تنميط الذات وغياب العقل

د. علي المرهج*

 
تحدث علي الوردي عما أسماه بـ "الإطار الفكري" وتحدث محمد أركون عن "السياج الدوغمائي"، وكلا المفهومين يرومان قصداً واحداً، هو أن نجعل من فكرنا رهين لتفكير عقل آخر أكثر حضوراً وفاعلية في المشهد الفكري "الأيديولوجي"، أو نجعل عقلنا أسيراً يسير بهدي السجان. أو أن نجعل من أنفسنا طوع بنان محبوب لا سجان، لكن في الأمرين غياب لعقلنا وحضور لعقل آخر، يُمارس لعبة التحويل والتغيير، كُرهاً مع السجان، وطوعاً مع المحبوب، وكلاهما إستلاب وإغتراب عن ماهية وجوهرية الذات وشخصانيتها ووجودها الحقيقي، ففي حالة السجين والسجان، يكون السجين طوع بنان السجان، لا ينطق إلَا بما لقنه به وما يرغب بسماعه، وهنا يكون الإطار هو السجان والمؤطَر هو المسجون، ولن تجد في المؤطر سوى رسم ممسوخ لما رغب راسم الإطار "السجان" في رسمه لشخصية المستلب "السجين" الذي مُسخ وجوده الإنساني لصالح وجود آخر لا علاقة له به سوى علاقة الإستلاب والاغتراب.
أما في حالة العشق والهيام فهو اختيار حر لنفي الذات وجعل الوجود الذاتي مُستلباً وغائباً لصالح وجود المحبوب، وفق قاعدة "عين الرضا عن كل عيب كليلة"، يصل بها المحبوب للـ "النيرفانا" أو الفناء في ذات المحبوب بلغة الصوفية، أو الحب العذري بلغة الشعراء، ولنا في قول جميل بُثينة تعبير عن فناء ذات الحبيب بذات المحبوب:
تعلق روحي بروحها قبل خلقنا     ومن بعد ما كُنَا نطاقاً وفي المهد
 
ولربما نخلط بين المفاهيم ونُزيد اللبس في المفهوم إلتباساً بين غياب الوعي والتعقل لصالح عقل قاهر في الفكر أو السياسة، وبين غياب الوعي والتعقل لصالح من نُحب إفراطاً، ففي التعبير عن المحبة الصادقة إفراط وتفريط، إفراط في التعبير عن الهيام في المحبوب وتفريط بحضور العقل وقبول بغيابه في حال حضور أنا المحبوب بكل جماله وبهائه الذي يشف عن وجودنا الكامن بوجوده!.
وفي الحالتين معاً ستكون الذات غائبة أو مُستلبة بفعل القهر والممارسة العُنفية مرة، كما هو الحال مع السجان والسجين، وأخرى تكون الذات غائبة ومُستلبة بفعل إرادي يُنبئ عن رغبة في الوجود مُعلنة لا مُضمرة، هو وجود الآخر الطاغي حضوره على حضور الذات التي تماهى وجودها مع وجوده، فكان فناؤهما وتوحد وجودهما إعلان عن وجود كُلياني أكثر قبولاً للمعنى من الوجود الضامر في الوجود الفردي.
وعود على بدء حينما يحضر الإطار وتغيب الأفكار، سيكون وجود الذات في  هذا الحال كعدمها، ولربما ينطوي مفهوم العدم حسب الفهم الوجودي على إثبات وجود حرية الإرادة، لكن سبق الإطار عند من غيّب العقل وفعّله في انتاج الأفكار لا إرادة له ولا مسؤولية يُمكن لنا أن نسأله عنها، لأنه صيَر من وجوده وإرادته وكأنها تعبير عن وجود الغير وإرادته لا تعبير عن ذات الإنسان الحر "المُتفرد" بتعبير "كيركيجارد" ووجوده.
"كن رجلاً ولا تتبع خطواتي" هي عبارة فولتير التي رام منها الدفاع عن إنسانية الإنسان، ولكن فولتير لم يدر في خُلده أن من الرجولة أن تٌغيب الذات بفعل إكراه، كمثال السجان"، أو بفعل محبة، كمثال الرغبة في طُغيان حضور المحبوب وهيام الحبيب رغبة لا قسراً في غياب الذات وفنائها في ذات المحبوب. فهل للمُستلب من قُدرة على الثورة والرفض لهذين الأمرين؟.
لا أعتقد أن له القدرة (بحكم الإستلاب) على الفرز بين الخيارت، إلَا بالقدر المُتاح له من القبول بالتننميط والنمذجة والخضوع للقوالب الجاهزة التي صبها له "السجان"، "سجان أسر السياسة والأسر أو سجان أسر المحبة"، مالك عصا وصولجان الأمر والنهي قهراً أو حُباً.   
كتب كارل بوبر كتابه "أسطورة الاطار"  وقد ذكر عبارة "أن السجون هي الأطر"، وأولئك الذين يمقتون السجون سوف يُعارضون الإطار"، لأنه قيد تضيع فيه القدرة على انتاج المعنى الخاص للذات المُتفردة، ليكون المعنى في العلم والفلسفة أسيراً لرؤى الجمع، فلا خيال يُرتجى ولا حلم نبتغي تحقيقه بظل هيمنة "الأسيجة الدوغمائية"، تلك التي رسمت لنا رؤانا النظرية وفق آراء فلاسفة "الحتمية التاريخانية" التي نقدها بوبر في جل كتاباته لا سيما كتابه "بؤس التاريخانية" أو "عُقم المذهب التاريخي" أو في كتابه "المجتمع المفتوح وأعدائه". 
 
* استاذ فلسفة/ العراق ،الجامعة المستنصرية.