"بائعة الحليب" وأزمة الرواية

صالح الرزوق*

بعد حصول رواية  "بائع الحليب" لآنا بيرنز على المان بوكر يعود الجدل العقيم حول معنى هذه الجائزة. هل المقصود تقدير الأعمال الإبداعية وتشجيع الأصوات الناشئة، أم هناك أجندات عمل في الخفاء. بمعنى دوافع توجه لجنة التحكيم ؟؟.

لا خلاف أن بيرنز صوت جريء، ولديها تصورات عن عالم تنقصه العدالة، وحافل بالعنف والتفرقة والتشوهات الاجتماعية. لكن أسلوبها في التعبير كان عائما ويأتي من فوق هذا الواقع الذي تتكهن به. فواقعها في "بائع الحليب" ضبابي وتخترقه التأملات، ولا يعلم  القارىء بالضبط عمّ تتحدث.. عن معاناة الأرض والطبيعة، أم عن الكبت السياسي الذي تعاني منه المرأة في عالم لا تحكمه، وتبتعد عنه تلقائيا وبالتدريج. وتضطر في النهاية للتخلي عن موضعها فيه من التكوين إلى الترفيه، بلغة أوضح من المشاركة إلى الأداء.
وهو ما لم يقبل به من سبقوها إلى المان بوكر، وأخص هنا بالذكر آن إينرايت (إيرلندية مثلها). فقد قدمت في روايتها "لم الشمل" رؤية عاطفية للحياة وللأسرة وللمجتمع البطريركي الذي يقوده أب مسن وعاجز ومسلوب الإرادة. وبهذه الطريقة حررت أفراد الأسرة من القيود الأبوية، وبالتالي منحت للمجتمع إمكانيات للتطور .
ومثلها الهندي أرافيند أديجا الذي رسم في رواية "النمر الأبيض" صورة عبثية لسائق سيارة وبواب بسيط. وكانت المشكلة أنه ينعم بالرفاهية النظرية، لكن يعاني من قوة الحرمان العاتية. فكل شيء موجود ،لكنه غير مباح. لذلك كانت النهاية "المنطقية" جريمة قتل تخلصه من عذاب أحلامه المخملية ليسقط بعد ذلك في عذاب أو كابوس السجن. 
لقد قابلت روح المبادرة عند شخصيات أديغا وإينرايت، همومٌ شكلانية عند بيرنز. وهذا ما يبدو واضحا أ في جائزة المان بوكر الدولية. فقد منحتها في آخر دورة للبولونية أولغا توكارشوك عن روايتها التجريبية "الطيران". وهي عمل معرفي وتأملي يتناول موضوع السفر بالطائرة وتأثيراته على نفسية الإنسان. وتتخلل الرواية صفحات مقتبسة من موسوعات وكتب لتشريح جسم الإنسان، وأوراق من يوميات وخواطر مكتوبة بعجالة في صالة الانتظار، مع حكايات يربطها حدس نسوي وعالم ذكوري. أو بتعبير بيان اللجنة: "إنها رواية تتألف من شذرات تربطها مفاصل. وتقدم لنا أنباء عن أحداث جرت ابتداء من القرن السابع عشر والى وقتنا الحالي.. إنها حكاية فلسفية عن أوقات الشدة والرعب".
ويمكن القول إن بيرنز وتوكارشوك من فصيلة واحدة. تعملان بالمطرقة والمعول لشق درب غير مألوف، ولاكتشاف الجوانب السرية من جهازنا النفسي وتداعياته.  لذلك على القارئ أن ينظر لهما بعين مختلفة. بمعنى أنه لا يجب أن نتوقع منهما حكاية لها حبكة، ولكن أن نتوقع تفكيك وإعادة تركيب العالم. وبطريقة قريبة جدا من كاتبة جريئة وتجريبية حازت على نوبل وهي سفيتلانا أليكسييفتش. وعلى ما يبدو أن هذه الاختيارات تعكس طريقة تفكير لجنة التحكيم.
ففي حالة بيرنز رأس اللجنة كوامي أنتوني أبياه وهو عالم اجتماع وباحث في مشاكل الملونين الذين هاجروا إلى أميركا، أو أنهم وصلوها قسرا من إفريقيا للعمل في المهن العضلية. وقد حرر مجلة (تحول transition ) التي عنيت بقضايا تحرير العبيد. وليس بالمعنى المباشر للكلمة لكن بمعناها الحضاري. أي أنه كان داعية لتنظيف الزوايا المهملة من حياة المهجرين والأقليات وبقايا السكان الأصليين. وهذه ولا شك مهمة تضع نصب عينها موضوع العرق والتحسس الطبقي (الحساسية الاجتماعية بلغة معاصرة) وليس الخيال الفني. فما يهم أبياه أولا وأخيرا التضاد بين المعاني والأطوار، وليس إعادة تشكيلها بما يوسع قدرتنا على توسيع فهم هذه المعاناة. إنه لا يبحث عن تطبيع وزرع الأفكار، بل عن تنبيهنا لما فيها من مضار.
وربما كانت "بائع الحليب" رواية صراع مذاهب وأعراق وهويات، ومضمونها  يتناول مضار الاحتكاك بين كل هذه الأطراف، وهي الرسالة التي تفتن أبياه.
وكذلك هو حال توكارشوك. فقد رأست اللجنة السيدة بيتناني هيوز، وهي مؤرخة ومذيعة، ولا شك أن الموسوعات والكتابة التسجيلية هي من بين اهتماماتها الأساسية. وهذا هو الشكل الذي تلعب عليه أعمال توكارشوك في هجاء عالم الندرة والتقشف. 
يبدو إن نوبل والمان بوكر تبحثان عن مجالات جديدة لتسويق التجربة الفنية. وإذا وصلت نوبل لطريق مسدود واضطرت لإعادة هيكلة اللجنة الدائمة، فإن المان بوكر ما زالت تأمل بتعويم الجانب الذهني لفن الرواية. وربما عما قريب ستمنح جائزتها لرواية فلسفية وهذا غير مستغرب بالنظر للأزمة الروحية التي يمر بها إنسان العالم المعاصر. لكن يبقى لدينا هم الاحتفال بعمل روائي أو أكثر يحتفظ بجوهر السرد، ووظيفته الأصلية، وهو بناء شخصيات وإدارة عالم نحاكي به إما الواقع المجرد، أو واقع التوترالنفسي. 
 
حلب 2018   
 
* أديب ومترجم سوري/ حلب.