تحـنيط 

محمد سهيل احمد*

 

كان القصف المدفعي المتبادل ، وهو يدك أهدافه العشوائية ، كالموت ، قد عقد اتفاقا غير معلن مع الظهيرة على إفراغ المدينة من أناسها ممن غادروا بيوتهم الى ضواحيها الأبعد، او الى بلدات بعيدة تماما عن مرمى الصواريخ. 

لأمر نفسه انطبق على شارع الملذات وأزقته الخلفية باستثناء جنود الجبهات الأمامية ، ممن شوهدوا يتسكعون بحثا عن ملاذات هنا او هناك ؛وكلاب المطاعم والبارات الموصدة الأبواب وعدد لايزيد عن اصابع اليد 
من مجانين المدينة توهمت بأنني العاقل الوحيد بينهم ! 
 
بين القلة من المحلات المنتشرة في ذلك الشارع ، حافظ صديقي الخياط على رباطة جأشه مواصلا خياطة بذلة عقيد في الجيش،  متعللا بأن البقاء تحت سقف محله ، حين يشتد القصف أفضل ألف مرة من التعرض لمطر القصف الوبيل . هكذا واصل غرز أبرته في نسيج قماش ( السرج ) متفاديا وخزاتها بدرع كشتبانه الرصاصي المخرم ،مرتشفا بين الفينة والفينة عرقا زحلاويا نفاذ الشذى ممتزجا مع وخامة الأركان وبقايا 
عرق الأجساد ودخان السجائر وبساطيل الجنود وقشور المقبلات المتناثرة على الأرضية ، عاركا زر آلة التسجيل لينبعث صوت أم كلثوم مرددا .. "الأمل لولاه عليّ كنت في حبك ضحية .... "   
من خلال عدستي نظارته السميكة نظرني بصرامة معلنا في اقتضاب : 
ـ يبدو انك محظوظ .. هذه المرة .. 
سألته وأنا ارسم على فمي ابتسامة : 
ـ لست انا بل هو الموشوم بالنحس ..
ناولني ميدالية ضمت في حلقتها مفتاحا : 
ـ ستجدها هناك .. لكن عليك ان تسرع الخطى . 
 ثم أردف وكأنه يختتم حديثا طويلا بيننا : 
ـ ليس لديها مأوى تذهب اليه . ستبيت الليلة في الأغلب في الأستوديو .. وغدا ستغادر. هذا اذا توقف القصف تماما. 
دسست المفتاح في جيبي وغادرت المحل .
 
 3 
مجنون أنا حقا . ولو لم أكن كذلك لما امتلكت أدنى قدرة على التحمل. لم يكن جسدي بحاجة الى نار زرقاء او صيف قائظ كي يتقد .لا ادري لماذا عزوت الأمر الى وحدتي والى الجوع الذي يتوغل في كل خلية من خلايا دمي .كنت أشبه بمن يقيم في محطة لا تتوقف عندها القطارات بل تندفع كنيازك نحو أقاليم ظلام دامس.
دسست المفتاح في ثقب الباب وأدرته دالفا الى داخل الأستوديوــ الشقة . 
استطعت اثناء لحظات العماء  التي غمرتني، وأنا اجتاز عتمة الفناء ،ان استعيد تآلفي مع المكان الذي طالما اعتدته واعتادني . كنت بحاجة إلى بعض الوقت للتخلص من وهج الخارج المتعلق بأهدابي بعد مغامرة  الدخول ، وها أنا الآن في صالة المرسم التي يريق مصباح التنغستن على جدرانها المتصدعة نورا شاحبا، لألمح أشباحهم المقعية على أرائك الصالة المصرصرة .فأشيح  بعينيّ إشاحة غير المتيقن الى الجدار المقابل للمدخل حيث صور فوتوغرافية بالأسود والأبيض تتحلق حول صورة ملونة متوسطة الحجم، تمثل فراشة محنطة بين طيات حجر كهرماني اللون في ازرقاق راتينجي متصلد . 
 
فجأة فتح باب الغرفة لتخرج منه امرأة خمرية اللون ترتدي منامة فولكلورية الألوان .مسحت الجالسين بعينين مسبلتين مغمغمة : 
ـ تعالوا في الغد .. أنا مرهقة جدا. 
تعلو أصواتهم في نغمة احتجاج تحمل مزيجا من نفاد صبر فيما يردد احدهم : 
ـ كلا .. أما الآن او نعيدكِ الى حيث كنت تتسكعين. 
تقلب عيناها نظرات حائرة قبل ان ترسل يداها رسالة رضوخ عائدة الى الغرفة .استأنف التحديق في الصورة المعلقة على باب الغرفة ذاهلا عن الوقت غير شاعر بفداحته، ولا باقترابي من باب الغرفة بعد ان أمسى دوري التالي بعد آخر من دخل .التفت إلى الوراء لأجد الارائك الثلاث وقد احتشدت بصفوف لا نهائية من منتظرين  اعرف بعضهم : جندي في اجازة ، طالب مسائي ، بائع حمص مسلوق ، مخبر سري ، اسكافي وآخرين أخفقت في التعرف عليهم . وثمة من أشار اليّ بأن لا أطيل المكوث في الداخل . لكنني حين دخلت لم أجد ألمرأة المضطجعة . كان السرير فارغا والنافذة نصف مفتوحة في الوقت الذي سمعت رفرفة جناحين لأبصر في النور الكابي فراشة تغادر الغرفة إلى الخارج ،حيث عري الفضاءات السابحة في ما تبقى من أشعة شمس الأصيل.
 
أديب من العراق.