تأملات في الكـتابة الـصحـفـية 

د. عبـدالقـادر حسين ياسين*

 

"الشُـعـَـراء ، فاعْــلمن ، أربعــَة،
فـشاعـرٌ يجـري ولا يـُجرى معــَه،
وشاعـرٌ يـُـنـشـدُ وســْط المـَــعــْـمَـعــَة،
وشاعـرٌ لا تـَـستــَحي أن تـَسـمـَـعـَـه،
وشاعـرٌ لا تستـحي أن تــَصـفـَـعــَه...!"
السـمـوأل

لا أدري لماذا أغـرتني هذه الأبيات لتصنيـف كتّابنا الأعـزاء، ولكني لم استطع مقاومة ذلك على أية حال... 

هناك الكاتب الذي يبدأ شعـبوياً نصيراً للـفـقـراء وأصحاب الحاجات، ولكنه ما أن يذوق حلاوة الشهرة ، وملذات فـنادق الخـمـسـة نجوم المدفـوعة مقـدماً، ويستقـبل اتصالات المسؤولين وهـداياهم ، حتى يصبح أرسـتـقـراطياً بامتياز ، ويـقـلب ظهر المجن للشعـبوية وأهـلها...

 

وهناك الذي لا يـَسلم من نـقـده أحد ، الا الكبار الذين يأتـيه بعض الـفـُـتـات من جـيوبهم وموائدهم... 
والأسوأ منه هو الذي يـنـتـقـد كل الجهات الحكومية ، عـدا تلك التي يسترزق من ورائها، فهو في هـذا مصداق للمقـولة المـعـروفـة ، التي تشير إلى أن الإنسان يتحـدث عن المبادئ ويسعى لتطبيقها 
ولكنه يحاربها إذا تعارضت مع مصالحه الخاصة...

 

 وهناك من تهمه صورته الشخصية ، وتلـهـيه عن ما يكـتب ويكون "الـمـظـهر الـجـديد" شغـله الشاغـل... 
وهناك الذي يعـتـقـد أن القـدرة على الوعـظ الشفهي ، مع مزيج من الشهـرة الغـوغائية ، تؤهـل صاحبها للكتابة الصحافية فـيـنـكشف المستور...
وهناك الكاتب الذي ما أن تقـرأ له مرَّات عـدة، حتى تحيط بتفاصيل حياته العائـلـية وأسماء أولاده وبناته وأعمارهم... 

 

وهناك الكاتب النـرجـسي الذي ينظر لك من عـُلـوٍ ، ويسألك في كل مرة إن كـنت فـهـمـت ما يقـصد... 
وإمعاناً في ذلك،  فهو يوهـمـك بأنه "مـُطارد من السلـطة" ، وبأن الرقيب "يتربـص به"، 
لذا فهو مضطر للأحجـية والألغاز ، فإن فـهـمت ما كتب كان بـه ،  وإلا فهذا شأنك وشأن فهمك السقـيـم... 

يفـوت على صاحبنا هـذا أن الرقـيـب الصحافي ، غالباً ما يكون أكثر نباهة من القـارئ بحــكم التخصص، ولذا فإن ما يجـيزه - عـدا حالات نادرة لا تكاد تذكر ـ  يعـتـبـر في نطاق المسموح على أي حال...

وهـناك الكاتب الذي يكـتـب لأن الله "قـدَّر له أن يفـعـل ذلك"، وربما كان  الوحـيد الذي يقـرأ ما يكـتـب منذ عـقـود طويلة... 

 

وهناك الذي تكون كتاباته انعـكاساً لما يقـوله الناس، فإن أشادوا بشيء ما تـبعـهم ، 
وإن انـتـقـدوا شـيـئاً آخر فعـل مثلهم.

 

أذكر أن أحـدهم كتب عـن مسـرحيـة "شـاهـد مـاشـفـش حـاجـة" ، لـعـادل إمـام ثناءً عـطراً، 
وبعـدها بعام كتب عـنـهـا مـنـتـقـداً ، وفي كلتا الحالين كان ينـقـل ما يسمع دون رؤية خاصة به، 
وأشـك إذا كان قـد شـاهـد المـسـرحية أصـلا...

 

وهناك الكاتب الذي "فـقـد البوصلة" ، فانحـرف يـمـيـناً وكـتـب... 
ثم انحرف يساراً فـبالغ ... 
وفي كـلتا الحالـتـين انعدمـت الواقعية وتبعـتها المصداقـية...

 

وهناك الذي كان معـتدلاً ، ثم كتب مقالاً لامس المشاعـر الديـنـيـة  تبعه تصفـيق وتبجيل ،
فأصبح أسيراً لذلك الجمهور الجـديد، حيث لا يبحث عن الفكرة الصائبة بقدر بحـثه عـما يـُسعـد هذا الجمهور. 

 

وهناك الكاتب الذي تحب أن تقـرأ له ولا تراه، إذ هو في هذا مـثل المعـيدي، 
ما إن تجمعـك الصدف به ، حتى تكتشف أنه لا يطبق المثاليات التي ينادي بها.

 

أذكر أن أحد الكـتـاب كان وما زال ،
يتحـدث عن الوحدة الوطنية  الـفـلـسطينيـة في كل ما يكـتب، مع أنه لا يخـفـي تعـصبه للـفـصـيل الذي يـنـتـمي إليـه ، وغير عادل في تعامله مع مـَن هم مـِن الـفـصـائل الفلـسـطينيـة الأخـرى! 

والأسوأ من كل هـؤلاء ذلك "الكـاتب" الذي سافر إلى فـرنـســا  لمدة أسبوع ، فـبهـرته باريس ، "عـاصـمـة الـنـور والـعـطـور" ، والحضارة الأوروبيـة ، فـأخذ يجـلدنا ويهـجـونا بلا توقـف... 

وهناك بالطبع الكاتب المرتزق الذي لا ينافـسه إلا الذي يكتب بالواسطة. 

 

آمل أن تقـرأ مقالات هـذا الأسبوع ، وتصنـف الكُتّاب كما تـشاء، 
علماً بأن كتابة المقال بصيغة المذكر ، لا تـعـني أن الكاتبات خارج التصنيف.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.