الولع بالتفاصيل قصص حسن بوفوس"مذكرات معتوه"

محمد مفتوح*

- ما قبل القراءة: 

العنوان لأي عمل أدبي يعد مفتاحا للدخول الى عالم النص ومن خلاله تتشكل للقارئ ملامح هذا النص أو ذاك وتكويناته الأساسية، إذ يعطي إيحاء بما يريد أن يقوله المبدع؛ تتباين بواسطته -أيضا – القراءات التي يستكشفها الناقد متى كان العنوان ذا بعد رمزي يتسم بالتكثيف والتركيز، فيكون بذلك علامة سميولوجية تكثف البنية الدلالية في النص. كما يمكنه أن يتقاطع مع نصوص أخرى مفيدا من تقنيات التناص ومراوغات الإحالة والإشارة التي تقدم للقراء ما يمكن أن يكون ومضة إنسانية مع كينونته 
"مذكرات معتوه" بالرغم من أنه عنوان مباشر وغير استفزازي  أو شاعري لكنه رغم هذا وذاك فقد يصور ومضة آدمية تجر القارئ إلى التأمل والتصور، ولو كانت ثيمته تتسم بوحدة الموضوع الذي يغلب عليه الحزن.،الخبل،الألم.، الجنون، التشرد،الموت. 
 - التقديم المقدماتي: 
التقديم المقدماتي من أهم العتبات النصية التي يعتمدها المقدم في رسم استراتيجيات النص والتصدير له عند المتلقي بوصفه القارئ المفعل للدلالات الوسيطة بينه وبين المعنى المضمون الذي يحاول القبض عليه من خلال اللواحق النصية الموجهة تارة والمتسلطة تارة أخرى. فالخطاب التقديمي لا يخرج عن دائرة التوجيه. إنه خطاب موجه نحو النص والقارئ قصد بناء أو تحديد علاقة نمط القراءة المتوخاة. وهذه الوظيفة التوجيهية جزء من استراتيجية المقدم في تحديد علاقة النص بالقارئ، "مجلة الرافد عدد 246 فبراير 2018 ص 38" 
في الصفحة الثانية من مجموعة مذكرات معتوه يقول الكاتب محمد البغوري في تقديمه:"  بعد ان تنهي قراءتك لأقاصيص الشاعر والقاص والروائي حسن بوفوس تفقد بوصلتك على مواصلة مسالك السفر في عوالم القراءة والاكتشاف الادبي الجميل. تلك هي الحالة التي منيت بها وأنا أطوي الصفحة الأخيرة من مجموعة "مذكرات معتوه".
 فكيف يتذكر ويذكر حسن بوفوس ويكتب مذكرات مؤرخة بأرقام شمسية تبوح بالصراحة والصدق؟ وهل هذه المميزات كافية لتجعله يحترم قاموس كتابة
 هذا اللون الادبي الذي سبقه إليه كتاب كبار غربيون وعرب كالمجموعة العربية الشهيرة "مذكرات دجاجة " ...  
إن لكتاب المذكرات طقوس وانضباطيات أدبية. ينظر لهذا الفن أو اللون الادبي النادر. إذا تصفحنا الصفحة 56، قرأنا بسطرها الأول على لسان القاص حسن بوفوس ...// عثرت على هذه المذكرات مصادفة ففرحت بها طويلا ولما اطلع على مضامينها ...// صاحب المذاكرات ليس غريبا عني بل هو لنفسي بمثابة الأخ أو الصديق الحميم. إلا أنه لسوء حظه وسوء حظنا جميعا لم يعد موجودا. لقد مات من زمان، لكن هذه المذكرات تشهد عليه وعلى إنسانيته ...// ص 56 المجموعة. 
فالمذكرات ليست هي – مذكرات القاص حسن بوفوس، بل هي "مذكرات معتوه"،
صديق حميم للكاتب وافته المنية ، وهل للمعتوه ذكرى أو مذكرة حتى يتذكرها القاص حسن بوفوس ليذكرها أثناء الكتابة؟.  
وتشكل المذكرات في الادب شكلا من الكتابة -السيرة الذاتية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار تعريف فليب ديجون من كون السيرة الذاتية محكيا نثريا يكتبه شخص حقيقي عن وجوده الشخصي عندما يشدد على حياته الشخصية وبشكل خاص عن تاريخ شخصيته..
ويرى فليب ديجون أن اليوميات أيضا تتسم بخاصية المطابقة "بين المعنى المراد إيصاله والشخصية المتحدث عنها. وظيفتها هي تشكيل الذات وتحولها وصراعها لحظة تأكيد ذاتها،. والتي استند عليها الكاتب والقاص حسن بوفوس لطرح   مذكرات صديقه وما مارسه في حياته.                                                   
ثمة وعي متقدم بأدب المذكرات بلا زيادة ولا نقصان .                      
ويقول الناقد المغربي صدوق نور الدين في كتابه "الذات والعالم "وهو دراسة نقدية ليوميات عبد الله العروي، محمد شكري، محمد خير الدين وعبد اللطيف اللعبي ... (دار الأزمنة عمان):
"...وبشكل لافت عن النظرية النقدية العربية وهو حال "ادب المذكرات "وإن كانت هذه الاجناس (الدنيا) لا يحق الابداع والممارسة فيها عكس الملاحظ  في الآداب الغربية حيث يفيض التراكم ... ص 75 .
ويخلص القول إلى أن "مذاكرات معتوه " وما وسمها من تماسك وانسجام وتداخل وتقاطع بين أكثر من صورة، تميزها ببساطة لغتها التي وازنت بين السردي والتقليدي والوصفي. 
ـالقراءة:
  " مذكرات معتوه مجموعة القصصية صدرت عن سليكي إخوان في طنجة، بين دفقيها 24 قصة بدءا من "البحر" إلى قصة "بين طوايا النسيان" وعلى امتداد 113 صفحة. 
وقصة " مذكرات معتوه" عنونة في الوقت ذاته للمتن القصصي ككل، مثبتة    في الفهرس تحمل رقم56.                                                                      
"مذكرات معتوه" عنوان مكون من لفظتين (المذكرة ـالعته) وهل للعته ذاكرة وكأن القاص بوفوس يتذكر ليذكر مذكرات بالتأريخ بالقصة ... 
ومما لا شك فيه أن القاص قد خص عنوان مجموعته القصصية هذه بمكر في الكتابة " مذكرات معتوه" ولتكون له مقروئية أكثر فأكثر، بصفته عتبة للنص ... ولكنه باعتباره زائرا حاسما يمنح للمتلقي والقارئ فضولا لقراءة المجموعة ويستميله لقراءتها بتمعن وروية، ويثير شهية القراءة ثم يحرضه على التهام نصوص المجموعات قصة تلو القصة...ويلعب على الضمائر، ضمير المتكلم وضمير الغائب...
-//...لماذا كتبت هذه الخواطر؟
الجواب متضمن في السؤال، إنها أفكار أو ذكريات خطرت ببالي دون أن ألزم عليها...// ص 57.
-//...لا غرض لي من وراء الكتابة جاه أو شهرة أو ربحا...// ص 57.
"وكما سيتبين القارئ فإن هذه الخواطر إن هي إلا استرجاع لما فات وأن رآه أو شهده أو لاحظه من دون أن يعيره اهتماما من دون أن يحدد مكانا او زمانا أو شخصا من الأشخاص. فلنعتبرها اذن عصارة تأملية لحياته الفكرية والعلمية. والتي عاشها في سيرته اليومية ثم نقلها إلى بالكتابة والتساؤل هل هي مذكرات أم مجرد خواطر قد يكتبها أي كانت في أي زمان ومكان؟
الخميس 21/11/2112 
//...فلهذا أبدو قويا، ولهذا ضعيفا، ولذلك ذكيا، للبعض مثقفا، صعب المراس للبعض الاخر //...ص 59 المجموعة.
الجمعة 21/11/2122 
-//... يجب أن أكون على علم بما يدور في أحشائه ...// ص60 
السبت 21 /11 /2132 
-//... ما سوف تفصح عنه الأيام المقبلة. هل حقيقة للتاريخ عقل يفكر به في الخفاء؟ ...// ص 61 المجموعة 
الاثنين 21/ 11/ 2152 
أشعر كما أنني لا أستطيع إتمام هذه الخواطر. من يلزمني على إتمامها ؟ لي كامل الحرية في ان أكتبها متى شئت أولا أكتبها بالمرة. أنا كاتبها وأنا أيضا قارئها وإني الان لن أتركها ما دامت هذه الرغبة في إتمامها بدأت تتملكني. ما أكتبه خواطر أستلهمها مما أراه وأسمعه وأكابده. قد تتداعى إلى ذهني في أي وقت وفي أي مكان. إني لا أريد أن تكون لها صبغة مذكرات لذا فإني لن أكملها لأنني حر وقبل أن أكون حرا قد سبق لي وأن كنت كذلك من قديم الزمان ...// ص 62 
وليست قصة "مذكرات معتوه" تتفرد وحدها على جل القصص في جمالية وفضولية الموضوع ووحدته. بل عكس ذلك، هناك ثيمات وظواهر اجتماعية أخرى تحبل بها المجموعة.  حكايات تفنن بوفوس أن يشدها ويعلقها على حبال من الدهشة والاكتشاف والرصد والتماهي والذكاء والخيال ... كما يقول الاديب محمد البغوري في تقديمه  "أما من حيث الخصائص والسمات والتقنيات التي تميز القاص حسن بوفوس فهي كثيرة ومتنوعة فهو صاحب تقنية الحوار والسؤال الجريء الذي يعري سوأة الشخصيات ويجردها من إنسانيتها المصطنعة المزيفة".
 تساؤلات فلسفية كما في القصة "مرآة تتكلم" فهل للمرآة كلام؟ أنه استنطاق الجوامد، وهذه تقنية أخرى في الكتابة القصصية الحديثة.
-..."أيعقل أن تسخر منها صورتها؟ أيعقل أن تسحب صورتها وتتركها هكذا أمام المرآة لا تعكس شيئا؟ أيعقل أن تجدبها قوة خارقة إلى داخل المرآة لتصبح هي نفسها صورة لنفسها كأنها لوحة معلقة؟ ص 17 المجموعة. 
في قصة "حب بلا ضفاف": 
-أحقا ما تقول؟
-وهل عهدتي مني إلا الصدق والإخلاص ..."  ص 48 المجموعة. 
-في قصة " على متن سيارة":  
-قال لي يوما:
-..." إنك تثير أعصابي. عمدا البارحة أخذت بنطالي وها أنت اليوم تأخذ حذائي ..." ص 71 م 
-"... ما زلت أتذكره يقول ساخرا:
-خذ حذائي القديم لكن إياك أن تقترب من الذي اشتريته البارحة ..." ص74 المجموعة 
"الحلقة المفقودة": 
-قالت بنبرة تدل على الشعور بالفرحة.
-أنت محق من هاته الوجهة إن كانت نيتك فعلا حسنة ولكن لم هذا التسرب المخيف داخل الشقة ...? ص84 المجموعة 
-"... تساءلت قائلة نبرة فيها حيرة.
ماذا تريد إذن؟ تصرفاتك هذا المساء تقلقني ..." ص 86 المجموعة 
في قصة "حوار غبي": 
-لماذا؟ ماذا تخاف؟  
- لا يا صديقي المال همي الأول والأخير. أوضح. لم أفهم بعد؟ ص 101 المجموعة.
يقول البغوري في الصفحة السادسة " يقصد من وراء هذه التقنية تمتين وتعضيد مقولاته ورسائله. تقنية الانتقال من الجزئي الى الكلي والكوني. وغيرها كثير. كما لا يفوتنا أن نشير إلى النفس أو المنحى الفلسفي والفكري في هذه المجموعة ، التي منح لها خصوصية وجعل منها تجربة قوية وقيمة مضافة، وأدبا أصيلا دالا وهادفا، يحرك العقل والذاكرة وينعش الخيال والروح، ويستدرج القارئ والمتلقي للانخراط في عوالم هذا القاص // ص 6 المجموعة.
مجموعة "مذكرات معتوه" تستحق أكثر من قراءة وتأمل كاتبها مثير وعاشق ،مولع بالتفاصيل وذبذبات سيرة الناس حد التخمة ...// ص 7 المجموعة 
-خلاصة
لقد استطاع القاص حسن بوفوس أن يخوض في أدب نادر إن لم نقل منقرض في العالم العربي بعكس العالم الغربي الذي قال في شأنه الأستاذ والناقد المغربي في كتابه "الذات والعالم" ص 75 //... وبشكل لافت عن النظرية النقدية العربية وهو حال "أدب المذكرات" وإن كان هذه الاجناس (الدنيا) لا يحق الابداع والممارسة فيها عكس الملاحظ في الآداب الغربية حيث يفيض التراكم ...\\ 

هوامش

المجموعة القصصية "مذكرات معتوه"

المجموعة القصصية "مذكرات معتوه" ص 3.
المجموعة القصصية "مذكرات معتوه" ص 6.
المجموعة القصصية "مذكرات معتوه" ص 7.
المجموعة القصصية "مذكرات معتوه" ص 15.
المجموعة القصصية "مذكرات معتوه" ص 17.
المجموعة القصصية "مذكرات معتوه" ص 56.
المجموعة القصصية "مذكرات معتوه" ص 57.
المجموعة القصصية "مذكرات معتوه" ص 59.
المجموعة القصصية "مذكرات معتوه" ص 60.
المجموعة القصصية "مذكرات معتوه" ص 61.
المجموعة القصصية "مذكرات معتوه" ص 62.
المجموعة القصصية "مذكرات معتوه" ص 71.
المجموعة القصصية "مذكرات معتوه" ص 74.
المجموعة القصصية "مذكرات معتوه" ص 84.
المجموعة القصصية "مذكرات معتوه" ص 86.
المجموعة القصصية "مذكرات معتوه" ص 101.
مجلة الرافد عدد 246 فبراير 2018 ص 38 
تقديم الأستاذ محمد البغوري (ص.4.3 .5 .6 .7)  كتاب " الذات والعالم": دراسة في يوميات عبد الله العروي – محمد شكري –محمد خير الدين –عبد اللطيف اللعبي، دار أزمنة ص 75.

* أديب من المغرب.