تـَمَـائِـمُ البَـطـْمَـة

إدريس الواغيش*

شجَـرة بَطمَـة مُـبارَكة دون غيرها من شجَـر البَـطم، من أين جَـاءتها البَـرَكة؟ لا أحَـد يَعْـلم، بَعْضُهم يقول إن بَـذرتها نزلت في ليلة القـَدْر أو في ليلة من الليالي المُـبَاركة، آخـرُون يقولون إن وَلـيًّـا صالحًا استظل تحت ظلالها وهو في طريقه إلى الحَـجّ، والبَـعض الآخر يقول إن شيخا جليلا تبنـَّاها حتى كبُـرت، وحين عَـلت وصَلـُب عُـودُها جَـاء شكلها على خلاف نظيراتها من البُـطـْمِـيَـات. لكن أهل القرية كـُلهم والنساء كـُلهن خـُصوصا، يُجمِـعُـون بدون استثناء على أنها مُباركة ويُعَـلقون عليها تمَـائِـمهم. 

 الشجرة مَـركـُونة في رُكن قصيّ من مَـدخل القـرية،
عُـصفوران جَـميلان فـَوق الشجرة
ذكـر وأنثى يستمتعان بظلالها الوَارفة، يُغـردان، يتناجَـيان
تترنـَّح شجَـرة البَـطمَة يمينـًا ويسارًا فرحـًا بألحَانهما
يتـزوَّج العُصفوران، يضعَـان بيضًا 
تكـُثر الأعْـشَـاش فوق البَـطمة، تتكاثر معَـها العَـصافير، ويزداد الضَّجيج. يتطايرُ إلى العُـقبان السَّابحة في السَّماوات العُـلى والثعَـابين الجائعَـة، تأكل ما شاء لها من الطيُـور والعَصافير.
تنقرضُ الطيُـور وينقطع تغريدُها وضجيجُـها، تنصرفُ الثعابين إلى حَـال سبيلها، تبني العُـقبان أعشاشا كبيرة مكان الأعـشاش الصغيرة فوق أغصان البَـطمة، وتنقل إليها كل الطـَّرائِـد من الطيور والخراف والجـِيَـف والأسمَاك.
تتكـدَّسُ العِـظام والرّيـش وأشواكُ أسماك النهـر المُجاور وصوف الخِـراف وأغصان شجَـر السِّـدر فـوقها بشكل مُـقـَزِّز، تتحَـسَّسُ البَـطمَـة وَطءَ العُـقبان كل يوم، تختنق، مع ذلك تتحَـمَّـل عُـنف صمتها في اللحَظات الهَـاربة، يَـدُّب المَـوْتُ تدريجـيًّا إلى كل مفاصلها إلى أن يسقط آخـر غُـصن فيها.
تمُـرُّ الجَـدَّة قربَـها، لم تعُـد البَـطمة خَضرَاء ولا السَّماء زرقاء، تأخذ نفسـًا عَـميقا وتعُـودُ بالأيام إلى الصِّـبَـا تتفحَّصُ الذاكـرة، تنظر إلى السماء الدَّاكنة فوق رأسها وتعُـدُّ تجَاعِـيد وجهها ثم تتذكـَّر: من هنا مَـرَّت مع أمها ذات ربيع، وكانت ما زالت شابـَّة تـَدُبُّ الحَـيويَّـة في شرَايينها، هي الأخرى علقت تمَائم غزيرَة مثل غيرها من البنات على أغصان البَـطمَة واستنجدت بفـَتيلات الثـَّوب المُـلون ثم انتظرت عَـريسًا يَـدُق بَـاب دارهم، عاندَت دَمْـعَـاتها الحَـبيسة وأكملت طريقها غير عَـابئـَة بشيء...!. 
بَـطمة الأحلام وبعد كل هذا العُـمْر طويل، ما زالت واقفة على تخُـوم المَـوت، تجُـرُّ وَراءها كومة من الأحْـزَان والخـَيْـبات والأوهَـام مثل عَـوانس لا حَـظ لهن، استنجدن بأغصانها وفـرَّ منهن العِـرْسان تباعا إلى ديَـار الغـُربة بحثا عن عَـوالم ورَاء العتمة.
 غابت العُـقبان وغاب معها العِـرسَان، والجَـدَّة تتأسَّـفُ عليهـن في صمت، لم تعُـد البَـطمة الكبيرة مَـلاذا كما كانت كي تعلقـن عليها تمَائمهن مثل البارحَـة، ولم يعد لهُـن مهرب آخر غـَير النظر في أسى إلى أحلامهـن وهي تتـشظـّي مَكـُلومَة في صُـدورهِـن..
 
* أديب وإعلامي من المغرب/ فاس.