تبادل الأجانب

مايكل نول*

 
ترجمة: صالح الرزوق**

كان فرانز حالة خاصة كما قالت أم إبريل، فهو ليس مثل غيره من الأطفال. سألتْ إبريل:"وكيف هو مختلف؟ وهل هو مختلف عن أولاد أميركا أم ألمانيا؟". وقالت أمها إنها تقصد ألمانيا الغربية. وإنه عليهم أن لا يلحوا بالأسئلة على فرانز. وأرادت إبريل أن تعرف لماذا. أليست ألمانيا الغربية هي ألمانيا الطيبة؟. فماذا كان أكبر من قدارتنا على التحمل؟ السياسة؟. هزت أمها رأسها كلا. عائلته؟. وصمتت أمها ثم قالت: "كلا، فهمك بطيء". ولكن هذا اغضب إبريل. مدرسته؟. أصدقاؤه؟. ثيابه؟ وجهه؟.

"ما هو الشيء الخطأ هنا؟ هل كلنا أموات؟ وهل سيتغلب في النهاية الألمان الشرقيون؟..
طلبت والدتها منها أن تلزم الصمت. لربما الأشياء على الجهة المعاكسة من المحيط مختلفة فعلا. ولربما كل شخص هناك حالة خاصة. كيف بمقدورهم أن يعلموا؟. لا يوجد أي فرد من عائلتهم زار نيويورك أو حتى كاليفورنيا أو واشنطن العاصمة. أو أي مكان آخر، ناهيك عن أوروبا. ضربت بقدمها وقالت: التزم بالتعليمات وإلا لن يكون هناك تبادل طلاب.
والآن ها هم في مطار مدينة كنساس، والتوقيت هو صيف عام 1989، وبحضور فرانز الذي يقترب منهم بثيابه السود كأنه صورة في لوحة طفولية قوامها كلمات من حروف عريضة وغريبة. وكان يجر حقيبته الضخمة، التي ترى منها طرف قميص أسود متهدل. وها هو أخ إبريل، يسرع لتقديم يد المساعدة، وهو يرفع أكمام قميصه القصيرة، ومنها تظهر عضلاته بحجم ابن الصف الثامن - وكان يتصرف بهذه الطريقة معى كل شخص وفي كل مكان، وحتى مع الأشياء الغريبة- ورفع حقيبة فرانز ثلاثة أقدام عن الأرض، وكادت أن تكسر له ظهره.
"ماذا لديك هنا، أحجار؟".
ربت فرانز على حقيبته وقال:" نعم، أحجار".
ووقفت أم إبريل بين الولدين وقالت:"لا بد أنه يعني فيها كتب".
قال فرانز:"أبدا، بل حجارة".

 

 

•     •     • 
كان حوارهم مع فرانز بطيئا وباردا. كيف وجدت كنساس؟ وكيف الطقس بالمقارنة مع بلدك؟. هل الطعام غريب المذاق؟. كان لدى فرانز ذخيرة جيدة من المفردات. وهم على دراية بذلك من الرسائل التي أرسلها قبل الزيارة، ومن المراسلات الرسمية عن المدرسة وعن اشتياقه لرؤية أميركا- ولكن حاليا، وهو هنا بشخصه، كانت أجوبته محصورة بنعم ولا ("ناين" و"يا" بلغة ألمانية). وهم لا يعرفون شيئا عن الألمانية. مع أنه من المفروض أن يكون التبادل باتجاهين: أنت  تستضيف شابا وترسل من طرفك شابا في العام المقبل. ولكن ليست هذه هي الحكاية. فقد طلبت إبريل الدعم بإلحاح، وأكد والداها صعوبة المسألة اقتصاديا. فما الحكمة من تعلم لغة لن تستفيد منها؟.
ذات يوم في أثناء العشاء، كانوا يتناولون  فطيرة تاكو بصمت، وأثار صوت المضغ أعصاب إبريل، فقالت:"فرانز، هل كنساس تشبه بلادك؟". ولكن فرانز حرك حاجبيه فقط.
وقال:"يا".
قالت إبريل:"هل تمزح؟"، وكانت تأمل أن تلفت انتباه أمها لكنها تجاهلت ذلك.
وأضافت:"هل تشبهها فعلا؟".
هز فرانز رأسه.
"نعم. بالضبط. على سبيل المثال، يوجد الكثير من المباني الجديدة  لأن القديمة قصفها الأميركيون".
كانت هذه أطول جملة نطق بها منذ وصوله، وكان يبدو مرتاحا لنفسه. ولم تعرف إبريل ماذا تقول. وراقبته يلتقط فطيرة بيديه، ويلقيها في فمه كما لو أنها ستهرب منه.
قال بين:"يا إلهي، ولكن لا يوجد تاكو في ألمانيا الغربية".
واعترضت أمه بقولها:"اصمت يا بين". ولكنه لم يرتدع.
قال فرانز:"ناين".
"هل من طعام مكسيكي؟". هز فرانز رأسه وقال:"كلا، طعام ألماني فقط".
"و كيف تقول نعم ولا بالألمانية بينما بقية كلامك كله بالإنكليزية".
قال فرانز:"أنا لا أستبعد أي شيء". وشخرت إبريل من الضحك. ونظر الجميع لها. فقالت:"ماذا؟". وآنذاك لاحظت أن فرانز مد يده ووضعها على رأس بين.
•     •     •.  
في المدرسة كان الأولاد يسخرون من فرانز في كل شيء، ليس لطريقة ملامسته مع الناس ولا لأسلوبه في الكلام، وإنما أيضا للطريقة التي يسير بها ويجلس كما لو أنه عمود فقاري معجون ببعضه، كأنه فرانكشتاين ألماني عملاق وبدين. وهكذا كان الأولاد يحاكونه: الذراعان مبسوطتان، وهو يصيح " ناين".  وفي درس الإسبانية، كان عليه أن يكرر اسم فريدريكو. وكلما لفظه بلسانه الألماني، كل الصف، ليس كل الصف بالضبط وإنما كل شخص من الأولاد والبنات الجديدات يسقطون على مقاعدهم من الضحك. وقبل أن يظهر، لم يكونوا يعرفون كلمة بالإسبانية، ولكن الآن يتداولونها كما لو أنهم يرغبون أن يتحولوا إلى مضحكين، وينفقون كل الوقت بتعلم كلمات مثل "كيف الحال يا سيدComo estas, senor?”؟" .
“نعم، بخير Ya. Estoy bien.”
“هل تفضل طبقا من الدجاج Te gusta que el plato de pollo?”
"كلا".  و حينما يتلامسون بالأيدي وينظرون  في عيون بعضهم بعضا. يقولون:
“و الديك. هل تحب الديك الناصج  Como pito solemente. Me gusta su pito sabroso ahora!”
ثم ينظرون إلى فرانز ويقولون:"انظر يا فرانز،  قالوا إنك تحبذ العضو الناضج Es clar ".
سألت صديقات إبريل إذا كان شاذا، وقالت:" كلا، بل هو أوروبي"، ومع ذلك كان يبدو من صوتها أنها كما تقول والدتها حانقة، لذلك أضافت:"أعتقد يا بنات أنكن تشعرن بالغيرة لأنني سأعيش معه، ولن يكون لكم فيه أي نصيب".
قالوا لها:"آه، توقفي عن هذا الهراء"، ولعل فرانز سمع كلامهم. لم تكن إبريل متيقنة. فهو لا يجالس أصدقاءها في وقت الغداء، وعوضا عن ذلك يختار طاولة كان ولد مُقعد يجلس عليها مع عكازه. ولكن الولد مات الآن، وأصبحت الطاولة لفرانز وحده. قالت لصديقاتها:" هيا تعالوا ننضم اليه".
تبادلت صديقاتها، وهن بنات ترعرعت معهن، بنات كانت تعتقد أنها تعرفهن جيدا، النظرات وقلن بوجه جامد:"طاولة المعوق؟".
قالت إبريل:"لكنه ليس معوقا". كان صوتها عاليا، والتفتت البنات بوجوههن المستديرة نحو فرانز. فحياهن، وانفجرن بالضحك.
"إنه معوق حقا".
وفي النتيجة جلست إبريل وحدها برفقته، كتقدمة خاصة من غرفة الطعام، ولا سيما بعد الضحك والإشارات التي  صنعها طلاب اللغة الإسبانية.
قالت إبريل لفرانز: " دعهم وشأنهم، أو أخبرهم أنهم مضحكون ولكنك نسيت أن تضحك"، فمنحها نظرة براقة غريبة .
وقال:"نسيت أن أضحك؟".
"إنها سخرية".
"لكنني لم أنس. انظري". ثم ضحك بصوت مرتفع والتفت الجميع في الغرفة لهما. ورد عليه شخص بصوت عال:"ديك ناضج Pitos sabrosos".
سألته إبريل:"هل يحصل مثل هذا في ألمانيا؟".
"كلا، أنا لم أتعلم الإسبانية في ألمانيا".
"أعني هل تواجه الكثير من هذه الزبالة هناك؟".
"هل تعتقدين أن أولئك الأولاد يسخرون مني؟".
"كلا".
منحها نظرة أودع فيها ما يعني أنه يعرف أكثر مما تعرف.
وقال:" كلا، أنت تكذبين". ثم نقر على رأسه كما لو أنه باب.  قالت إبريل:"أنت أغرب إنسان التقيت به"، فرد عليها بقوله:"نعم، هذا لأنك لا تعرفين ما يكفي من الناس". ثم لمس ذراعها فابتعدت عنه.
"اسمع، لا يمكنك أن تفعل هذا".
"أفعل ماذا؟".
لمست ذراعه وقالت:"أن تلمس الناس هكذا".
"لأنني ملوث؟".
ولم يكن من الواضح لها أنه يسخر. فقالت:" كلا، لأن". وحاولت أن تفكر بكلمة تعبر عن أفكارها ثم قالت:" لأن الشباب لا يتصرفون هنا بهذه الطريقة. هذا يصدم الناس".
"وهل صدمتك؟".
قالت:" صدمتني ولم تصدمني". وأملت أن يضحك، ولكنه هز رأسه.
نصب ظهره وقال:"لو اخترت الجواب كلا، فهذا هو الجواب الصحيح". وألقى كتفيه للخلف، وصاح بأعلى صوت ممكن:"كلا" وبالألمانية.
•     •     •
في الأخبار سمعا أن هنغاريا بدأت بتكسير الجدار الممدود على حدودها مع النمسا. ومئات الألمان الشرقيين الذين كانوا هناك في إجازة وجدوا أنفسهم فجأة أمام فرصة لتخطي الستار الحديدي، واغتنموها. وهم الآن في ألمانيا الغربية. وتوقفت والدة إبريل عن طهو الغداء لتشاهد الأخبار.
تكلمت همسا:"هل تعتقدون - هل تعتقدون أن الجدار، كيف أقولها، يمكن أن يفتح".
قال فرانز: "كلا".
قالت:"لكن..". وقاطعها بقوله:"أبدا. ولا في مليون عام. ولا حتى إذا الشمس التهبت وتضور الناس من الجوع وماتوا. حتى في هذا الحال سيكون لدينا جدار".
قال بين وهو يجلس على الأرض:"يا إلهي. هذا يشبه الشعر". وتصلبت إبريل واحمر وجهها لأنها كانت تفكر بنفس بالطريقة نفسها.
ودمدمت:"أحمق". فسألت والدتها:"ماذا قلت يا إبريل؟".
"لا شيء".
•     •     •
كانت هي الوحيدة التي فهمت فرانز.  وهل يمكن أن يفهمه غيرها؟.  فهما لا ينفصلان إلا في وقت النوم أو إذا ذهب إلى دورة المياه. وفي الحافلة، لا يجلسان معا، ولكن هذا لا يهم. فالناس يحتاجون لمساحة واسعة، أليس كذلك؟. وهم بحاجة لوقت للتفكير. وبمقدورها أن تراه يجلس هناك، وينظر من النافذة  على الحقول التي نمر بها،وهو يفكر بعدة أشياء: هل عائلتي بخير، وهل أنا طبيعي هنا؟. ولم تعلم هل يفكر بها؟ وترجح أنه  مشغول بالتفكير بها.
بالتأكيد، الجميع يفكرون به. وحينما وجدوا فتاة ميتة في حفرة على طرف الطريق السريع، خارج البلدة - مغتصبة ومقتولة وملقاة من شاحنة - أول شخص فكروا به هو فرانز. هل سمع بالحادثة؟. وسألوا:"أليس هذا جنون؟". وحتى من سخر من فرانز توقفوا ليسمعوا إجابته.
قال:"نعم، في ألمانيا تتعرض العديد من الفتيات للقتل أيضا".
قال الحاضرون وهم ينصرفون:"يا إلهي". ولم يهتم غير إبريل، وراقبته بتمهل،فقد شاهدت كيف تصرف قبل أن يرد، كيف تبدل قليلا، كما لو أنه يضع قناعا. وغاب من أمامها فرانز وحل محله فرانز الألماني الغريب. وأدركت أنه عبر بملامحه من قبل بهذه الطريقة عددا من المرات. كان يحرك وركه وهو يمشي. وإذا دخل من أي باب، ينحني مع أنه ليس طويلا جدا.
قال:" نعم،  هذا غير مريح، تقريبا ارتطم رأسي". ارتطم رأسي، هكذا ردد الأولاد بلهجة ألمانية ثقيلة، وسمع ذلك. فقد كان يتصرف هكذا عمدا. وإبريل على يقين من ذلك.  كان ينظر لمائة ولد منفردين كما لو أنهم جماعة، وكانوا يضحكون معه أو يسخرون منه - ما الفرق- ولا أهمية لما تقول هنا،  أن ترسل كلمات حقيقية لها معنى، إذا كنت تريد أن تصل إلى فرانز، الشخص الحقيقي،  فأنت تنتهي بفرانز المتخيل.
بمقدوره تحويل كل شيء إلى طرفة.
وقال واحد من الأولاد، واحد من الأولاد الأقوياء:"هل تعلم كم عدد ضحايا الهولوكوست اليهود الذين كانوا يحشرون في سيارة واحدة؟. إثنان في المقدمة، وثلاثة في الخلف، وستة ملايين في صحن السجائر".
عقد فرانز يديه.
"نعم، نعم، هذا ما نقول عنه بالإنكليزية طرفة واقعية".
واتصل معاون المدير بالبيت ليتكلم مع أم إبريل. طرفة الهولوكوست مبالغ بها. وقال:"أعلم أنه مستجد. ولكن لو كررها غيره ماذا أفعل؟".
وهذا ما نقلته ام ابريل لاحقا إلى فرانز، في غرفة النوم. وكانت إبريل تصغي من خلف الباب، ففتحته وقالت:"لم يكن هو من نشر الطرفة. اخترعها غيره. وماذا عليه أن يفعل حيالها؟. هل يضرب الولد الذي رواها؟".
قال فرانز وهو يرفع واحدا من ذراعيه كأنه في عرض لكمال الأجسام:"نعم، كان من الممكن أن أقتله".
اتصل المدير مرة ثانية بالبيت بسبب اللمسة. من الواضح أنه لمس شخصا في غرفة الخزانات بعد تدريبات فيزيائية. وكانت أم إبريل بانتظارهم حينما غادرا الحافلة، وطلبت من فرانز أن يأتي إليها في غرفة النوم. وانضمت إليهما إبريل. وحينما شاهدتها أمها، تنهدت وقالت:" حسنا، والآن يا فرانز، اتصلوا بي مجددا. أريد أن أعلم ماذا جرى بعد تمرينات القيافة".
"استحممت".
وكان يبدو على أمها أنها تتماسك قليلا. وتحاول أن تكون شجاعة وهادئة. كانت إبريل تعرف هذا السلوك.
سألت:"هل لمست أحدا - بطريقة غير مناسبة؟.  أعني، في مكان أو بأسلوب لا يريدونه؟".
"كلا".
حملت أمها الوسادة وألقتها إلى الجهة المقابلة في الغرفة. تنهدت إبريل. كانت أمها عالية النبرة، والآن لا تتصرف كذلك. قالت وهي تشير للجزء العلوي من فخذها في أحد ساقيها:"اسمع يا فرانز، أنا أعلم ماذا جرى. لقد لمست ساق أحد الأولاد هنا.". لم يرد فرانز.
"لا يمكنك أن تفعل ذلك يا فرانز. هل تفهمني؟. أبدا. هذا غير مقبول".
و نظر إليها فرانز دون أي عاطفة. ثم قال:"نعم، حسنا".
"كلا لا يمكنك ذلك".
ولم يعد بمقدور إبريل التحمل فقالت:" كرمى لله يا أمي. هو يقول حسنا، إنه فهمك، ولن يكرر ذلك".
نهضت والدتها ووضبت مظهرها، واعتقدت إبريل أن الموضوع انتهى. لكن في تلك الأمسية، حينما كانت في طريقها إلى السرير، جرتها والدتها واختارت أن تدخل معها إلى غرفة الغسيل.
"أصدقيني القول. كيف حال فرانز في المدرسة؟. أنا قلقة عليه. فهو ...". ولم تجد الكلمة المناسبة لتتابع.
قالت إبريل:"غريب". ضمت الأم شفتيها وفكرت، فتابعت إبريل:"مختلف؟".
قالت أمها ببطء:"كلا".
"مختلف جدا؟".
" ليس تماما". كان تفكير أمها كأنه كذبة، كأنها تريد أن تقول شيئا ولكن لا تستطيع، على الأقل ليس أمام إبريل وربما لا تريد أن تعترف به لنفسها.
"تقصدين إنه شاذ جنسيا؟".
وقفت كلتاهما جامدتين، حتى خرج صفير من بين شفتي أمها.
"شيء محزن. هذه هي الكلمة التي أفكر بها. والآن اذهبي إلى فراشك".
"إنه ليس شاذا. ويهوى البنات. وأعتقد أنه ..". وشعرت بنفسها تحمر من الخجل وتوقفت عن الكلام. فقالت أمها:"ماذا يا عزيزتي؟". وحاولت إبريل أن تنظر للناحية المعاكسة وهي تدمدم،:"لا شيء". ولكن هذا لم يوقف أفكارها، ولكن لم يمكنها المتابعة. فقالت والدتها:"هل هذا شيء مهم يا إبريل. المدير اتصل بنا".
قالت إبريل:"معاون المدير"، مدت والدة إبريل يدها ووضعتها على وجه إبريل وضغطت خديها وتلاقت نظراتهما فقالت:"صارحيني". وصاحت إبريل:"حسنا"، وبلعت والتقطت أنفاسها ثم قالت:"أعتقد أنه يريدني".
أفلتتها والدتها فورا  ثم عانقتها وقالت:"آه منك يا عزيزتي".
فردت:"إنه ليس شاذا، وأي إنسان يمكنه أن يلاحظ ذلك". وانسحبت إبريل من بين ذراعي أمها وأسرعت لتغادر البيت وتنفرد بنفسها.
•     •     •
لم يكن فرانز شاذا وهو لا يحب المثليين. على الأقل ليس بهذا المعنى. فهو يلمس الناس في أذرعتهم، وأحيانا في سيقانهم لأنه ألماني، وهناك أشياء تضيع في الترجمة. الناس في فرنسا يعانقون ويقبلون بعضهم بعضا على وجناتهم، أينما تقابلوا. فهل هذا يعني أنهم من الشواذ؟.
نعم، تخيلت أمها تقول ذلك، بلهجة عريضة وساخرة. كل الناس شواذ في فرنسا. وهذا ما أعنيه بالضبط.
وستسألها إبريل:" ما قولك الآن؟". هل هذا حوار، ولكنها لا تحاور أحدا فقد جزمت رأيها، ليس بصراحة، ولكنه إغلاق لباب النقاش. وكلما نظرت أمها إليها، كانت تحصد هذه النظرة، كأنها بالون، وما دام الهواء محبوسا البالون يدور في الغرفة، فقد أطبقت أمها شفتيها. أغلقتهما بإحكام وحبست أنفاسها في صدرها.
وفي أحد الأيام كانت البنات تقفن قرب خزانة إبريل، تتهامسن. وعندما اقتربت، سألتها إحداهن هل لمحت فرانز في الحمام. وقالت أخرى" سمعنا أنه في الحمام". ولم ترد إبريل، فقالت جين:"سمعت أنه دخل معك الحمام ولم يهتم بك. لقد.. تبول وانسحب". وقاومت ضحكة احتبست في صدرها.
وصاحت إبريل:"هذا غير صحيح". وهرعت إلى الداخل  وهي تبكي. ونقرت عدد من البنات على باب الغرفة التي حبست نفسها بها.  وقلن:"نحن متأسفات. جين مجرد غانية". ففتحت الباب وخرجت. وعانقتها صديقاتها، ثم مسحت وجهها بأوراق دورة المياه. وقالت إحداهن:"لم تشاهديه عاريا أليس كذلك". فأطلقت ضحكة. وردت:"كلا ولكن عليكن أن ترين بيجامته". ووصفتها لهن. وسمعت قهقهاتهن حتى قالت إحداهن:"والدي يلبس مثلها"، وقالت البنات:"حقا؟". وقالت تلك البنت:"تقريبا". وبدأت البنات تعترفن أن آباءهن يستعملن قميص النوم أو لا شيء. وغالبا لا شيء، ويستلقون بالثياب  الداخلية. وقالت إحداهن:"هذا يعني أنهم ينامون عراة؟". وقالت غيرها:"هذا لا يعني التعري". ولكن كن جميعا منكسات العيون من الخجل. فقالت:"ربما ستشاهدين فرانز بعريه".
قالت إبريل:"ألاتفكرن  إلا بذلك"، وكانت تسأل نفسها ربما لديها هذه الرغبة.
بعد العشاء، كتبت هي وفرانز الوظيفة على طاولة المطبخ. كان بين قضية خاسرة- أو أنه من الصامدين في الصف الخامس. اختر ما شئت. وقالت إبريل حينما دخل أخوها إلى المطبخ:"فقط الناضجون من يكتب الوظيفة". كان يأكل قطعة خبز وإحدى يديه بجانب سرواله. 
قال فرانز:"نعم، الناس ألغاز". وكان هذا هو صوته التقليدي، ونظرت إبريل له وإلى بين.
قالت إبريل:"النضج ليس لغزا".
"كلا، أنت ناضجة، ولكن أنا لغز".
قال بين:" كما تشاء". وحمل معه قطعة خبز أخرى وعاد من حيث أتى. وراقبه فرانز وهو ينصرف.
قالت إبريل:"انظر، إذا أتيت لزيارتك، هل ستخرج معي بنزهة" ووضع يدها على ذراعه بحذر.
قال:"أنت؟". وابتعد عنها بسرعة حتى كادت يدها أن تسقط وتابع:"لن تأتي إلى ألمانيا الغربية على الإطلاق".
سألته:"لماذا لا". وكانت تعلم السبب. وأردفت:"ربما يمكنك أن تحملني في حقيبتك". كانت تتهكم، ولكنه هز رأسه وكأنه اقتراح جاد.
قال:"أنت لم تحلقي في الأجواء من قبل، لا يوجد ما يكفي من الأوكسجين في الحقيبة، ستموتين وستزكمين رائحة حقيبتي". وعاد إلى وظيفته، وأضاف:"ربما ستزورين المكسيك، فهي قريبة منك، أليس كذلك؟".
قالت:"لن أزور المكسيك".
"كلا، أعتقد أنك لن تسافري إلى أي مكان".
•     •     •
هنالك ولا شك علاقة. هل كانت تحلم بها؟. كلا. وأي إنسان يمكنه رؤية ذلك - حسنا، وربما هذا ليس بمقدورهم، ولكن يمكنها تصور ذلك. كلما  تقاربا، يكون الحال كأن أحدا يجر وجهها ليكون قبالة وجهه، وإن لم تتوخ الحذر لربما سحبتها القوة الخفية على أطراف أصابع قدميها، ثم طبعت شفتيها على شفتيه، ثم لفت ذراعيها حوله، ورقصا معا. وربما سيبدل هذا حياتيهما معا. ثم ماذا؟. إذا شعرت والدتها بما يجري، ستنفجر كل شياطين الجحيم. وداعا يا فرانز- لا يمكنها أن تستضيف شابا يقبّل ابنتها في بيتها. وسترسله لعائلة أخرى، وهناك سيساء فهمه ويطرد، أو يلقي القبض عليه وحش ما، ويضع صورته  على قفا علبة الحليب.
لمصلحته لن تقبله. ولكن كان هذا عسيرا. حينما شاهدا الأخبار قبل العشاء، لم يكن بمقدورها أن تصرف نظراتها عنه، هل هو وسيم؟. هل هو جذاب؟. كلا. ليس جذابا، ولكن توجد أشياء تتطور في بلاده. فألمانيا الشرقية أغلقت حدودها تقريبا مع كل جيرانها. وحتى روسيا أصبحت منفصلة عنها. ولا يمكن لهذا الحال أن يستمر. وسيقع شيء، وحينما يحصل، ستكون هناك من أجله. ولا يمكن لغيرها أن ينقذه. تنقّل والدا إبريل حول الأخبار، وهما يسألان باهتمام:"ما رأيك يا فرانز؟".
"أعتقد أنا من هنغاريا، دعونا نأكل الآن".
ضحكت إبريل وحدها، واقترحت أثناء العشاء أن لا يتابعوا الأخبار، وقالت:"أقصد إذا حصل شيء خطير، سيرن الهاتف، أليس كذلك؟ إذا كان له تأثير على فرانز".
قال:"نعم، عند القنصل رقم هاتفك".
قالت:"أانت لا تساعد نفسك بهذه الطريقة".
ثم كانا يشاهدان الأخبار حينما استبدل مستشار ألمانيا الشرقية بشخصية معتدلة. ونظر الجميع إلى فرانز، فهز منكبيه وقال:" هذا أيضا شيوعي. لم يتبدل شيء".
وفي تلك الليلة، سمعت إبريل ضجة في غرفة المستودع، وهي غرفة نوم في الطابق العلوي يستعملها أبواها بالطريقة التي يستعمل بها الآخرون المرآب. اقتربت من الباب وشاهدت فرانز أمام خزانة البارودة، وكان يضغط خده على ماسورة بارودة. كما لو أنه يستعد، وقد وضع فوهة السلاح تحت ذقنه.
قالت:"إنها بلا ذخيرة"، نظر إليها وضغط الزناد. لم يحصل شيء. قال"بم"، وألقى البارودة على حقيبة قديمة.
"هذا لا يضحك".
"كلا، هو مضحك جدا. ولكن نسيت أن أضحك".
وقفت إبريل أمام الباب وقالت:"أنا جادة. إذا حصل لك أي شيء-"، وارتعش صوتها وأردفت:"لا أعلم كيف سأتصرف".
قال فرانز:"اطلبي الطبيب. هذه الأشياء تترك ندبة" وأشار للبارودة.
قالت: "اصمت يا فرانز"، وفتحت ذراعيها، فتنهد وأقبل نحوها، وتعانقا. ثم دفعها بعيدا وقال:"الوقت متأخر. وقت غير مناسب. كلا". فضحكت بقوة وأخفت فمها بيدها.
في اليوم التالي، انتطرت إبريل فرانز لتذكره بما جرى في الليل، إن لم يكن ذلك من القلب للقلب فهو طرفة. لكنه لم يكن نفسه، كان يجر نفسه للغداء، وصينية الطعام بالمقلوب بين يديه ووجهه قريب منها.
" ماذا تفعل؟".
"أنظر إذا علق الطعام بقفا الصينية".
" لماذا؟".
" لأنني أتضور من الجوع".
كان الآخرون يراقبونه، وانتظرت إبريل أن يعودوا لشؤونهم. ومن بين كل الحاضرين في الغرفة، كانت تعلم أن واحدا منهم كان يضع في الليلة الماضية بارودة قبالة وجهه.  كانت وحدها تجالس الشاب الذي كانت بلاده تصنع الأخبار لأن الشعب على الطرف الآخر من الجدار قد انتفضوا. واتضح لها تاليا، ليس فجأة  ولكن كأنها كانت تعرف ذلك والآن فقط انتبهت لما تعرف، أنه إذا كان هناك طريقك للاختباء في حقيبة فرانز والهرب من كينساس، والابتعاد عن أميركا، لن تتأخر عن ذلك. وحتى لو هذا يعني اللجوء إلى ألمانيا الغربية. أو ما هو أسوأ.
قالت:"أخبرني ماذا  تعلم عن ألمانيا الشرقية. هل زرتها؟".
خفض فرانز الصينية  وانتظر منها  أن ترى كم كان سؤالها أحمق. 
قالت:"حسنا.  بكل تأكيد. طبعا لم تشاهدها".
حرك  الصينية على الطاولة، وقال:"والدي مولود فيها". وتكلم هامسا ولم تسمعه إلا بصعوبة.
"تعني أن والدك قفز من السور؟ كيف؟".
"لم يقفز. توجد طرقات".
لم يخطر هذا لإبريل. وقالت:" انتظر، هذا يعني أنه يمكن للمواطنين أن يرحلوا؟ كنت أعتقد أنهم جميعا في الفخ".
"نعم، الآن هم في الفخ. ولكن في الماضي، ليست الصورة كذلك. كانت هناك تعليمات وقوانين. ويمكنك المغادرة وعدم العودة لـ ٢٥ عاما، بعد أن يكبر أبناؤك، وتشيخ الزوجة".
"هذا ما حصل مع والدك؟".
"نعم".
"وترك أبناءه هناك؟".
"نعم".
"كيف غادرت إذا؟".
"لم أفعل فأنا مولود في ألمانيا الغربية".
"ثم- " وأشرقت الفكرة في رأسها وقالت:"غادر والدك وبدأ مع عائلة جديدة".
ربت على يدها وقال:"نعم".
"وماذا إذا غيروا التعليمات؟ ماذا لو سمحوا له بالعودة".
جلس بتوتر، كأن شبحا استوطنه. وقال بصوت جهوري:"نحن. الحزب. الشيوعي. لا. نغير. القوانين. إلا. حين. توجد. ضرورة. مفيدة".
أمسكت إبريل ذراعه بيديها وقالت:"من فضلك توقف عن التمثيل". سقط على كوعه، فقالت له مجددا:"ماذا إذا بدلوا التعليمات. ماذا يجري؟".
"سيعود لعائلته الحقيقية".
"ولماذا هم عائلته الحقيقية، وليس أنتم؟".
قال:" آه. الفقراء هم حقيقيون دائما". وكانت نبرته كأنه يقرر حقيقة لا يمكن تجنبها. ثم نهض، وحمل صينيته إلى قسم السيدات الموجودات للغداء، ثم إلى الاستراحة، وانتظر هناك حتى قرع الجرس.  ولم يتكلم معها في بقية اليوم، إلا حين الضرورة الماسة. وخلال الأخبار، سألت إبريل هل من جديد. قالت كانت الأخبار كئيبة، ودفعتها للتفكير بالانتحار. وقالت والدتها:"لا تتكلمي هكذا". وردت:" لماذا لا، الناس تنتحر، أليس كذلك. وحينما يقتلون أنفسهم، أعتقد  أن أهليهم يودون لو كانت معاملتهم رفيقة ومقبولة". 
تنهدت أمها وقالت:" لأن حياتك صعبة. كنا لئيمين معك". وقالت إبريل:" نعم". ولكن تجاهلها الجميع، باستثناء والدها، فقد ضحك، ولم يكن هذا الأسوأ، فقد كان هناك ما هو مروع بعد ذلك. أسوأ ما حصل أن الغداء  حان وقته، وتناولوا طعامهم، وانتعشوا بالحياة وأملوا باستمرار هذه الحالة، حتى يلاقوا منيتهم، كما تبادر لذهن إبريل.
•     •     •
كانت تقريبا نائمة حينما سمعت دقات على الباب. ومع أن المكان مظلم، علمت أن فرانز يقف هناك. فظله لا يشبه أي ظل آخر. قال:"من فضلك تفضلي واقرأي معي".
قالت وهي تجر الغطاء لما فوق رأسها:" كلا"، ولكنها لم ترقد، وسمعت أنفاس فرانز عند الباب ثم تخبطه في طريق العودة إلى غرفته. ومباشرة، سمعت أصواتا، وبسبب الفضول، انسحبت من سريرها وتقدمت في الممر، وظهرها نحو الجدار. كان باب فرانز نصف مفتوح، وكان بوسعها أن تنظر من الفراغات بين المفاصل. كان النور مشتعلا، وفرانز وبين معا على السرير. والكتب مبعثرة على اللحاف، وكان الولدان يبحثان فيها، ينظران للأغلفة ويقلبان بين الصفحات. كانت الكتب هي قصص قديمة عن نانسي درو  وقد حصلت عليها في الصف الثالث. واحتفظت بها تحت سريرها، وهذا يعني أن أحدا ما تسلل إلى غرفتها وحصل عليها. فتحت الباب وأشارت إلى بين وقالت:"اذهب لسريرك قبل أن أخبر أمك وأباك".
وباشر بالنهوض، ولكن فرانز وضع يده على كتفه وقال:"كلا، هي ليست معلمتنا هنا".
"تأخر الوقت".
"نعم، ولكن الوقت مبكر في ألمانيا".
قالت:"حسنا، هذه ليست المانيا".
ولكن هذا لم يؤثر به وقال:"كلا، يمكننا أن نتصور أننا في ألمانيا".
 وبدأت بلمّ كتبها، وقالت لبين:"هذه كتب بنات". وقال فرانز:"كلا. الكتب ليست تبعية"، ومن المؤسف أن هذا زاد من جنونها، فألقتها على السرير وقالت:" حسنا، اسهرا كل الليل. وماذا يهمني.  لا  يمكنكما  النعيب في الليل مع البومة والطيران مع النسور في الصباح".
قال بين:" شكرا يا أبي"، وشعرت أن أذنيها تشتعلان بالنار، طبعا لأن هذه هي كلمات والدها. ولم تفهم ماذا حل بها لتردد كلامه، وعادت بسرعة إلى سريرها ولم تغادره ثانية حتى الصباح.
•     •     •
في عالم مواز- غرب كنساس مقابل شرق كنساس مثلا- لا يمكنها أن تتفوه بعبارات حمقاء، ويجب أن تكون دائما اجتماعية، وعلى مشاعرها أن تتواصل مع الآخرين، وأخوها لن يكون حاضرا لأنه لم يشاهد النور بعد. ولكن هذه ليست هي الحالة، أليس كذلك؟. لديها هذا العالم فقط، وأخوها حاضر فيه، وفي الليل، تسهر طويلا وتقرأ روايات نانسي درو مع الولد الذي أحبته. والآن، إنها تكره هذه الكلمة، ولا يمكنها التفكير بها - والكلمة هي الحب.  طبعا باستثناء، أنه لا يسعها التفكير بغيرها. وتحاول إغلاق الأبواب عليها. كذلك بدأ بين وفرانز الجلوس معا في الحافلة. كانا أفضل احتمال. بعد المدرسة يترافقان إلى الرياضة: الركبتان إلى الأعلى، يقفزان، ويرفعان المؤخرة، ويتنفسان ويغلقان الشفتين، ويعومان ، وينهضان، كمثقاب،   ويتحركان. وفي الأيام الباردة، يرتديان الجاكيت حتى  يغرقا نفسيهما بالعرق،  وفي الأيام الحارة، يرتديان القميص الخفيف، وينفق بين كل وقته مشغولا بأكمامه، إلى أن حل ذلك اليوم- وإبريل غير متاكدة منه- فقد قررا أن يتخلصا من القمصان. نظرت من النافذة، وكانا هناك، يقفان على أيديهما ويستندان على شجرة للتوازن. وكان بين يرتكز على يديه، وترنح فرانز  وبدأ يرسم دائرة حول  سرته.
قالت إبريل:"هذا معيب"، وسمعتها والدتها فسألت:"ما هو العيب؟".
"آه، لا شيء".
ثم توجهت إلى الحمامات وشاهدت بين يتأمل نفسه في المرآة،عاري الصدر وكان يمرن عضلاته. بسرعة أفلت ذراعه وبحث عن قميصه، ثم بدل رأيه. رفع عضلة في ذراعه، وحركها وقال:"المسيها".
قالت:"حسنا، هذا شيء معيب. فأنا أختك".
احمر وجهه، ولكن لم يشعر بالعار. وبدأ يتخلص من قميصه بلا سبب مقنع، ولم يكن يرجو أن يتأمل نفسه. وذات يوم عادا من المدرسة، وفورا تخلص من سرواله وفتح  خزانته، وبحث عن مكسرات وزبيب. ودخلت  أمهما وقالت:" ماذا يجري؟. البس قميصك. كرامة للرب".
قال:"ماذا؟ إنه يخنقني. فهو ضيق عند الرقبة".
"سأشتري لك قميصا أوسع".
وفتح كيس هي - هو ، فقال:"لماذا يا أخي؟، لقد كبرت على ذلك". ثم وضع يديه حول رقبته وأبعدهما دون أن يفك تماسك الأصابع ليرى كيف كبرت رقبته. وقال:"هل ترىن؟".
قالت إبريل:"يا إلهي، لماذا نشتري لك الثياب؟". وضحك فرانز وقال:"نعم".
ضحكت، ثم شاهدت وجهه. لم يكن يشبه نفسه. كان تقريبا يلتهب، واستدارت فشاهدت أخاها محمرا من الخجل. وفهمت. قالت:"اصمت يا فرانز"، وكان ذلك ليس سيئا بما فيه الكفاية، كانت تصعد على السلالم في أمسية من يوم السبت، ولاحظت أن باب غرفة نوم بين مغلق تقريبا. ليس موصدا تماما، وهذا غريب فلا توجد غاية من إغلاق باب غرفة النوم  التي لا ينام فيها. نظرت من الباب وشاهدت بين في سريره. وكان يقلب في قسم الثياب الداخلية من دليل مبيعات ج س بيني. وتقريبا صحكت وانسحبت، ولكنها تمهلت قليلا، لتتأمل الزاوية وهو يقلب الصفحات، وكان تقريبا يقرب الكتاب السميك من وجهه بطريقة غريبة، بحيث  يمكنه تأمل واحدة من الصور.
وراقبته وهو يصل لقسم الرجال ويتابع. ولاحظت أنه جر مطاط سرواله ونظر لنفسه. كان هذا فظيعا، ولم يعد بوسعها أن تصبر،و لكنها تابعت المشاهدة وهو يخفض يده لسرواله ثم يسحبها، محتفظا بأنامله كما هي كأنه يقول "حسنا". واستغرقت لحظة لتدرك ماذا يفعل، وحينما فهمت، زعقت برعب، وهربت، وهبطت السلالم، وعبرت من المطبخ، وغادرت من الباب، ووصلت إلى الباحة، وهناك كان بمقدورها أن تقهقه كما تشاء. وفعلت، وانخرطت بالضحك العالي والعميق وهذا لم يسعفها للراحة، ولا حتى بمقدار قليل.
في الظهيرة  خلال دوام المدرسة، من يوم الإثنين، تكلمت مع فرانز.
"أخي ليس مثلك". قالت له.
"ألماني؟".
"هل يمكنك أن تكون جادا؟ أريد منك أن تدع أخي وشأنه".
"ولكن من سيعلمني كيف أنضج وأصبح قويا؟".
قالت:" فقط - من فضلك لا تتصرف بحماقة"، وغرف حفنة من المقالي الفرنسية ووضعها في فمه. ثم قال من فمه المليء:"حماقة؟ هكذا؟".
ثم فتح فمع على وسعه ولفظ المقالي الفرنسية الممضوغة على الصحن.
•     •     •
"هل قال بين"، كانت أمها تنظر من النافذة وهما يتدربان بالقميص، شكرالله، فالطقس بارد. واستغرقت أمها وقتا طويلا لتتابع: "هل قال"، وتنهدت ثم أضافت:"أي شيء عن فرانز؟".
هزت إبريل رأسها، وتمنت أن هذه هي نهاية الموضوع. كانت كلتاهما تنظران بنفس بالاتجاه. نفسه.  كان بين وفرانز قد رفعا أيديهما ثم خفضاها بزوايا حادة قبل أن يصبحا بعيدين عن إطار النافذة. كانا يشبهان صبيين صغيرين. وكان من الممكن أن تعتقد أن هذا كل شيء. ولكن أمها قالت:"هل تعلمين أن فرانز وبين يسهران للقراءة؟".
وتظاهرت إنها مصدومة، وهزت أمها رأسها بوقار ودمعت عيناها وقالت:"كنت أنظف الغرف، ورأيت مجموعة من الكتب تحت فراش فرانز. هانك كلب البقر ونانسي درو".
وانفرجت أسارير إبريل ولم يمكنها التستر وقالت:"حسنا، بين يحب هانك كلب الابقار".
قالت أمها:" لكنه كتاب أطفال. ماذا عن نانسي درو؟".
"وكيف تعلمين أن فرانز لا يقرأها شخصيا؟".
"هما يسهران في سرير فرانز لوقت متأخر، ويقرآن روايات البنات. هل تفهمين ماذا أقول؟ وحملت والدك ليقف وراء الباب ويصغي".
وفاجأ ذلك إبريل وقالت:"وماذا فعلت؟".
"أنت تعرفين والدك. أخبرهما أن الوقت حان ليناما. كل في غرفته".
"هل فعل ذلك حقا؟".
"وأخبرني أنه جاء للأسفل فقلت له حسنا؟ فهل تعلمين ماذا قال؟". وقلدت صوت والد إبريل فقالت:"إنهما يقرآن فقط". وتوقفت عن النظر في عينيها وقالت:"طبعا، هما يقرآن فقط حاليا". وعاد فرانز وبين لمكانهما في للباحة وكانا يؤديان تمرينات رياضية فقالت: "سأقول شيئا".
قالت إبريل:"من فضلك لا".
"لماذا؟". كان سؤالا واضحا، ثم وضعت أمها يدا على فمها وقالت:"انتظري. هل أنت تقبلين هذا".
في الباحة كان فرانز يركع على إحدى ركبتيه، ويرفع يديه. ثم أسرع بين نحوه، واقترب وقفز، وفي نفس الوقت، حاول فرانز أن ينهض ويرفعه. وكان يجهد نفسه ليدفع بين للأعلى، وكان بين يبدو كأنه يحاول أن  يطير، ولكن كلاهما سقط على الأرض، وهما يتدحرجان ويضحكان.
وارتفع صوت والدة إبريل وهي تقول:"هل هكذا ربيناك؟ لتظن أن هذا" وأشارت بيدها من النافذة وأضافت:" طبيعي".
قالت إبريل ببطء:"كلا يا والدتي. هذا غير معقول منك". وأسرعت على السلالم، وأغلقت الباب وراءها بقوة. 
وحان وقت الغداء. الغداء أخيرا. كانت معدتها متوترة ولم  يمكنها تناول طعامها، ولاحظ والدها ذلك، وسألها هل هي مرتاحة. نظرت لأمها قبل أن ترد:" أنا بحال جيدة، طبيعية تماما، وكيف كان يومك؟".
ولم  يكن لدى والدها فرصة للرد.
قالت والدتها:"يا فرانز. كنت أود أن أسال: ماذا ستعمل حينما تكبر بالعمر؟".
كان فرانز يمضغ، واستغرق وقتا ليبلع. ومال في كرسيه نحو الخلف وضغط يديه ببعضهما وقال:" أعتقد...   حطاب".
قالت إبريل أمامه:" يا للمسيح".
وقال والدها:"ماذا قلت؟".
قال بين:"عليك أن تكون قويا.. لحمل الفؤوس، هل تعلم عدد المرات التي تستخدم فيها عضلاتك. هل تستطيع أن تتخيل شكل  ذراعيك؟".  ومد يده ليتحسس عضلات فرانز.
 دفعت أم إبريل يده وقالت:"توقف حالا". وضع بين يديه في حضنه وهمهم، "آسف". وردت فورا:"أنا لا أكلمك". وتوهجت عيناها بوجه فرانز، وأصبح -- أو ربما استعد وأصبح  حقا-- فرانز الألماني. ثم وضع واحدا من يديه على خده ليفكر.
"أتوقف عن ماذا؟".
وفي هذه المرة تدخل والد إبريل بقوله:"أنت تعلم ماذا اقصد".
قاطع فرانز يديه وقال:"هل تريد أن أتوقف عن إطالة شعري وأن أشذبه؟".
خفض فرانز يديه المتقاطعتين. ولم يعلق أحد. ولذلك قرر أنه حان وقته فقال:"أنا مستغرب". ونظر لوالدها وتابع:" لماذا أنت مزارع؟".
ولم يتوقع أحد أن تضحك أم إبريل.  وشعر والدها بالمفاجأة، في كل حياة إبريل لا تتذكر أن أحدا سأل والدها هذا السؤال، وللحظة، كان يبدو أنه يفكر بالموضوع. ثم ابتسم وهز رأسه وقال:"لا أعلم، يا فرانز، أعتقد أنني كنت دائما أود القيام بهذا العمل". وعاد لطعامه. وهكذا انتهى الكلام.
قال فرانز:"إذا لم يكن خيارك أن تكون مزارعا؟. لم يكن عندك خيارات". ومد يديه الفارغتين إلى جانبيه   وقال:"يجب أن تزن الأمور وتصنع خيارك، لكن أنت هكذا لأنك وجدت نفسك في هذا العمل".
وركزت إبريل انتباهها على طبقها - ونظرت للأسفل حتى لا تتورط بما يجري - ولكن لم تتمكن من مقاومة استراق النظر، ولاحظت وجه والدها يتحول لشيء لا تراه دائما، وحمل سكينة الزبدة ومدها نحو فرانز وقال:"أنت ولد ذكي. ذكي جدا بالنسبة لمزارع مثلي". وحافظ على وضع السكين، ثم يبدو أنه انتبه أنه يحملها فوضعها بمكانها، ونظف حنجرته، وتابع الطعام. وحل عليهم الإحساس بالروتين. وعندما انتهى فرانز، دفع كرسيه إلى الخلف. وتبعه بين وفعل مثله، وهنا قالت أم إبريل بهدوء:"الليلة، على الجميع أن يلزموا غرفهم، هل هذا واضح؟".
أومأ بين وفرانز.
وقال فرانز:"لا لهو ولا عبث"، ولاحظ أنه يرتكب خطأ لأن صوته رن في الغرفة حتى صمت. وقالت أم إبريل:"ماذا تريد أن تقول؟". وحاولت إبريل إيقاف ما يجري فقالت:"يعني القراءة ممنوعة". وتابعت أمها بسرعة:"كلا، القراءة ممنوعة يعني القراءة ممنوعة. والعبث واللهو يدلان على شيء آخر".
"أماه، هذا الإنسان ألماني. من يعلم ماذا يقصد".
وحان دور والدها فقال:"أغلقي فمك، ونظفي أسنانك بالفرشاة، واذهبي إلى النوم".
قالت:"منذ  السادسة والنصف؟". ثم قال بين:"كيف يفترض أن نغلق أفواهنا وننظف أسناننا في وقت واحد؟؟.
انفجر فرانز من الضحك.
فهدر والدها: " هيا وفورا". وتفرق الجميع.
•     •     •
ذهبوا إلى أسرتهم، وكان النوم مستحيلا، كان الوقت السابعة إلا الربع. نهضت إبريل وذهبت إلى الصالة، وانفتح فورا باب الطابق الأرضي، وأعلن والدها أن على الجميع الركون إلى غرفهم. انتظرت حتى منتصف الليل وتسللت في الممر وفتحت باب   فرانز. كان نائما. همست باسمه، ولكن بلا فائدة. كان بمقدورها أن تهزه، ولكن ماذا إذا صاح من الرعب. إذا استيقظ والداها يقتلانها. عادت إلى سهرتها البائسة. في الصباح، لم يغادر فرانز غرفته، ولم يعلق أحد حتى انتهى الإفطار. تبادلوا النظر ولم يعربوا عن أفكارهم. وحينما وصلت الحافلة ظهر فرانز، كان يمشي بصمت من المطبخ إلى الحمام، ومشط شعره، ثم تابع بصمت من الباب إلى الحافلة. وحينما حاول بين أن يجلس بجواره تمدد على الكرسي وشغله كله. وقف بين في الممشى مذهولا، حتى صاح بهما السائق، فجلس قرب إبريل. ومد يده إلى جيبه وأخرج كيس مكسرات هي هو. وقال لفرانز:"خذ يا فرانز فأنت لم تأكل. هذه لك". ومرر المكسرات لإبريل وقال:"هل بمقدورك الاحتفاظ به حتى يجوع في الصف؟".
أمسكت المكسرات كأنها منديل كلينكس قذر يعود لغيرها. وقال بين:"ماذا؟". وما هو المفروض أن تقوم به، ما هي الخطوة التالية، هل تمرر الرسائل له كما تفعل البنات في المدرسة. هل تهمس من خلف  باب غرفة نوم فرانز حيث كانا يقرآن معا  وتقول:" لا تقلقا سأحميكما". لم يكن بمقدورها أن تفعل. وهي غير متأكدة أن هذا ما يجب عليها. وقالت لنفسها: على الأقل لا تكوني لئيمة. حملت المكسرات وعندما غادرت الحافلة ودخلت إلى المدرسة، ألقت المكسرات في النفايات.
في تلك الليلة، ذهبت إلى غرفة بين، وفتشت فوق الغطاء حتى وجدت يده. وقالت عند مؤخرة رأسه المكشوف:"هل تريد أن تخبرني بشيء؟". هز رأسه. وعندما همت بالمغادرة، سألها:"هل أكل المكسرات؟".
كان هذا تصرفا طيبا ومثيرا للشفقة، ومثل رسائل البنات. قالت:"نعم.،كان سعيدا لحصوله عليها.  وأكد أن أنقل لك شكره وامتنانه".
"هل قال ذلك حقا؟".
وحان الوقت لتصحح كلامها وتقول الحقيقة لكنها قالت:"نعم".
كانت تتكلم مع صديقاتها بهذه اللهجة وتفكر: هل يجب أن أطلب منه موعدا؟. هل هذا يجوز؟. هل هذا ممكن؟. ولكن لم تصل لنتيجة. ولم يكن لديها ضمان أن هذا مناسب، وطبعا لن يصدقها أحد فهي بلا صديق حتى الآن. فكيف تتصرف. عبثت بشعره وقالت:"حينما نعود إلى البيت في الغد، تصرف بنفس الطريقة- اخرج، وحاول أن تعدو عاري الصدر، وانظر ماذا يحصل".
"ماذا عن الوالدة؟".
وحاولت أن تبسط الموضوع فقالت:"سأهتم بها".
•     •     •
أثناء الغداء أخبرت فرانز أنه يشتد نحولا وقالت:"التمرينات التي تقوم بها مع بين أثمرت".
"كلا، أنا لم أزرع شيئا، أنا لا أقوم بالزراعة لتثمر". وأوشكت أن تدعوه ليكف عن هذه السخافة، ولكنه وقف وصاح:"أنا لا أزرع يا إبريل، كلا، أبدا". وهكذا صمتت.
طوال طريق العودة إلى البيت، انتابها الغثيان والوهن، وحينما دخل ثلاثتهم من الباب، كانت والدتها عند الطاولة. قالت:"اجلسوا، لدي أخبار لكم". ولم يكن عند إبريل فكرة عن هذا الطارئ.
قالت:" هل كنت تنوي يا بين أن تغادر مع صديقك إلى الخارج لتلهو".
لم يرد. كان ينظر إليها هو والوالدة باضطراب. وكان فرانز يقف بوضعه الغامض غير المفهوم. في النتيجة أخذت الوالدة نفسا عميقا وطوت يديها وقالت:"ألمانيا الشرقية فتحت المعبر في  جدار برلين. سمع والدكم الخبر من الإذاعة. قال بوب دول هذه علامة حسنة. والرئيس تحدث عن الموضوع". ونظرت إلى فرانز وانحدرت دموعها وقالت:" لقد حصل، ولا أستطيع أن أعبر عن مبلغ سروري لكم".
ثم جلست هناك.
"هل تفهم ما أقول؟. هذا يعني"--.
"نعم، مفهوم".
في الخامسة والنصف شاهدوا توم بروكوف يقف أمام الجدار والمواطنون يجلسون عليه. وأنابيب الإطفاء تنهال عليهم من الجانب المعاكس.  وكان الناس يتداولون زجاجة شمبانيا، يمسكونها بيد ويأخذون جرعات. سأل بين:"هل تعرفهم".
قال فرانز:" كلا". في تلك الليلة لم يغلق باب غرفة نومه حينما أوى إليها.  وشاهدت إبريل  النور ونظرت من الباب وشاهدته يكتب رسالة.  قالت:" مرحبا" ولكنه لم يلتفت لينظر إليها. ولم يهتم. فذهبت إلى غرفة بين، وجلست على الأرض قرب السرير وسألته:"هل أنت مرتاح؟". هز رأسه. فقالت:" انظر، مرت علينا شهور جنونية. وأرى أنها كانت صعبة، لكن سيعود كل شيء لوضعه الطبيعي، سريعا على ما أعتقد".
"اتركيني وحدي".
فكرت إنه يتصرف مثل البنات، وقالت:" يجب أن لا تخلق أزمة، أنت تعلم ما معنى ذلك عنده. فوالده سيغادره".
ارتجف بين، وبصوت مخنوق قال:"أنا أعلم".
•     •     •
في اليوم التالي، حجز فرانز بطاقة عودة إلى برلين. واتصل موظفو التبادل في تلك الليلة،وحينما هبطت إبريل إلى الطابق السفلي، كان فرانز ينهي إفطاره. كانت حقائبه مرصوصة بجانب الجدار. وهبط بين بعد فترة قصيرة من رؤية الحقائب وتحرك إلى الحمام ولم يخرج منه حتى سمع صوت والده يدوي، ويصفق بيديه ويقول:"حسنا يا فرانز، هل أنت جاهز للانصراف".
حمل فرانز حقائبه وقال:"نعم".
هنا برز وجه بين مجددا. لم يكن يبكي -- كانت إبريل تراقبه. كان مطمئنا. ولم يتمسك بأكمامه ولم يرفعها. صافح يد فرانز، وهذا فرض على فرانز أن يتخلى عن حقيبة من يده، ولكن ليس كلا يديه--  قال له:" أتمنى لك رحلة آمنة".
قال فرانز:"نعم. وحياة هانئة لك".
ثم  شد على يد إبريل، فعانقته. ولكنه لم يفلت الحقائب، مما جعلها تترتطم بركبتيها. وكانت ثقيلة. وحاولت أن تفرج ما بين ساقيها لتقف وتعانق. فأبعدها عنه وقال:" ليس هكذا".
ثم غادر.
•     •     •
ومر شهر -– ربما أسبوعان أو أكثر.  كانت إبريل وبين في الخارج. كان الطقس باردا، والرذاذ ينهمر، وكانت الشمس مشعة، وكان بين يعلو منصة ثم يهبط إلى الأرض وهي تقرأ متمددة في كرسي المروج. كانت الباحة، لهما، واختارا أن ينفصلا بمسافة تساوي حوالي الذراع.
قالت إبريل:"ألا تتساءل عن مصير فرانز؟ وهل غادره والده حقا؟".
اتكأ بين على يديه  ووضعهما على ركبتيه، وأمسك أنفاسه.
قال:"نعم، أفكر به كل الوقت". ثم أخذ نفسا عميقا وعاد للقفز.

 

 

*مايكل نول Michael Noll هو مولف " دليل الكاتب لمهنة السرد". ويعمل بصفة مدير لنادي الكتاب في تكساس.  والترجمة من مجلة كريزي هورس الصادرة عن جامعة شارلستون الأميركية.
** أديب ومترجم من سورية.