جمال أبو حمدان في كتاب للناقد إبراهيم خليل : المقدمة..

Printer-friendly versionSend to friend
عن دار ورد الأردنية للنشر بعمّان
 يصدر قريباً كتاب "جمال أبو حمدان قريب من الذاكرة بعيد عن النسيان(176ص) لمؤلفه د. ابراهيم خليل وهو دراسة تقع في ثلاثة أبواب أولها عن منجزه الروائي، والثاني عن آثاره في القصة القصيرة، والثالث عن آثاره في المسرح. وكل باب من هذه الأبواب يتألف من فصول عدة. ويتضمن الكتاب علاوة على التقدمة خاتمة ومسردًا بآثار المؤلف. ويذكر أن المؤلف أصدر كتابين أولهما عن الروائية ليلى الأطرش: جولات حرة في مرويات ليلى الأطرش من 1988- 2014  وثانيهما عن الراحل العلامة ناصر الدين الأسد، وآثاره في اللغة والأدب، وسيصدر له كتاب آخر رابع في 176ص بعنوان : "محمود الريماوي من القصة إلى الرواية (1972- 2017) ".   
 
وفي ما يأتي النص الكامل لمقدمة كتاب" جمال أبو حمدان قريب من الذاكرة بعيد عن النسيان". 
   
"لو لم يكنْ  جمال أبو حمدان كاتب روايةٍ، وقصةٍ قصيرةٍ، ومسرحيَّةٍ، لكان شاعرًا، بلا رَيْب، ذلك لأنَّ منْ يقرأ آثارهُ، تتكشَّفْ لديه ظاهرةٌ تَطْغى على ما يكتُب، وُيؤلّفُ، وهي ظاهرةُ الشعر، التي تنْبَعث بإشراقاتها من خَلَل السطور، والحوار، وحتى منْ خَلَل الألفاظ النفَّاذة العَبِقَةِ بما تخثَّر فيها منْ ماءِ الشعر، وروْنقِ القريض. وما يتصادى في أنْساقِها منْ إيقاعاتٍ موسيقيَّة، وجروسٍ رخيمَةٍ، يتعمَّدُ الحفاظَ عليْها في السرْد، والوصْف، والإنْشاد، وكأنها ضرْبةُ لازم، مما يقرِّبُ نثرهُ من الشِعْر؛ سَلاسةً، وتراكيب.  
ففي أعْمالِه المبكِّرة نجدُ الرمْزَ، وهو أداة  تعبير في الشعر أكثر منَ النَثْر، ولو أنَّ النثر لا تعوزهُ الرموز في قليل من الأحيان. فأبو حمدان يتوسَّلُ بالرموز في قصص " أحزان كثيرةٌ وثلاثةُ غِزْلان "، فالبندقيَّة في يد الجندي المهزوم رمزٌ، والصحراء التي يتيه فيها الجنديّ المدْحور رمزٌ أيضًا، وزليخة، التي تحيلنا إلي شكل غير مبسَّط من التناصِّ الديني، هي الأخرى رمزٌ. وهذه الرموزُ لا تظهر في قصَصِه ظهور الماركة المسجلة التي تلصقُ على البضائع الكاسِدَة، شأن غيره من الكتَّاب، بل هي رموزٌ لها جذورٌ بعيد في ترْبة النصّ. ونستطيع أن نشيرَ للطابع الرمزي لقيْس بن الملوح، في قصة " من هنا طريق قيس ". ومثلما يعتمد الشعرُ على الأساطير، يعتمدُ أبو حمدان في خطابه القصصي على الأسْطورَة، وإنْ لمْ يعتمد على الأسطورة، اتخذ من النموذج التاريخي الذي لهُ حضورٌ شبه أسطوريّ في الوعي الجمْعي بديلا للأسْطورَة.  وهذا واضحٌ في قصص فراس الصابي، وقصة أبي ذر الغفاري، وقصة سبارتاكوس، البطل الأسْطوري الذي يرمز لثورة العبيد في العصر الروماني. ومن المؤسِفِ أنْ يَذهبَ باحثٌ أكاديميٌ في دراسَةٍ له عن المرْجعيَّات الأسطورية في القصة الأردنية القصيرة للزَّعْم بأن مفلح العدوان هو أول من كتب القصة القصيرة معتمدًا على الأسْطورة في مجموعَتِهِ الرَحى. وهذا-  فضلا عن أنَّه رأي متسرعٌ، لا يقومُ على دراسة، وبحثٍ، جادَّيْن- فإنه مخالفٌ للواقع، فأبو حمدان كان قد أصدر مجموعته " أحزان كثيرة وثلاثة غزلان " قبل مفلح العدوان بنيف وعشرينَ عامًا، وقد أتبعها بمجموعاتٍ أخْرى، وقصص نشرت في مجلاتٍ، وفي أوقاتٍ متباعِدَة، علاوةً على أنّ كتابًا آخرين، منهم فخري قعوار، التفتوا لاسْتخْدام الأسْطورة. وفي " مكانٌ أمامَ البَحْر " نجد القاصَّ (أبو حمدان) يبتعثُ السندباد حيًا من أوراق ألف ليلة وليلة، مثلما ابتعث شهرزاد في مسرحية له بعنون " حكاية شهرزاد الأخيرة في الليلة الثانية بعد الألف " وزرقاء اليمامة في مسرحية بعنوان " رؤية أخيرة ". ومنْ يقرأ قصَة السندباد المذكورة، يستولي عليْه أسلوبُ الكاتبِ بما فيه من حديثٍ عن الزورق الورقيّ، وهو حديثٌ يجعلُ من النَثْر القصَصيّ شبيهًا بقَصيدَةْ نثْر لشاعرٍ لا يخلو شعرهُ من براعةٍ، وجوْدة، لا كشعْر المتشاعرين، ممن لا يقْدرونَ على التفريق بيْنهُ، وبيْنَ النَثْر.  
والعَجيبُ الذي يسْترعي النظرَ أنَّ مَسْرحيَّة " ليلة دفْن الممثِّلة جيم " وهي نثْرية، تكادُ تكونُ في بعْض المشاهد، والحوارات، شعرًا لا يُعْوزْهُ الوَزن، ولا تنقصُهُ القوافي. ها هوَ ذا يقولُ على لسان أحَدِ الشُخوص: 
في يوم الفرْحَةِ والأشْواقْ 
تدهمُنا ذكْرى موْتانا  
فيهِلُّ الدمْعُ منَ الأحْداقْ 
في يوم الندْبِ على الموتى  
يدهمُنا نِسْيانُ الماضي  
ويفجِّر ضَحِكاً في الأعْماق. 
وهذا الأسلوبُ الذي يغلبُ عليه الشعريّ نجدهُ في الحوار الذي يحتدُّ فيه النقاش بين المتحاورين، والخِلاف، مثلما نجدُه وجودًا لافتًا للنظَر في مَسْرحيَّتُهُ "صنْدوقُ الدُنْيا". ومن يتتبَّع ذلك بصبْر يجد الكثير من الأمثلة التي تدل دلالاتٍ مؤكدةً على ما تتَّسمُ به لغته الدراميِّة من علاماتٍ أسْلوبيَّة تميّزُها عن لغَة النَثْر، وتقرّبُها من لُغة الشِعْر، بعيدًا عن ركاكة المسْرح الهابط الذي يُهيمنُ على هذا الفنِّ منذ عقود ٍكثيرةٍ. 
وفي مَسْرحيَّة " القُضْبان " نقرأ هذا الوصفَ على لسان السَجَّان " كانتْ عيناها حقلا أخضر ، يمتدُّ.. ويدعونا.. وكنّا خيلا كابيَةً.. وفرساناً مهزومين.. ولا نقدر على الخروج من هذا الجلْدِ العَفِن. الضيِّق. ولا نتجاوزُ هذه القضبان.. " . فهذا قولٌ يتضمَّن دلالاتٍ عدَّةً يوميءُ إليها، ويوحي بها، البعدُ الرمزيُ للحقل، والخيل، والفرسان، والعفَن، والقضبان.. ونستطيع الوقوفَ على مثل هذا الأداء في مسرحيته " حكاية شهرزاد الأخيرة في الليلة الثانية بعد الألف ". ونقرأ ما يستهل به أبو حمدان روايته " الموتُ الجميل " قائلا " المكان قصيٌ عن كلّ المواقع،مغلَّفٌ بصمت غامض، وعلى جدرانه حشائشُ شرّشتْ بين الشقوق.. ثم اشرأبَّتْ رؤوسها اللَّدْنة تستطلعُ مَقْدَم الشمْس، ومغيبها.. النور يسقطُ من شقوق مُوارَبَة.. ويختلط بغبار دقيقٍ كأنه طلْعُ زهْرة الزمَن الذابلة .. " استهلالٌ طافحٌ بالنعوت المجازية المبتكرة: مغلفٌ بالصمت..الصمت غامِضٌ.. رؤوس الحشائش اللدْنَة.. طلْع زهرة الزمن. الزمنُ ذابلٌ.. وهذا التكثيفُ المجازيُ لا تفتقر إليه سرودُه، ولا حواراتُه، ولا مشاهدهُ الوصفية، لا في القصص القصيرة، ولا في الرواية. ومع ذلك، لا تخلو، أيضًا، روايته من ومضاتٍ تظهر هنا، ووَمَضاتٍ تظهرُ هناك، تقرب خطابه القصصي، والروائي، من لغة الحديث اليومي. ولا يخلو خطابه الدراميُّ من استعمالاتٍ تقتربُ بهِ منَ الأداءِ التداوُليّ، وتحقيق التوازنِ بيْن الشُخوص، والحوار الذي ينطلقُ على ألسِنَتها، ما كان منهُ حوارًا فرديًا داخليًا، أوْ ما يُعرفُ بالمونولوج، أو حوارًا غيرَ فرديّ، متعدِّد الأقطاب، أو ما يعرف بالديالوج. وهو، في جُلِّ الأحوال، لا يفتأ يُلقي على خطابه برداء الشعْر الرقيق، المتناغِم، الذي يؤثِّر في المتلقي تأثير السِحْر، ويعْذُبُ في سمْع القارئ عذوبَةَ رنَّاتِ المثالثِ والمثاني.  
ولهذا نرى في آثارهِ ما يحفِز الدارسَ، والباحِثَ، ليتناوَلها محلّلا، مُبرزًا ما فيها منْ مزايا ينْفردُ بها عنْ غيرهْ منْ الكتَّاب الذين تملأ أسْماؤهُم الساحات، وتُسلَّط الأضْواءُ على أعْمالهِم في  الصُحُفِ، والفضائيَّات، وتدارُ كؤوسُ التقْريظِ مُتْرعَة في الثناءِ عليْهِمْ في المؤتمراتِ، والملتَقَيات. وفي هذا الكِتابِ، الذي نَأملُ أنْ يكونَ هديَّتَنا المتواضِعَةَ للقارئ، دِراساتٌ، ومَقالاتٌ، كُتبتْ في أزْمنَةٍ مُتَباعِدَة، حوْلَ أعْمالٍ لهُ في القصَّة، والرواية، والمسْرحِيَّة، لعلَّ فيها ما يُلقي الضوءَ على تميّزه في هذهِ الفُنون، وما يُشيدُ بذكْرهِ، فهْوَ كاتبٌ، وفنَّانٌ، قريبٌ من الذاكِرَة، بعيدٌ عَنِ النِسْيان.