المربوط

Printer-friendly versionSend to friend
مريم أبو سفيان*
 
هو حفار قبور من نوع فريد، أربعيني فارع القوام عريض المنكبين، ينسدل شعره الأشعث الكث على كتفيه و يكاد يحجب ملامح وجهه التي تبدو غليظة ومتنافرة للوهلة الأولى، لكنك ما إن تدقق النظرحتى تشعر بوسامة دقيقة خفية تحتاج إلى توضيب فقط . بشرته حنطية لكحتها سنوات الحفر بلا طائل. تراه دائما مرتديا سروال جينز أزرق باهت اللون،  وقميصا فاقع البياض لا يليق بمن يعفره تراب الموت وبؤسه عند كل عملية دفن، وحول عنقه ربطة من حبل مفتول، كأنه سيقدم على شنق نفسه في أي لحظة .
  قد يبدو مخبولا أو مهبولا لكن لا شيء يثبت أنه مجنون، لا يكلم الناس إلا رمزا ولا أحد يعرف له أصلا أو مفصلا  .. كيف حط بالبلدة ؟ بل متى؟ لا أحد يدري كأنه هنا منذ الأزل، أو منذ وجد ذاك الجبل الذي يأوي إليه، لا يعرفون له من اسم غير الذي لقبوه به "المربوط" نسبة إلى ذلك الحبل المشنقة حول عنقه الذي يرون فيه محاولة انتحار مؤجلة، بينما هو يرى فيه وجهة نظروموقفا لمن ألقي به مكتوفا في اليم، وقيل له اختر النجاة ، آخر شيء يمكن أن يفكر فيه هو وضع حد لحياته، فالموت رفيقه الذي يحمله دائما في جبته لا حاجة لأن يكونه لكي لا يكون"المربوط" متخصصاً في دفن جثامين لا تأتي إليه، بل هو من يسعى إليها ، كما أنه لا يحفر قبورا في الأرض بل في السماء. ما عاد جوف الأرض يستوعب الموتى الذين يتقاطرون عليه، فلا ضير من استغلال الفضاء وحفر الهواء. 
يطوي دروب المدينة طولا وعرضا عند الهزيع الأخير من الليل، يتحسس بأذنين قطيتين هسهسة كلمة في النزع الأخير، يتجه صوبهاـ يلقف آخر شهقة لها، يضعها في صندوق خشبي صغير ثم يمضي في موكب مهيب رأسا إلى الجبل، يرتقي مسالكه نحو أعلى نقطة وهو يتمتم بنَفَس لاهث "المشهد هناك لمن يريد أن يراه". ما إن يصل إلى القمة حتى يضع الصندوق الصغير برفق جانبا، يستل فأسه من الكيس، ثم يبدأ عملية الحفر ضربة هنا وضربة هناك في الهباء بعضلات مشدودة متوردة، يأخذ منه الجهد مأخذا ويرشح جبينه عرقا، ورغم ذلك يواصل  الحفر في الهواء بعزم أكيد. ما أسهل أن تدفن جثة إنسان، وما أشق أن تدفن رفات كلمة .لا أحد يحفل لموت كلمة، لا أحد يفكر في تشييعها إلى مثواها الأخير، الكل ينشغل بالخوض ومضغ الموجود، ولا أحد يفكر في رميم الحروف، أو إعادة صياغة الوجود. هو وحده يتحمل ما تنوء به الجبال .هو المربوط الى غربته .
بعد مضي ساعة تقريبا من الحفر يلقي بالفأس. يمسح جبينه. ينحني يحمل أشلاء الكلمة بين يديه لا حاجة لتغسيلها، أو لفّها في خرقة تواري سوءتها ما دامت ستنتقل إلى النهار.
 يظل متسمرا في مكانه إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الأسود من الفجر ، وينادي المنادي "حي على النور" حينها يفرد قبضة يده ويلوح بالكلمة في السماء، مرددا أبياتا يحفظها منذ بلغ الحلم  وذاق مرارة الموت :
" كل نجم نهيم به يختفي
كل غيم نواعده لا يفي
وهوانا بأوجاعنا يشتفي 
هكذا ننطفي "
يتنفس الصبح فيعود "المربوط" أدراجه خليّ البال صافي الذهن، وهو متيقن أنه بعد شهر أو شهرين أو ربما دقيقة أو دقيقتين ستدور الرياح دورتها، وستتنزل الكلمة غيثا، وتستقر حروفها في عمق الطين لتخرج بعثا جديدا إلى حين. 
 
* كاتبة من المغرب/ بني ملال.