النموذج الغائب في دوائر الخليل الشِّعريَّة الخمس (مقاربات تحليلية واستدراكات على نموذج الخليل ودائرته العروضية الغائبة)

مهدي نصير*
 
يُشير الدكتور كمال أبو ديب في بحثه الشيِّق والكثيف والجديد في طروحاته " في البُنية الإيقاعية للشِّعر العربي: نحو بديل جذري لعروض الخليل " إلى أن المعضلة الكبرى التي واجهت الخليل في اتساق وانتظام نموذجه النظري في عروض الشِّعر العربي كان في تشكيل البحر السريع، وفي اضطراره لاختلاق تفعيلة شاذة ووتد ثانٍ سمَّاه الخليل " الوتد المفروق ".
اقترح الدكتور كمال أبو ديب نموذجاً بديلاً لنموذج دوائر الخليل الخمس ،وبحورها الستة عشرَ بحراً عبر اقتراحه تحليل هذه الدوائر، وتوسعتها رياضياً من خلال ثلاثة نوى إيقاعية هي ( فا ، علن ، علتن ) مع العلم أن هذه النُّوى هي نوى خليلية :( فالنواة فا هي السبب الخفيف والنواة علن هي الوتد المجموع والنواة علتن هي سبب ثقيل + سبب خفيف ) واستطاع نموذج النوى الثلاثة تفسير، وتشكيل بحور الخليل الستة عشر وتفسير بعض الظواهر العروضية، ولم يستطع تفسير أمور كثيرة أخرى في الفاعلية الشعرية العربية الفعلية المتحقِّقة، وفتح أفقاً خطيَّاً جديداً لعروض الشِّعر العربي.
ربَّما كان هناكَ قُصور في تقييم نموذج الخليل الرياضي، حيث تمَّ الابتعاد عبر التنظيرات المدرسية التي سادت الدراسات العروضية عن المُكوِّن النظريِّ المُجرَّد لدائرة الخليل الكبرى، واستبدالها بالدوائر الجزئية الخمسة فقط، والتي تمَّ تأبيدها وتصنيمها من أتباع الخليل اللذين اعتبروها دوائر الشِّعر العربي النهائية والمغلقة، وما وقع خارجها فهو ليس من شعر العرب كما عبَّر الزجَّاج في سخريةٍ لاذعة في كتابه عن عروض الخليل، مع أن هذه الدوائر الخمس في حقيقتها لا تمثِّل إلا تطبيقاً جزئياً لنموذج يتضمن عدداً لا نهائياً من الدوائر الشعرية الجزئية.
لقد تم تغييب الإطار النظري الحقيقي والعميق لنموذج الخليل اللانهائي في تشكيلاته الممكنة، وتمَّ حبسه في دوائر خمسٍ، وتم إغراق هذا النموذج بتنظيرات مدرسية من أتباع الخليل وفقهائه التابعين من كالزجَّاج والزمخشري وغيرهم ممن كتبوا في تقعيد علم العروض الخليلي، وانشغلوا بمعارك وهميةٍ حول البحر السادس عشر، وهل هو خليليٌّ أم أخفشيٌّ، وأغرقوا كتاباتهم بالزحافات والعلل وتسمياتها وأحوالها ومواقع حدوثها وحُسنها وقُبحها، وتحت هذا الردم الكثيف قاموا بدفن النموذج الحقيقي لدائرة الخليل الشعرية الكبرى، وإنجازه الذي لا يُضاهيه إنجاز وقاموا بتصنيم الخليل ومشروعه الرياضي الذي كان نموذجاً أوَّلياً غيرَ ناجزٍ وغيرَ مكتملٍ، ولم يقوموا بالعمل من بَعْده على تطويره وتلافي نقاط ضعفه، واستكمال الملفات التي لم يستكملها الخليل في حياته.
ما يدفعني للقول إن هذه التنظيرات البائسة لم تأخذ جوهر مفهوم الخليل للدوائر وحركتها وخصوبتها، ولم تقرأ كيف بناها الخليل نظرياً وكيف يُمكن أن تكون هذه الدوائر مولِّدةً للتشكيلات الشعريَّة ومفسِّرةً لها وكيف تعمل هذه الدوائر اللانهائية على تطوير اللغة والشِّعر ومواكبة حيويّته المتجدِّدة هو أن كتاب الخليل في العروض، وكذلك كتاب الأخفش  لم يصلا إلينا وأن ما وصلنا هو رواياتٌ تُروى عن الخليل من أتباعهِ، وليس ما كتبه وصاغه الخليل فعلاً.
ربَّما كان الهوس بالأنساق والكليَّات هو ما أجهضَ النموذج المفتوح للدائرة ، وتمَّ ذلك الإجهاض على يد الخليل أوَّلاً بمحدِّداته النظرية القابلة للتعديل، والتي أدَّت لحذف بعض التفعيلات، وبعض التشكيلات الايقاعية من نموذجه مع أنها تفعيلات وتشكيلات حقيقية وردت في الشِّعر العربي المتحقِّق: فلماذا الإصرار على أن مفاعلن هي زحاف مرَّةً لمفاعلتن ومرَّةً لمفاعيلن؟ مع أنها تفعيلة حقيقية تتشكَّل من وتدين مجموعين بدون أسباب ، وهذا يصطدم مع مقولة أساسية للخليل بعدم السماح باجتماع وتدين في تفعيلةٍ واحدةٍ، لذلك قام الخليل باستبعادها وحافظ على المؤسِّس النظري في نموذجه ، مع أن تعديل هذا المؤسِّس لا يُدخل النموذج في تناقضات يصعب التعامل معها \ ثُمَّ لماذا العنت والقسر المرهق في اعتبار التفعيلة الأخيرة في الوافر زحاف وعلَّة لمفاعلتن: بعدَ عصْب الخامس المتحرك بها، ومن ثمَّ حذف السبب الخفيف الأخير لتصبح فعولن، مع أنها تفعيلة حقيقية ومعترف بها من الخليل ضمن تفعيلاته الثمانية، ويمكن أيضاً توليد هذا التشكيل ببساطة من الدائرة الكبرى للخليل بتحريك تفعيلتين سباعيتين مع تفعيلة خماسية ؟!.
في محاولةٍ لإعادة تشكيل النموذج ومحاولة إعادة إنتاج ما قام به الخليل في تكوين نموذجه وتشكيلاته اللانهائية، سأحاول هنا إعادة بناء النموذج النظري من لبناته الأولى، والتأسيسيَّة مستنداً على مقولات الخليل الأولى، والأساسية والتي لا خلاف على نسبتها للخليل ونموذجه وكما يلي:
1. اللبنة الأولى هي ما سمَّاها الخليل: الأسباب والمستندة إلى طبيعة المقاطع الصوتية في العربية، وهي أصغر الأصوات المبهمة وغير المُنتجة لدلالة وقسَّمها إلى سببين: سبب خفيف وهو حرف متحرِّك يليه حرف ساكن ( فا ) وسبب ثقيل وهو حرفان متحركان متتاليان ( فَعَ ).
2. اللبنة الثانية هي ما سمَّاها الخليل: الأوتاد، والمستندة إلى ثلاثة حروف تشكِّل الصوت الأصغر المُنتج لدلالة، وأتصوَّر أن الخليل بدأ بما سمَّاه الوتد المجموع أوَّلاً وهو يتشكَّل من حرفين متحركين وحرف ساكن يليهما ويأخذ الصيغة( علن ) وعاد في قراءة استرجاعية فأقرَّ الوتد المفروق وهو ثلاثة حروفٍ: متحرِّك يليه ساكن ويليه متحرِّك ويأخذ الصيغة ( فاعَ ).
3. قام الخليل بتكوين التفعيلات، والتي هي صيغٌ صرفيَّة للشائع من كلام العرب السلس، واستند إلى أن كل تفعيلة يجب أن تحتوي وتداً وسبباً أو سببين فقط، وقام بعملية رياضية لكلِّ احتمالات التشكيلات الممكنة للوتد المجموع مع سبب واحد أولاً وكوَّن منها التفعيلات الخماسية، ثُمَّ قام بحصر كافة التشكيلات الممكنة للوتد المجموع مع سببين، وكوَّن منها التفعيلات السُّباعية.
4. من هذه العملية الرياضية يتولَّد ( 16 ) ستة عشرةَ تفعيلةً، منها أربعةُ تفعيلات خماسية هي ( فعولن ، فاعلن ، فَعِلَتن ، فاعِلَتُ ) واثنتا عشرة تفعيلةٍ سباعيةٍ هي ( مفاعيلن ، فاعلاتن ، مستفعلن ، مفاعلتن ، متفاعلن ، فعوفَعِلَتُ ، فعوفاعلُ ، فاعلُ فعو ، فَعِلَتُ فعو ، فاعَ فاعلُ ، فَعِلُ فعْلن ، فَعِلُ فاعِلُ ).
5. بعضُ صيغ التفعيلات المتشكِّلة من احتمالات وجود وتدٍ واحدٍ مع سببٍ واحدٍ، أو سببين بكافة أشكالها الرياضية كانت صيغاً شاذَّةً ضمن الشائع الشِّعري في العربية، وأتصوَّر أن الخليل قام باستبعادها لشذوذها في الشائع من تراث الشِّعر العربي ( وهذا لا يمنع كتجربةٍ نظريةٍ بحتةٍ من استخدامها ضمن تشكيلات، وإدخالها في الدائرة الشعرية الكبرى للخليل ورؤية ماذا يمكن أن تولِّد هذه التفعيلات المستبعدة والمهملة من نموذج الخليل )  ثُمَّ أننا إذا قمنا بإدخال هذه التفعيلات في دوائر الخليل  سنرى أنها لا تُنتجُ صِيغاً شعريَّةً  لها وجود في الشِّعر العربي المتحقِّق، لكلا السببين قام الخليل باستبعادها من تفعيلاته المعتمدة.
6. بناءً على التحليل أعلاه استقرت تفعيلات الخليل المتشكِّلة والمتوافقة مع الشائع لصيغ الكلام في العربية على سبعةِ تفعيلات، اثنتين منها خماسية وهما ( فعولن، فاعلن ) وخمسةٍ منها سباعية هي ( مفاعيلن ، فاعلاتن ، مستفعلن ، مفاعلتن ، متفاعلن ).
7. بعد تشكيل الجسم الأصغر للكلام الشعريِّ بتشكيل التفعيلات ينتقل النموذج إلى الخطوة الأخطر في النموذج وهي تشكيل الكتلة الشِّعرية، وهنا يتداخل النموذج النظري مع التطبيق الفعلي للفاعلية الشعرية العربية حتى عصر الخليل، والتي فرضت نوع وحجم وشكل الكتلة الشعرية التي يجب أن تدخل في حركة الدائرة الشِّعرية كتطبيق، والتي أطلقها تلاميذ الخليل من بعده لتحتلَّ النموذج بأكمله، وتُغيِّب بنائه المجرَّد والقابل لحركات دوائرية لانهائية .
8. آلية حركة دوائر الخليل تفترض ما يلي : تتم حركة الدائرة بتحريك سبب خفيف، أو ثقيل، أو تحريك وتد كامل، ولا يجوز كسر الوتد وتحريك جزءٍ منه ، وبناءً على ذلك وعلى الشكل التراثي والسائد الذي يعرفه الخليل جيداً لشكل الكتلة الشعريَّة في الفاعلية الشعريَّة العربية تمَّ تجربة النموذج في التشكيلات الكتلية السائدة التالية :
تحريك تفعيلة خماسية عدد (4) في الدائرة .
تحريك تفعيلة سباعية عدد (3).
تحريك تفعيلة سباعية + خماسية عدد (2).
تحريك تفعيلة سباعية + سباعية + خماسية عدد (1).
تحريك تفعيلة سباعية + سباعية + خماسية + خماسية عدد (1).
تحريك تفعيلة سباعية عدد (2) .
تحريك تفعيلة سباعية + خماسية عدد (1) .
من استقراء الاحتمالات الممكنة للنموذج فإن الإمكانيات الفعلية للتشكيلات المختلفة للتفعيلات، وعددها هي احتمالات لا نهائية، وأن التشكيلات المبينة أعلاه هي تشكيلات تطبيقية تم من خلالها تفسير السائد الشِّعري العربي، وليس الشِّعر العربي بإطلاقه والذي لم يضع الخليل قيداً لحركة دوائره، ومواده الداخلة بها إلا المحدِّدات المشار إليها في المقولات المؤسِّسة للنموذج بالإضافة لـلُّغة، وأساليب الكلام والصرف اللغوي وحدود وعي الأذن للجملة الإيقاعية في اللغة العربية، وهذا يفتح الباب واسعاً لهذه الدائرة الشِّعرية الكبرى لتبتلع وتفسِّر حركة الكتلة الشِّعرية العربية سواءً كانت كتلة تراثية بشطرين أو شعراً مولَّداً على بحورٍ جديدة غير مطروقة، أو بتنويعات الشعر المرسل والمجزوء والمخمَّسات والمسمَّطات والمثلثات والتواشيح وصولاً لكتلة شعر التفعيلة،  مع ملاحظة أن دائرة الخليل تولِّد إيقاعات الكتل الشعرية بعيداً عن القوافي والأضراب والعروض، وأن هذه الزوائد ليست من بنية الدائرة الخليلية الشعرية الكبرى. 
وبتطبيق التشكيلات المشار إليها أعلاه ،وإدخالها في دائرة الخليل النظرية لتفسير وتوليد بحور الشِّعر العربية السائدة الستة عشر تبين ما يلي :
1. تحريك تفعيلة خماسية (4) مرَّات ( وهذا العدد يمكن تغييره ضمن الدائرة لتوليد تشكيلات شعرية مدهشة وتفسير تشكيلات شعرية أيضاً مدهشة )، تولَّد من هذه الحركة البحر المتقارب والبحر الخبب وهذه الدائرة التطبيقية هي ما يُعرف بدائرة المُتفق في دوائر الخليل، وعند تحريك التفعيلتين النظريتين الخماسيتين المتولِّدتين من حركة وتد مجموع مع سبب ثقيل لم تُولِّد هذه الحركة أيَّاً من الأشكال الشِّعريَّة المعروفة حتى عصر الخليل، لذلك قام الخليل بإلغاء اعتماد هاتين التفعيلتين بأثرٍ رجعي، وربَّما قام الخليل باستبعادها ابتداءً من باب ثقل تتابع متحرِّكات ثلاثة في موسيقى الشِّعر، مع أن هذه التتابعات لثلاثة حروف متحرِّكة شائعةٌ في الكلام العادي في اللغة العربية، وشائعةٌ أيضاً في تراكيب اللغة في قصيدة النثر العربية الحديثة، وربَّما يتطلَّب ذلك إعادة الاعتبار لهذه التفعيلات المهملة، وإدخالها في بنية الكلام الشِّعري، ورؤية ماذا يولِّد هذا التشكيل الجديد من إيقاعات ربَّما يمكن من خلالها إقامة جسر حقيقي بين ماضي، وحاضر الأطر النظرية للشِّعر العربي بكافة مراحله وأشكاله، وبما يمثِّل حاضنةً أصيلةً لتشكُّلات قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر في الفاعلية الشِّعريَّة العربية المعاصرة.
2. بتحريك تفعيلة سباعية ثلاثَ مرَّاتٍ للتفعيلات الصافية ( مفاعيلن ، فاعلاتن، مستفعلن ) ولَّدت هذه الحركة ثلاثةَ بحورٍ متداولة ومستخدمة هي : ( الرجز، الرَّمل، الهزج ) وهي ما سمَّاها الخليل دائرة المُجتلب، ثُمَّ بتحريك التفعيلتين السباعيتين ( مفاعلتن، متفاعلن ) بالنسق السابق تولَّد بحران شعريان جديدان وشائعان هما : ( الوافر، والكامل ) وسمَّى الخليل هذه الدائرة بدائرة المؤتلف.
3. بتحريك تفعيلتين خماسية وسباعية عدد (2) تولَّد ما يلي: تحريك( فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن ) تولَّد: ( البحر الطويل، البحر المديد،  البحر البسيط ) وسمَّى الخليل هذه الدائرة دائرة المختلف،  وبتحريك تشكيلات أخرى من التفعيلات الخماسية والسباعية المختلفة تولَّد البحور الثلاثة في دائرة المختلف، وتولَّد أيضاً بعضُ التشكيلات الإيقاعية الكثيرة وغير المستخدمة في الفاعلية الشِّعريَّة العربية حتى عصر الخليل، بالإضافة لذلك برزت مجموعة من الملاحظات في حركة هذا التشكيل من التفعيلات وكما يلي:
برزت بعض البحور الشعرية المهملة وغير المستخدمة .
برزت بعضُ التشكيلات لبحور شعرية شائعة مع بعض زحافاتها حيث برزت في حركة( فعولن متفاعلن)بعض صيغ الرجز بزحافات ( مستعلن مفاعلن مستعلن مفاعلن ).
في حركة ( فاعلن مفاعيلن ) برزت صيغة جديدة لتفعيلةٍ لا يمكن تجاوزها وهي صيغة ( مفعولاتُ ) وهي صيغة لا تسمح بها الأساسيَّات التي قام عليها تشكيل التفعيلات عند الخليل، والمتشكِّلة من وتدٍ مجموع ومن سببٍ أو سببين، والسؤال الذي يبرز هنا : كيف عالج الخليل هذا التهديد لنظامه ونموذجه النظري؟  مع العلم أن الصيغة التي برزت فيها هذه التفعيلة الجديدة هي صيغة إيقاعيَّةٌ رشيقةٌ  وجميلة وهي: (مفعولاتُ فاعلن مفعولاتُ فاعلن ).
في حركة ( فاعلن مفاعلتن ) تولَّدت صيغةٌ من صيغ البحر الخفيف: (فعلاتن مفاعلن فعلاتن مفاعلن ).
في حركة ( فاعلن متفاعلن ) تولَّدت صيغةٌ من صيغ البحر الوافر:  (مفاعلتن فعولن مفاعلتن فعولن ).
استخدام التفعيلتين الخماسيتين المهملتين ( فاعلتُ ، فعلتن ) في هذه الدائرة ولَّد صيغاً مهملةً وغير مستخدمة وولَّد أيضاً صيغةً من صيغ الرجز بزحافات وصيغةً من صيغ الوافر والخفيف.
4. تحريك وتدوير ثلاثَ تفعيلاتٍ سُباعيةٍ مختلفة :
نحريك وتدوير ( مفاعيلن فاعلاتن مفاعيلن ) ولَّد البحرين : ( المضارع والمنسرح ) وهما من بحور دائرة المشتبه الخليلية بالإضافة لبعض البحور غير المستخدمة.
تحريك وتدوير ( مفاعيلن مفاعلتن مفاعيلن ) ولَّد الوافر بزحافات والكامل بزحافات والرَّمل بزحافات، وهنا يجب ملاحظة أن هذه البحور الشائعة بزحافاتها تولَّدت خارج دائرتها التي ولَّدت الصور العروضية الصافية لها بدون زحافات وعلل، وهذا يدفعنا للتفكير في شرعية مفهوم الزحافات والعلل والتي تتولَّد طبيعياً من حركة الدوائر، وليس كتنقية مضافة وقسرٍ علميٍّ لحشر الشِّعر في تشكيلاته الفعلية في الواقع ،ضمن دوائر محدَّدةٍ لم تستطع تفسير هذه التشكيلات إلا بالاستعانة بمفهوم غير علمي، ويطعن في أصالة التشكُّل الشعري وعفوية إيقاعاته ، بالإضافة لفرضه من خارج حركة الدوائر الفعلية وإضافته والتنظير له باستفاضةٍ مرهقة، هل كانت الزحافات والعلل من مفاهيم الخليل الأساسية؟ أم أنه  لم يستقرىء أن هذه الزحافات والعلل تتولَّد طبيعياً من حركة الدوائر اللانهائية؟ وهل كان مفهومه للدوائر مقتصراً على الدوائر الخمسة ؟  ربَّما هذه الأسئلة تحتاج إلى دراسات وحفريات عميقة للوصول إلى جوهر ما بناه الخليل فعلياً، وليس كما وصل إلينا من تلاميذه ، وربَّما يتطلَّب ذلك أيضاً لاستيعاب كافة الزحافات والعلل العودة لأساسيات تشكيل التفعيلات والسماح بتوليد تفعيلات رُباعية وخُماسية وسُداسية وسُباعية وثُمانية وتُساعية، وإدخالها في حركة الدوائر، والسماح بتكوين تفعيلات من وتدين وربَّما من سببين أو أكثر دون وتد لأن بعض هذه الصيغ موجودةٌ فعلاً في الشِّعر العربي وهي صيغٌ صرفيةٌ عربيةٌ شائعة ( كصيغة مفاعلن والمكوَّنة من وتدين مجموعين وصيغة فعْلن وصيغة فَعِلن والمكوَّنة من سببين .. الخ ) وهذه المقولة الأخيرة مقولةٌ هامةٌ جداً، ولم يتطرَّق إليها أيٌّ من دارسي عروض الشِّعر العربي الخليلي ودوائره منذ وضعه الخليل حتى العصر الحاضر ( بما فيها دراسة الدكتور كمال أبو ديب القيِّمة ) .
عودةٌ إلى حركة التفعيلات السُّباعية الثلاث، فلو حرَّكنا التشكيل ( فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن ) لتولَّد لدينا البحور الشِّعرية الشائعة التالية :  ( الخفيف ، مجزوء البسيط ، المنسرح ) بالإضافة لبحور غير مستخدمة، وبشكلٍ عام وبتحريك صيغٍ مختلفةٍ من التفعيلات  السُّباعية المختلفة سيتولَّد بحورٌ شعريَّةٌ مهملةٌ، وأخرى مستخدمة بصيغها العروضية التامة وبصيغٍ ذات زحافات وعلل .
5. تحريك وتدوير تفعيلتين سباعيتين: بتحريك ( مفاعيلن فاعلاتن ) يتولَّد البحور الشِّعريَّة الشائعة التالية: ( البحر المضارع ، والبحر المجتث، والبحر المقتضب) بالإضافة لبعض البحور الشِّعريَّة غير المستخدمة .
بتلخيص ما تم أعلاه في أثناء تحليل انتقائي مقصود لبعض الاحتمالات ضمن دائرة الخليل، والتي سأسميها دائرة الخليل الشِّعريَّة الكبرى لتمييزها عن الدوائر الجزئية الخمسة المشهورة يمكننا استنتاج ما يلي :
تمَّ توليد خمسةَ عشرةَ بحراً شعرياً هي بحور الخليل الشِّعريَّة المتداولة عدا البحر السَّريع، وتمَّ توليد عدد لانهائي من التشكيلات غير المتداولة.
تمَّ توليد بعض الصيغ الشِّعريَّة لبعض البحور الشِّعريَّة المتداولة بزحافاتها وعللها مما يُشير إلى خصب الدائرة الشِّعريَّة وحركاتها القادرة مع بعض التحوير بإضافة بعض التفعيلات التي استبعدها الخليل وتلاميذه وإدخالها بحركة الدوائر الجزئية من الدائرة الكبرى، والتي ستمكن هذا النموذج من توليد كافة الصيغ المحتملة للتشكيلات الشِّعريَّة والبحور التراثية المتداولة بكل أشكاله، وزحافاتها، وعللها دون اللجوء لعلم وتصنيف الزحافات والعلل الذي استهلك الزخم الأعظم من أبحاث العروض بعد الخليل . 
ما زال هناك عددٌ لانهائي من التشكيلات الشِّعريَّة وأشكالها غير التقليدية وغير التراثية متضمنة، وكامنة في دائرة الخليل الشِّعريَّة الكبرى ، وهناك صيغٌ يمكن البناء عليها في تحليل حركة شعر التفعيلة بكل تطوراتها وصورها التي طوَّرتها الفاعلية الشِّعريَّة العربية المعاصرة .
وعودةٌ للإجابة على سؤالٍ طرحناه في فقرةٍ سابقةٍ حول: كيف تعامل الخليل مع ولادة تفعيلة جديدةٍ من حركة دوائره هي ( مفعولاتُ ) وهدَّدت اتساق وانسجام وقدرة نموذجه النظري في تفسير تشكيلات الشِّعر العربي المتحقِّق ؟  الحل الفعلي الذي قدَّمه الخليل تمثَّل باعترافه بهذه التفعيلة الجديدة ( والتي سمَّاها الدكتور كمال أبو ديب بالتفعيلة المختلقة )وعاد لتعديل إعدادات نظامه فأدخل وتداً جديداً لا بدَّ منه لتشكيل التفعيلة الجديدة مع بقاء فرضياته الأخرى قائمة وسمّاه " الوتد المفروق " وعاد لحركة تفعيلاته ودوائره ليبحث عن بحره المفقود ( البحر السَّريع )، مع أن واحدةً من صيغه بزحافات تولَّدت من التفعيلات السبعة الأصلية قبل إدخال ( مفعولاتُ ) وهي الشكل : ( مستفعلن مستفعلن فاعلن ).
تم توليد البحر السَّريع بإدخال التفعيلة الجديدة في حركة الدائرة الشِّعريَّة عبر تحريك( مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن ) وتولَّد من هذه الحركة البحر السريع المفقود بالتشكيل السابق، وتمَّ توليد البحر المنسرح والبحر الخفيف وبعضِ الصيغ لبحورٍ شعريَّةٍ غير مستخدمة.
كخلاصةٍ أوَّليَّةٍ يمكن القول إن دائرة الخليل الشِّعريَّة الكبرى هي خلاصة العلم الذي وضعه الخليل، ووضع آليات تطبيقه وحركته وفسَّر كنموذجٍ تطبيقي لهذه الدائرة ما تحقَّق من إيقاعات الشِّعر العربي بكافةِ بحوره، وتشكيلاته الإيقاعية المعروفة والشائعة حتى عصره ، ويُمكن إعادة بناء وتطوير هذه الدائرة ومحدِّداتها وتطبيقاتها بعيداً عن الدوائر الصَّنمية الخمسة، التي قزَّمت العمل الفذ الذي قام به الخليل: من دائرة مجرَّدة ولانهائيَّة الفعالية والاحتمالات وفضاؤها كان اللغة العربية بكل حيويتها وإيقاعيتها إلى خمسِ دوائر مغلقة ومنغلقة على ذاتها بعيداً عن حيوية حياة اللغة وتطورها .
وفي عودةٍ ثانية للدكتور كمال أبو ديب وكتابه " في البُنية الإيقاعية للشِّعر العربي " الذي لم يقيِّم هذه الخاصية في دائرة الخليل واقتصر بحثه على ما قعَّده التابعون من عمل الخليل، وهو الدوائر الخمس وانشغل بمقولة الزحافات والعلل وبنى نقده العميق للنموذج بناء على هذه التقعيدات المدرسية البائسة ولم يحفر عميقاً تحت رُكام التابعين ليقرأ حيوية ما وضعه الخليل، فقام بمهاجمة نموذجه ووصفه بالمنتهي الصلاحية والمستنفذ لطاقته واقترح نظامه المبني على النُّوى الإيقاعية الثلاثة ( فا ، علن ، علتن ) والتي هي في جوهرها نوى خليلية استخدمها الخليل كلبنات أولى لنظامه، وانتقل خطوةً أبعد باتجاه الكتلة الشِّعرية وتشكلاتها واكتفى الدكتور أبو ديب بالوقوف عند هذه النُّوى التي تستطيع بكل بساطة تفسير البحور الشِّعريَّة الخليلية التقليدية وأضاف إليها التشكُّلات اللانهائية من تتالي علاقات هذه النُّوى والتي هي وصفٌ رياضيٌّ خطي ( في مقابل الدائري الخليلي ) وهذه إضافةٌ عميقة في كسر تراتبية الحركة الدائرية الاستعادية في نموذج الخليل.
ومن الملاحظات على نموذج الدكتور أبو ديب أن هناك صيغاً معروفةً في تشكيلات بحور الخليل، وزحافاتها لا يستطيع نموذج النُّوى المقترح تفسيرها إلا بالعودة لمفهوم الزحافات الذي كما بيَّنا يمكن إلغاؤه في الدائرة الشِّعريَّة الكبرى للخليل ، وكمثال على ذلك بعض زحافات بحر الرجز والتي تأتي على الصيغة ( مُسْتَعِلتُن أو مُتَعِلن أو مستفعلانِ ) التي لا يمكن تفسير حدوثها ضمن مفهوم النُّوى الثلاث ويمكن ببساطةٍ توليدها من دائرة الخليل الشِّعريَّة المجرَّدة الكبرى ، كذلك يجب ملاحظة أن تفعيلة الخليل المستدرَكة ( مفعولاتُ ) لا يمكن توليدها من نوى الدكتور أبو ديب الثلاثة نهائياً وذلك يعني أن تشكيلاً إيقاعياً مهماً وخصباً لا يمكن تفسيره ضمن النموذج النووي المقترح، وربَّما لهذا السبب أعتبر الدكتور أبو ديب هذه التفعيلة تفعيلةً مختَلقة.
هذا التحليل والمقاربة الجديدة تحتاج لجهودٍ بحثيةٍ، وتحليليةٍ وإحصائيةٍ لدراسة الاحتمالات المختلفة للصيغ الممكنة في تكوين تفاعيل لغويةٍ جديدةٍ، وفي شكل دخول هذه التفاعيل ككتلة شعريَّة بعيداً عن الشكل التُّراثي البيتي الذي سيطر على هذه الدائرة، وأفرغها من طاقتها عبر اجترارها في صياغاتٍ مدرسيَّةٍ أخذت طابع التقديس، ويمكن تطوير ذلك باتجاهاتٍ جديدةٍ ومبتكرة وتطوير الدائرة الشِّعريَّة وكسر رتابتها وتكرارها عبر التقدُّم في النموذج الخليلي باتجاهاتٍ خطيَّة ( وفقاً لنموذج الدكتور كمال أبو ديب ) تسمح بسطورٍ مختلفة العدد من التشكيلات التي كانت واحدةً من أساليب قصيدة التفعيلة الأساسية، ويُمكِّن أيضاً من قراءة قصيدة النثر، وتشكُّلاتها وإيقاعاتها وإدخالها ضمن منظومةٍ شاملةٍ للشِّعر العربي قادرةٍ على احتواء كافة أشكاله المتحقِّقة، ومفتوحةٍ أيضاً على المستقبل دون انغلاق.
هذا العمل المشار إليه كان يجب أن يتم قبل قرونٍ بعيدةٍ لولا العقلية التصنيمية الفقهية التي سادت، وما زالت في بنية الثقافة العربية وعلى المفكِّرين والمثقفين العرب أمام تحجُّر القرون الماضية العمل على إعادة التفكيك، والبناء بطريقةٍ مبتكرة ومختلفة عن كل نماذج الحضارات الأخرى التي خرجت واخترقت هذا المأزق التاريخي بمعدَّلات زمنية أسرع بكثير من حضارتنا التي ما زالت تقفُ أمام الحائط ذاهلة ،وتائهةً وعاجزةً وتنحدر باتجاهاتٍ ستقودنا إلى أن نكون هنوداً حُمراً في القرون القليلة المقبلة .
 
 
الحصن 30-1-2013   
* أديب وناقد من الأردن.