تأملات في النقد

حسن سرحان*

1ـ النقد والإبداع
صحيح أن النقدَ، في تكوينه العام، نشاطٌ ميتانصي لكنه من حيث الممارسة العملية المجردة فعاليةٌ ميتالغوية بحكم الضرورة، فهو تعليق على اللغة باللغة. والأدبُ، كما معروف، ظاهرة لغوية قبل أن يكون أي شيء خلاف ذلك. بكلام آخر: الأدب لغة حقيقية، والنقد لغة ثانية رمزية، يحقق عن طريقها الناقدُ اشتغالاته على علاقات وبنية اللغة الحقيقية، من حيث شيفراتها البنائية وقيمها الجمالية وقوانينها الداخلية.
على نحو العموم، هذه هي وظيفة النقد لكنها، وإن مثَّلتْ ركناً مهماً من وجوده ومبرراً أساسياً لحضوره، ليست جوهرَه. في فترة ماضية، كنتُ، تأثراً بالشكلانيين والبنيويين، أتفق تماماً مع فكرة أن النقد، كفعالية ذهنية، مساوٍ للإبداع من حيث كونه مظهراً معقداً من مظاهر العقل. أجدني اليوم أكثر ميلاً إلى الظن ـ والظنُّ من مراتب العلم غير الجازمة عند الفيروزآبادي والجرجاني وغيرهما- بتفوق النقد على الإبداع ولا دخل هنا لقضية التفوق بمنْ سبق منْ، ولا من كان العلة ومن أصبح المعلول، فتلك قصةٌ أخرى. سمةُ النقد الكبرى في القرن العشرين أنه طرح نفسه في أول أمره معادلاً، من حيث القيمة الفكرية والأثر المعرفي، للنصوص الإبداعية، ثم تجاوز هذا الحد نحو تأكيد علو منزلته وتثبيت رجحان كفته. في فترة الستينيات، مثلاً، كان النقدُ يمارس مهمة مراقب السكك الحديد، الذي يتحكم بمسارات القطارات، محدداً لكل قطار مقبل أو مغادر مساره وطريقه الذي يتوجب عليه سلوكه. تلك كانت، على سبيل المثال ليس إلا، حالة رولان بارت وجون ريكاردو وفيليب سوليرس وكل جماعة تيل- كيل.
كان النقدُ يمارس مهمة مراقب السكك الحديد، الذي يتحكم بمسارات القطارات، محدداً لكل قطار مقبل أو مغادر مساره وطريقه الذي يتوجب عليه سلوكه.

أعود إلى النقطة التي أثرتها سابقاً والمتعلقة بجوهر النقد. تتبدى إمكانيةُ تفوق النقد على الإبداع التي لمحت لها آنفاً عند الخوض في جوهر النقد. جوهر هذا الأخير أنه معرفة (بالمعنى الأبستمولوجي والفلسفي) تصيغ القواعدَ وتشرع القوانينَ التي يتم بمقتضاها تنظيم المفاهيم وتحديد الأطر الخاصة بالممارسة الإبداعية. لا أقصد هنا أن النقد علمٌ يقوم على حقيقة واحدة ثابتة ونهائية ما سيعني، لو صح ذلك وهو غير صحيح عندي، تحول النقد إلى معرفة وثوقية، يقينية، جازمة، منغلقة ونهائية. النقد، حسب ما أفهمه، معرفةٌ مرتابة وممارسة علمية عقلانية منفتحة غادرت الثبات والجوهرانية والإطلاق منذ أن أصبحت تقوم على النفي والإثبات. النقدُ عمل في طور بحث متواصل لذلك أعتبره – وهنا سأستعير توصيفاً من باشلار استخدمَه في معرض حديثه عن العلم، لكنني أجده ينطبق تماما على النقد- في حالة ندم مستمر. السبب في هذا أن بناه المعرفية، منذ الشكلانيين إلى اليوم، في تبدل دائم، لأنه لا يمل مراجعة الأخطاء ويأبى الرضوخ لليقينيات الجاهزة التي ينتفي الشكُّ عن نتائجها. ولو شئتُ الذهاب أبعد مما سبق لقلت إن النقد سلطةٌ (ما دام يشرِّع وتشريعاته مقبولة من طرف الإبداع فهو سلطة) لها حاكمية يستمدها من استقلاليته وعدم تبعيته، بينما الإبداع، وفق هذا الفهم، تابع وخاضع ومسيَّر. مصدرُ النقد العقلُ ومصدرُ الإبداع الخبرةُ الحسية، والعقل، كما استقر عليه رأيُ المناطِقة، حاكمٌ على الحس وسيدٌ عليه. إذا كان الإبداع قد تحول من تعبير يقوم على البداهة والبراءة والإنشاء، ويهدف إلى تمثل الواقع والاستجابة لحتمياته، أقول إذا كان الإبداع قد تحول من كل ذلك الذي سبق إلى «طاقة» تتطور خارج حدود المنطق الكلاسيكي فالفضل يعود، بشكل رئيس، إلى النقد وإلى الحدود الأبستيمولوجية التي أنجزها لصالح الإبداع، وقبل بها هذا الأخير وسار على هداها. للنقد ميزة أخرى على الإبداع تتمثل في أنه أقل غروراً واعتداداً إذ أنه لا يطرح غير الأسئلة التي يمكنه الإجابة عليها. هناك أمر آخر يشكل تفوقاً للنقد على الإبداع: النقد ينجز جهازاً مفاهيمياً يتجدد بتجدد أدواته، بينما الإبداع محاولات فردية لا تستطيع دوماً الخروج على المعهود من الأساليب وطرائق التشكيل، بدون مساندة النقد.

تنشر صحفُنا ومجلاتُنا الكثيرَ مما يسمى، تسامحاً، نقداً أدبياً، والحال أن أكثر ما ينشر لا يبتعد عن الشروحات المدرسية المبسّطة التي اعتدنا مطالعتها عندما كنا طلاباً في الثانوية.

 

2 ـ محاكمةُ النقد

تنشر صحفُنا ومجلاتُنا الكثيرَ مما يسمى، تسامحاً، نقداً أدبياً، والحال أن أكثر ما ينشر لا يبتعد عن الشروحات المدرسية المبسّطة التي اعتدنا مطالعتها عندما كنا طلاباً في الثانوية. هذا الشكل المدرسي للتعليق المكتوب يتضمن، غالباً، قراءة تلخيصية غير وافية قطعاً وتحليلاً سطحياً مستعجلاً، يتم الكلام أثناءه عن المؤلفات وسياقاتها البرانية وعلاقاتها بمنتجيها والدوران حول النص الذي يُنظر إليه، هنا، على أنه مادة للتأويل الحر قبل أن يكون واقعة فنية. هكذا نقد يغنيك عن قراءة النتاج المنقود وهذا بحد ذاته مؤشر سلبي تماماً لأنه يؤدي بالنقد إلى أن يحل محل النص. خطورة هذا النوع من النقد أنه يقود إلى إفراط في التأويل، لأنه تلقائي، ثرثار يمارسه في الغالب هواة عاطلون، ربما كان بعضهم على شيء من المعرفة، يدافعون بعاطفية وحماسة عن وجهات نظرهم ويتحدثون بسذاجة ظاهرة عن كرههم وحبهم للعمل الفني الذي اطلعوا عليه. يشبه الأمرُ ثرثرةً وسط رفقة طيبة.
هذا التضخم في ما ينشر من آراء بسيطة يحلو لأصحابها تسميتها نقداً، مسبب للدوار وقد ينتهي ببعث حالة من الإحباط وبطلان النقد الجاد والإحساس بفراغه والتساؤل عن جدواه. هذا النشاط النقدي الفائض الذي يزداد يوما بعد يوم بلا فائدة ويجب أن لا يمنح الشرعية ولا تصح استشارته والعودة إليه، ما دام عاجزاً عن أن يؤسس خطاباً نقدياً ذا أصول وتقاليد. لعل أصحاب هذا النوع من النقد يدركون جيداً أن زمن ما يكتبون لا يمتد لأكثر من اللحظة التي يقال فيها، لذا فهو بلا قيمة تذكر ومصيره أن يشطب سريعا من ذاكرة التاريخ، لأنه مرتبط بشدة بالذوق والانطباع المحكومَيْن بالتغير والتحول. أجد أن الوقت مناسب جداً الآن للتفكير في النقد وتأمل الخطاب الذي ينتجه. أقترح بكلمة أخرى إخضاعَ المنجز النقدي نفسه للنقد والمحاكمة، طالما أنه في نهاية المطاف شكل من أشكال الكتابة، وإن كان مستندا، في وجوده، إلى نص آخر، بمعنى أنه قادر على أن يكون له استقلاله الخاص به وبالتالي قابل لأن يقع تحت سلطة الحكم والتقييم.
هذا النشاط النقدي الفائض الذي يزداد يوما بعد يوم بلا فائدة ويجب أن لا يمنح الشرعية ولا تصح استشارته والعودة إليه، ما دام عاجزاً عن أن يؤسس خطاباً نقدياً ذا أصول وتقاليد.

 

3ـ النقد العربي والنقد الغربي

ذات مرة، سألني صديقٌ صحافي أكن له محبة واحتراما كبيرين عما اذا كان يعدُّ قصوراً الاهتمامُ الذي يبديه نقادٌ معاصرون (ولعله كان يلمح إليّ ومنعه تهذيبه العالي من التصريح) بالمناهج الغربية الحديثة على حساب عنايتهم بالتراث العربي النقدي. من جانبي، لا أرى في الأمر قصوراً ولا تقصيراً، فالمنهج النقدي يدين بوجوده واستمراريته لديناميكيته وقابليته على التجدد والبقاء والانفتاح ولانتصار الارتياب، في مستوياته المنهجية وفرضياته، على الوثوقية وللمراجعة المستمرة التي تستهدف الهدمَ والبناء والفناء والبعث. لا مصلحة لي ولا لأحد غيري (أو هذا ما أفترضه على أي حال) في نكران حقيقة أن للعرب القدماء جهداً نقدياً، لكن يجب أن نضع ذلك الجهد داخل إطاره التاريخي والفكري والاجتماعي، وضمن الحياة الاجتماعية والحراك الثقافي اللذين أنتجاه.
لنعترف بأن هذا الإرث يقع اليوم خارج الزمان، ولأنه كذلك ينبغي عدم التشبث به والتعويل عليه ما دام يمثل نقدا بلا استقلالية وبلا مرجعية مفهومية تنتمي إلى فضاء النص. ليس بمقدور ما وصل إلينا من مؤلفات عربية كلاسيكية تُعنى بالنقد أن تكوِّن في واقع الأمر علماً ذا مشروع فكري واضح القسمات له أدواته ونظرياته وآراؤه التي تميل مع العلم حيثما مال.
نقد العرب القدماء، في مجمله، انطباعي، استنباطي لكونه يصدر عن سلطة كلامية أساسُها البلاغة، لذلك فهو عمل تفسيري، تأويلي، مراوغ يعيش على التكرار والاجترار، يحده حدان لا ثالث لهما: التسفيه والتعظيم. إنه نقد لا تحكمه الأصول العلمية ولا تقيّده النظريات، يخضع لأنماط فكرية مزاجية انتجت قراءات أحادية ذات أحكام جزئية تنطوي على مبالغات استقرائية من الصعب القبول بها. إن الانبهار بالمناهج النقدية الغربية ليس سببه بالضرورة أن هذه المناهج مقبلة من الغرب، بل لأنها، حسب فهمي، زحزحت المقولات السابقة وقلبتها وفق رؤية علمية وجهاز مفاهيمي قابل للتطور ولا يعرف الانغلاق، لأنه عبارة عن منظومة لا نهاية لها ولا مركز ولا تعرف الاستقرار على شكل نهائي. هو بذلك عكس مناهجنا النقدية العربية الموروثة التي تسعى جاهدة إلى إخضاع النص للاحتواء والحبس والإحاطة والعزل، بينما تبذل النظرية الغربية كل طاقتها من أجل تعريض المكتوب الأدبي للتفجير والتشتيت، وربما التهشيم ما يسمح بتعدديته وانفتاحه واشتباكه مع غيره من النصوص.

* ناقد عراقي، المقال عن "القدس العربي"