحْ لها في الحالين أنْ تحقق ما كانت تحلم به من زواج يسْعدها فيما تبقى لها من أيام العُمْر، أو ما يختص بعلاقتها مع أحد الضباط المتزوِّجين. كذلك تروي بنفسها بعض الحوادث التي كان لها فيها الدور الأكبر، كتولية فيصل الأول (1883- 1933) عرش العراق، وما لقيته من اعتراض بعض الضباط الإنجليز، وعلى رأسِهم لورنس Lawrence  (1888- 1935).
 
أسلوب الاعتراف
وقد لجأ الكاتب في بعض مفاصل الرواية إلى ما يشبه الاعتراف، فالإنجليزية غيرترود بيل Bell تقابل فيصل الأول بعد أن طرده الفرنسيون من دمشق، وكانت انطباعاتها عن تلك المقابلة جيدة، مما جعلها وفقا لاعترافاتها ترشح تعيينه ملكا على العراق بحماسة شديدة. والأسباب التي تدفعها لذلك كثيرة، ففيصل الأول، عدا عن شخصيته المهيبة، المحبَّبة، ينتمي لأسرة عريقة، يمكن للعراقيِّين أن يدينوا لها بالولاء، على الرغم مما جُبلوا عليه من عُنْجهيةٍ وعِناد. لكن المعترضين على هذا كانوا كثيرين، سواء من العراقيين، أو من عساكر الإنجليز. وقد أفرط الكاتب نوري في التركيز على هذه الحوادث التي انتهت بتتويج فيصل الأول ملكًا، وإنشاء المتحف العراقي، ثم إنشاء المكتبة الوطنية، والكثير من المجالس، والمؤسَّسات الدستورية التي تضْمنُ سيْرورة المملكة.
 
قصص العشق
وفي غمرة هذه الأحداث، ذات الطابع التاريخي الخالِص، يسلط المؤلف الضوء على قصَص العشق، وعلى ما جرى في العام 2003 ببغداد، وعلى التغيير الذي جاء به الغزو الأمريكي من تطرُّف، وعُنف، ومن تجييش طائفي، ومن إرهاب، ومن توطيد للجريمة، مستخدمًا شخصية فرديناندو الأجنبي القادم إلى بغداد للتحقيق في مآل المكتبة الوطنية، والمتحف العراقي، وآثاره، وهذا بالفعل ما يدهشنا، ويرسخ الانطباع عن تحرر الكاتب من هيمنة التاريخ الوقائعي الخالص. فقد التقى هذا الأجنبي عراقيًا اسمه (أبو سقراط) وعددًا من الشخصيات الغضبى من الاحتلال الأمريكي، ومن تردي الأوضاع في بغداد، وهم يلتقون عادة في حانة تسمى حانة الرافدين، هي البار الوحيد الذي بقي في العاصمة من غير تفجير. وفي الحوارات التي تتكرَّرُ في هذه الحانة يجري الربط بين الاحتلالين الإنجليزي لبغداد عام 1917 والأمريكي عام 2003 وتتواتر المشاهد التي عُني بها شاكر نوري للكشف عن أنَّ الاحتلاليْن – وإن كانا في مطلق الأحوال اعتداءً سافرًا على العراق الذي قدَّم للعالم أول تجربة للكتابة، وأول مدوَّنة للشرائع والقوانين (شريعة حمورابي) وأول ملحمة تذكرنا بطوفان نوح (جلجامش) فإنَّ الاحتلال الأمريكي لا يخلو من حماقةٍ، وجُنون، أغرق العراق في العنف، ودفع به في نفقٍ مظلمٍ لا يُعرف مُنتهاه، في حين أن الاحتلال الإنجليزي- على الرغم من أنه احْتلال – كان المحتلون فيه أكثر ذكاءً، فمن خلال النموذج الراقي – غيرترود بيل Bell- فَهِمَ الإنجليزُ العراقيّينَ، وحاولوا التعاملَ معهم – على الأقل- بطريقة متحضِّرة، تراعي ثقافتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، ومزيجهم العِرْقي، والديني، والمذهبي، والثقافي، ولقد أحبّ العراقيون مِسّ بيل Bell، وأحبتْهُم، والدليل على هذا أنها تردَّدت في السفر إلى لندن حين أحسَّتْ بدنوِّ أجلها، ورحيلها عن عالمنا إلى العالم الآخر، وفضَّلتْ الوفاةَ (أو الانتحار وَفْق بعْض الاسْتنتاجات) في بغداد، وأنْ تدفنَ فيها إلى جانب من دُفنوا من الإنجليز.
 
المَحْكيّ التاريخيّ
وعلى الرغم مما يَطغى على رواية شاكر نوري من التخْييل الروائي (الكاذب) الذي يتخلى فيه عن التوثيق، فقد ظلَّ، في المُجمَل، والأعمّ، والأرْجَح، صادقًا، أمينا لمَحْكيِّهِ التاريخي، فقد استعان على هذا بالرجوع لمصادر منها ما كتبته مس بيل Bell من مذكَّرات، وما صنفتْه من مؤلفات عن العراق، وتاريخه، وآثاره، وهي مؤلفاتٌ تُرجم بعضها للعربية، وفيها مزيجٌ أنيقٌ من التاريخ والأدب، أحد هذه الكتب بعنوان" عربُ بلاد ما بين النهرين " وآخر بعنوان" الصحراءُ والثلج" وثالث بعنوان" صُورٌ فارسيّة " و" قصائد لحافظِ الشيرازي" و" قصْرُ الأخيْضر" و"مراسلاتُ مسّ بيل " وأخيرًا " العراقُ في رسائل مسّ بيل " الذي ترجمُه عن  الإنجليزية جعفر الخياط. 
 
لغة السَرْد المُسنَّنة
ولا بدَّ لنا، قبل أن نختتم هذه المقالة القصيرة عن خاتون بغداد، من التنويه لأداء شاكر نوري اللُغوي، ذلك لأنَّ الكثير مما نقرؤه من روايات يعاني من الركاكة، والمزيد من الأخطاء، التي تشملُ إلى جانب النحو، الإملاءَ، مما يُشعِرنا بأنَّ الكثيرَ ممّن يوصفون بالروائيين هم متطفِّلون على هذا الفن، وأدعياء، ينبغي تحذيرُ القرّاء منهم، ومن سوء أعمالهم. فشاكر نوري يوازن بين اللغة السردية، والموقف الذي يرويه، فإذا كان الأمْر متعلِّقا بما ترويه مس بيل Bell عن علاقاتها العاطفية ببعض الرجال (هنري، أو ريتشارد) ترقُّ لغتهُ، وتشفُّ، حتى لتكادُ تصْبحُ شعرًا. وعندما يروي ما جرى في المتحف، عشية الاحتلال الأمريكي على لسان أبي سقراط، نجد اللغة تخشُنُ، وتتحَوَّل إلى لغةٍ سوقية مبتذلة، جارحة، وفظة، ومسنَّنة، يقول أبو سُقراط مخاطبًا فرناندو" حشد من غوغاء الضواحي جاءوا، وتوغلوا داخل المكتبة الوطنية. جرى النهب أولا برصانة، وفطْنةٍ، وتدبير. وبسرعة خارقة وفوضوية وسفيهة وَوَقِحة: أطفالٌ ونساءٌ وشبابٌ وكهول قاموا بسرقة الكتُب، تجولوا في المكتبة كأنهم يختارون مشترياتهم في أحد الأسواق. والعجيبُ، أنَّ موجات الناهبين كانوا يعرفون أمكنة المخطوطات النادرة، والأكثر ندرَةً، فسارعوا إلى حملها، والركض بها عبر الأزقة، والطُرُقات، إلى مكانٍ مجهول". 
ويقشعرّ بَدَنُ القارئ لدى وصْف الراوي، من منظور المسّ بيل Bell، مشاهدَ يقوم فيها بعض الشبان من أتباع المذهب الشيعي، بممارسة طقوس (التطْبير) أيْ: ضرب رؤوسهم الحليقة بالسيوف، والسلاسِل الحديديّة، حتى تسقط جلدة الرأس، ويزداد النزيفُ زيادة تغمُرُ الوُجوه بالقاني من الدم، وهذه المشاهد التي رُويتْ بلغة مُسنَّنة – بلا أدنى مبالغة- تدفعُ بها للقول بعفوية، وتلقائية " يا إلهي! لم أرَ صورة كهذهِ من قبل، أبدًا. توحُّشٌ لا مثيلَ له ". وهو المشهد نفسُه الذي استنكرهُ فيصلُ الأول، إلى جانب المسّ بيل، وقد زاد إنكارُها هذا المشهد حين قيلَ لها: إنَّ هؤلاء يقومون بهذه الطقوس ندمًا على مقتل زعيمِهمْ، وتكفيرًا عن ذنْب اقترفوه بخذلانهم له قبل أكثر من ألف وثلاثمئةِ عام. والأنكى من ذلك والأمرّ ما سمعته الإنجليزية من الحاجّ ناجي " هؤلاء المساكين لا يضربون رؤوسَهُم بالسيوف فقط، بل يحملون خُمْسَ أموالِهم إلى الأئمّة ". 
صفوة القول أنَّ هذه الرواية "خاتون بغداد" رواية تاريخيّة، بَيْدَ أنَّها، خلافًا لكثيرٍ من الروايات التاريخيَّة، تروي لنا الحاضر الذي نعيشُ فيه، وكأنه ماضٍ جرى قبْل مائة عام. في بناء فني لا تعْوزُه الموازنة بين اللغة السردية الروائية، ولغة المؤرخ، ولا القدرة على إضفاء الطابع الروائي على شخصيّات حقيقية عرفها الناس في ذلك الزمن كشخصية غيرترود بيل، وفيصل الأول، وآخرين. 
 
* ناقد وأكاديمي من الأردن ، والمقال عن " القدس العربي".