جسدٌ لماء يسرده الضوء

منعم رزقي*

"جسدي خرقة تخاط إلى الأر     ض فيا خائط العوالم خطني"
أبو العلاء المعري
 
لا تغلقي أبواب الجسد ونوافذه الصغيرة، دعي ليلنا الخائفَ يدخل متسللا من هناك، حيث أعضاؤنا الشفيفةُ تصطفي حرائقها الجميلة، حيث أصابعنا العمياء ترسم شهوتها على مقبض الباب،
 لم أحسب أني سأصير موجةً وأسكنُ عينيكِ، كنت أهيّء موتا بمقاسي، وأظن أن سماء صغيرة في يديّ تكفي لتَكْوِينِ الأرض كي تولد الكائنات، أخطأت التشبيه إذ يلسعني الآن رماد من أنقاضها الموحشة،
  - أتَرَيْنَني..؟
متدثرا بجمرة عُرْيِي، أكتُمُك كالطلقة الأخيرةِ، كالصرخة التي تردي، كحصار بداخلي وأشتعلُ:
-  العالم أصغر من نهديكِ والرعشة أشد عمقا من الموت..
يا امرأة تفترسُ جلدها، خبئي أحلامكِ الزرقاء تحت وسادتي، ولا تحترقي حين  تترطمين بالشموس التي علقناها في السقف، افتحي رعشةً نَسْكنها؛ كوني نارا وابعثيني يَصِير لي جسدٌ من دخان، القيامة هائلة والمجازرُ في أَوْجها، وثمة بحر مشتعل سيدخل من الشرفةِ، ثمة حمى ستتقمص صقيعَ السرير..
اقتلي أسماءكِ،
اقتلي أشياءك وأعطابك القديمةَ كي تلديني، احتويني كفراغ طيّع واعتصريني كهواء، وقولي: انتَ هبائي الذي ينبغي أن أصير إليه كل ليلة، اسكنيني، أُعدّ لغموضنا الواضح الكحليّ مهدا، وأمدّ لهاثي تحت ضلعكِ كساحبة، هذا أنا، بهشاشةٍ نازفةٍ وجحيمٍ في الصدر، بيني وبين اندلاع عينيك مسافةُ شهقةٍ وخطى تَجُرّ رعبها،
وجهي يُبَدّدُ أسرارهُ ويداي تغمسكِ بالضوء،
أصاحبُ أنفاسَكِ في سقوطها الأعمى؛
أُعلّم أعضاءكِ فيزياء التحليقِ وهندسة الخلق،
   أنتِ
    التَّوَهّج
      الشفيفُ
          لشَفرةِ
             الليل؛
أعذار القُبلة لجرحها حين يمتصهُ عاشق،
مجبولة بالرّماد وبي، لكِ ترفع الجُسوم معادنها الطريةَ وتنهالُ الغرائزُ بفاكهةِ الشبق الغامر، لكن، لا ابتهالَ الآن في لساني كي أرمي الأرض بالصواري النابية والكلمات الصلصال، صوتي يابس.. وعيوني لا تنغلق، قلبي الرازح تحت أنقاضي يقضمه البرد، الجوع الذي يأكل من أصابعي، وجهي المسكوك بخرابه - وجهي الذي يشتمني في المرآة .  أنفاسي الزاحفة من عراء إلى آخر - هل أنا هو الذي ليس أنا هو؟
جئت لأدلّ الشياطين على ملائكة تختبئ داخل الوسائد، لم أذهب إلى شيء، محفوفا بالريح تركتُ أنفاسي مبعثرة تحت الدّرجِ، وقفزتُ من عَلِ صرختي كي أبصر هياكل المشيئة تتجعد، ارتطمت بأبعادي، هَوَيْتُ كالطريدة في انتظار أن أحترق مثل غواية تؤلّب العبث على فخاخه،
سئمت البحث عن صورتي في الماء،
يدِي يَعضُّها الرمل
أنصهر مثل نار تفترس نفسها،
أدرب الموت على الحياة بأجنحة مقصوصة،
أحصي الأخطاء والكسور، ثم أحصي الأخطاء والكسور، أستعير لها قناعَ بكاءٍ سابق، أخفي تقرّح الشهقة بضحكة كاتمِ الصوت، أتقمص ملامح البقرة الضاحكةِ وأكشف عن أنياب من الصدأ والخيش النافر، ليس أمامي إلا ورائي وسدنةٌ يجرّون الظل لاهثين، كَرِيهٌ أن يزاحم اللحدُ مساحةَ المهد فيختنق الجسد بقاطنيه ويتقلص السرير كالإبرة، كريه أن يضيق الوعاء بالأشباح الرخام والبشر القوارض - تقبير المسافة يولّد جحيم الآخر وتعذيب الذات - أين أختامُ القبور لأرصد جثتي بما هي زمن يتعفّن خارج مكانه؟
منقرض هوائي..
منقرضة رئتي..
منقرض الخز الأغنى..
منقرض مديحي وهجائي..
منقرضة أعراف الرخام وأحكام الزئبق..
منقرضة بطولة الجير..
منقرض رثاءٌ فضّ الجرح وأهوى..
منقرضة جدران ترتدي فرو القنافذ..
منقرض ريش أحرقه الأثير..
منقرض صخب الشاشة العمياء والمشهد الأخرس..
منقرضة مكائدي وفخاخي..
منقرضة عظام النبات/ أضراس الغيوم
        وسلالةُ
        التخومِ
       الرّخوية.

* أديب من المغرب.