حدود العلم في رواية "صانع الملائكة" 

د.عمر الخواجـا*

ما بين العلم والأدب علاقة مستمرة ومتبادلةK ولكن السؤال الذي تطرحه الرواية حول العلم: ماهي حدود العلم؟ في رواية (صانع الملائكة) للكاتب البلجيكي شتيفان بريجس ترجمة محمد عثمان خليفة (العربي للنشر والتوزيع القاهرة 2016 )  يتحدى البطل العبقري الدكتور  (فيكتور هوب )  حدود العلم وينصب نفسه خالقا يصنع ويطبق ما يخطر على باله من الأفكار.  تعتمد الرواية في موضوعها الرئيس على عملية الاستنساخ والتي تقود لتشكيل أجنة دون عملية التزاوج. لقد أحدث استنساخ النعجة دوللي عام 1997 ضجة كبيرة وطرح العديد من التساؤلات العلمية والأخلاقية وصولا للسؤال المرعب: ماهي حدود الاستنساخ البشري وإمكانية تطبيقه علميا واحتمالية تقبّله أخلاقيا ودينيا؟.

تتسلسل أحداث الرواية من ناحية فنية عبر ثلاثة مستويات : عودة الدكتور فكتور هوب الغامضة لقريته، ثم الرجوع بالقارئ نحو الطفولة الغريبة للبطل، وفي النهاية متابعة الأبحاث العلمية الجينية للعالم والتي تتضمن مغامرات وألغاز تقود لنهاية مأساوية حزينة. 
يعود الدكتور فيكتور هوب لبلدته ( فولفهايم ) بعد غياب استمر عشرين عاما مُثيرا عاصفة من التساؤلات المتلاحقة، خصوصا وهو يصطحب معه ثلاثة توائم مما يحرك قدرا مضاعفا من الفضول لدى السكان حول غيابه الطويل وعودته المفاجئة وأطفاله المتشابهين. تتحرك أحداث الرواية بطريقة سلسة مصورة ردود أفعال السّكان تجاه تصرفات الطبيب الغريبة، والذي يحاول أن يبتعد عن الأقاويل والتعليلات والاشاعات  من خلال حرصه على عدم الاحتكاك بالأهالي، وإبقاء كافة الأمور الخاصة به وبأطفاله طي الكتمان رغم اختياره ( شارلوت مينوت ) للعناية بشؤون البيت والأطفال. لقد اعتاد السـكان بمختلف أعمارهم وأطيافهم الطباع الغريبة للدكتور هكتور لكن ثقتهم العلمية به ازدادت بعد حوادث عديدة أظهرت قدرته المهنية كطبيب خبير في التشخيص والعلاج. بقي موضوع الأطفال الثلاثة المتشابهين موضوعا ضبابيا شائكا مُغلّفا بكثير من الغموض والأسرار والألغاز، بداية من أسمائهم الملائكية ( مايكل وجبراييل ورافاييل ) مرورا بكونهم متطابقين شـكلا وموضوعا ويشبهون أباهم في معظم تفاصيله الشكلية، وحتى عيبه الخلقي الذي ورثه عن ابيه ( شفة مشقوقة ) ، وانتهاءِ بوضعهم الصّحي الغريب ولذي يدل على أنّهم يتمتعون بأجساد أكبر من أعمارهم المفترضة، ويعانون من ظواهر صحية غريبة مثل تساقط الشعر والتقلبات التي تظهر على بشرتهم وأجسادهم الرقيقة ،تحاول المربية مينوت الحصول على تفسيرات منطقية لذلك التكتم الشديد الذي يفرضه الدكتور حول الوضع الصحي والاجتماعي للأطفال الثلاثة ، وهنا تدور الأسئلة الصعبة في مخيلة مينوت حول من تكون أمهم ؟ هل هم نتيجة علاقة عابرة للدكتور أم زواج فاشل؟ ما السر وراء معاناتهم الصحية المستمرة وعدم توافق صفاتهم الجسدية مع أعمارهم الزمنية؟  لماذا يحرص الدكتور على التقاط صور متلاحقة لهم في مختلف أحوالهم؟ ما السر وراء الوقت الطويل الذي يمضيه الدكتور في مختبره الغريب المليء بالأنابيب والسوائل والمقصات العجيبة؟ 
جملة من الأسئلة المتلاحقة تدفع المربية للبحث بفضول شديد في أوراق الطبيب ومختبره الغريب ( ... وفي النهاية وجدت في اسفل تلك الكومة – مجلة nature  خبرا أخيرا عنه كان موجزا وحمل عنوانا عبر عن محتواه ( جامعة آخن : استقالة فيكتور هوب ) شعرت برعدة تتسلل عبر جوانحها ،وفزعت عندما ألقت نظرة على تاريخ المجلة 3 يوليو 1984 قبل وصول الدكتور الى فولفهايم بثلاثة أشهر  ص 140 ) وهنا يحدث التحول الكبير في الرواية حيث تستمر المربية في البحث والتقصي، وتتسارع وتيرة الرواية في العودة بالقارئ للماضي حيث الطبيب الباحث المبدع الذي يمارس ابداعه العلمي على الرغم من الظروف الاجتماعية والثقافية التي تعاند رغباته العلمية وطموحاته المستقبلية البعيدة المدى، وهنا يتدخل الراوي في الجزء الثاني من الرواية  ( يمكن ايجاز مسيرة فيكتور المهنية في الأدبيات العلمية على النحو التالي : نال عالم الاجنة الألماني فكتور هوب درجة الدكتوراه من جامعة آخن في الستينيات بأطروحة ممتازة عن تنظيم دورة الخلية وأمضى عدة سنوات في بون يعمل كأخصائي الخصوبة وفي عام 1979 ابهر المجتمع العلمي من خلال انتاج ذرية من الفئران من أب من جنس وحيد وشغل كرسي أبحاث في جامعة آخن وفي ديسمبر عام 1980 اذهل المجتمع العلمي مرة أخرى عن طريق استنساخ الفئران  فقد كان اول عالم يطبق بنجاح تقنية الاستنساخ على الثديات   ص 152). 
في هذه المرحلة يعود بنا الراوي الكاتب للماضي البعيد حيث  يسلط الضوء على  الطفولة البائسة التي عاشها الدكتور فكتور، ومعاناته الاجتماعية فقد تم معاملته كطفل معاق غير قادر على الكلام او التعلم ( وبالتالي تم تصنيف فيكتور هوب ضمن الحمقى ولأنه لم يتكلم كلمة واحدة فقد افترضت الأخوات أنه لم يكن يعرف أيّ كلمات أو يفهمها  ص 169) لقد عاش فكتور المراحل المبكرة من طفولته  في دير مخصص للأطفال المعاقين( لقد شخصوا حالته على انها تخلف عقلي هذا ما أكدته الفحوصات رسميا  ص 164 ) ولكن إحدى  الأخوات في الدير تعتني به وتعلمه القراءة وتنجح في ذلك ،ثم يتم نقل الطفل الى مدرسة داخلية حيث تبدأ قدراته العلمية بالظهور ويبدأ اهتمامه العلمي وطموحه البعيد بالتشكل، حيث يتميز في مواد العلوم الطبيعية ويبدي عدم اهتمام بالتعليم الديني،  ويظهر هذا الامر من خلال الكتب التي يستعيرها من مكتبة المدرسة فهي كتب علمية فقط أما اجتماعيا فيستمر تحفظه الملحوظ وجموده الغريب تجاه العلاقات الاجتماعية ( وكان من الطبيعي أن يعتقد من حوله وهم يرون تلك اللامبالاة أن فيكتور قد أقام حوله جدارا يحميه من كل أذى يوجه إليه وأحيانا ما يكون الأذى بالمعنى الحرفي للكلمة عندما يلقون عليه بالورق أو يصوبون عليه الكرات أو بالمعنى المجازي عندما يضايقه الحمقى الصغار وينعتونه بأقبح الصفات ص 285 ) ويظهر ذلك من خلال علاقته الغريبة بوالده والتي تبدو كعلاقة رسمية اكثر منها علاقة ابوة، ويتضح هذا من خلال ردة فعله حينما علم بوفاة والده منتحرا فلم يظهر عليه أي تأثر عاطفي وكأنه كان يتوقع مثل هذا الامر. امّا والدته والتي رفضت الاعتناء به حين ولادته بتشوه خلقي موروث ( شفة مشقوقة ) فلم يشاهدها الا حينما كانت على وشك الموت، ولم يعلم أنها كانت أمه إلا بعد أن ماتت ولكن ذلك لم يحدث عنده أثرا عاطفيا . أما على الجانب الآخر فتتواصل المسيرة العلمية للدكتور من خلال تجارب الاستنساخ البشرية التي يجريها على المتبرعات موثقا تجاربه من خلال العديد من الملاحظات والمقالات التي ينشرها في الدوريات العلمية  كانت ثقته بنفسه وبقدراته العلمية قد جعلت منه مناطا للتساؤل بين أساتذة الجامعات فطموحه العلمي في تجاوز الواقع الملموس لم يكن مثار اعجاب من اساتذته بل منطلق تخوف حقيقي نظرا لتعبيره المباشر عن إيمانه بعدم وجود حدود تقيّد العلم فهو يعتقد بقدرته على اجتراح نتائج غير مسبوقة  في مجال الاستنساخ  حيث نقرأ في الصفحة  240  الحوار التالي بين أساتذة الجامعة حوله   (.. وخلال اجتماع بشأن البت في تعيين فيكتور قال الدكتور مازيراث يذكرني أحيانا بـ جول فيرن الذي كتب عن صواريخ الفضاء من قبل حتى اختراع محرك الوقود . وعلق الدكتور جينيه أستاذ علم الوراثة السابق بذكاء: ولكن هناك فارقا فقد حصر جول فيرن نفسه في تأليف القصص ولم يجرب ابدا تطبيق أفكاره. وعاد الى هذه النقطة لاحقا حينما أخبره ريكس كريمر بأن فكتور برغب في تجربة استنساخ الفئران عندئذ صاح جينيه : أرأيتم هذا هو ما اقصده نحن بالكاد تعلمنا الوقوف بينما هو يستعد للركض وقال مازيراث: انه يرفع سقف الطموحات العلمية ولا أعلم ان كان هذا امرا جيدا او سيئاً . وافقه كريمر قائلا : هذا ما قاله لي بالضبط عبر التلفون اننا نحن العلماء نفرض حدودا على انفسنا وان العديد منا يرتكب هذا الخطأ ) وتستمر تجارب فكتور وهي تقوده من نجاح الى نجاح  ، وهو ما تم في 10يناير 1981. قامت مجلة "الخلية" بتخصيص الغلاف لصورة الفئران المستنسخة، وكان مقال فكتور هوب هو المقال الرئيسي وجاء رد الفعل هائلا وأصاب الذهول كبار العلماء من جميع انحاء العالم ،واثنوا كثيرا على العالم العبقري وغطت الصحف المحلية والعالمية الموضوع وانهمرت الطلبات على فكتور لاجراء مقابلات ولكنه كان يرفضها الواحدة تلو الأخرى كما رفض ان يتم تصويره مع الفئران. ص 259) .
وإلى جانب هذا النجاح العلمي الباهر والتقدم الذي يحرزه العالم فيكتور تزداد ثقته بنفسه واعتزازه بعلمه الذي يؤمن بقدرته على تجاوز كافة الحدود ،ومن هنا تظهر علاقة العالم القدير الجاد والذي نادرا ما يتحدث عن الدين بالمعتقدات والايمان بوجود خالق بما يمثل العلاقة ما بين العلم والدين ويظهر ذلك جليا خلال الحوار في الصفحة 262 من الرواية.
وقد أصاب الحوار جسد العميد بالرعشة فهذا العالم العبقري يجعل من العلم والايمان عنصرين مختلفين تماما (فالدليل في الدين غير مادي اما في العلم فإن الدليل أساس كل شيء ص 263) . يواصل الطبيب أبحاثه العلمية متجاوزا قرارات الجامعة وآراء العميد حيث أنهم يعلمون أنه يجري أبحاثه التجريبية على الفئران بينما هو في واقع الامر يجري تجاربه باستخدام أجنة بشرية، في تحدّ صريح لحدود إدارية وثقافية واخلاقية تطبيقا لعدم إيمانه بوجود حدود للعلم وقدراته.
وهنا تبدأ الحقائق عن الثلاثة توائم المتشابهين للدكتور هوب بالوضوح أكثر حيث يفتح الكاتب أمام القارئ بابا واسعا للمعلومات، رابطا ما بين طفولة العالم وأبحاثه العلمية الجريئة وحاضره الغريب، حيث يكتشف القارئ أن هؤلاء الأطفال الثلاثة هم نتيجة أبحاث الاستنساخ السرية التي أجراها الطبيب على الأجنة البشرية حيث يتابع القارئ مع عميد جامعة آخن السابق ريكس كريمر بحثه وملاحقته الحثيثة للعالم ( ... وكان يعلم ان الثلاثة مستنسخون من الطبيب وانهم متطابقون في الشكل تماما وحتى أدق التفاصيل وأخيرا كان يعلم ان الأولاد ما زالوا على قيد الحياة  ص 322) وهنا  يظهر التحدي العلمي الجديد والذي يواجه الطبيب العبقري فهؤلاء المستنسخون يعانون وضعا صحيا شاذا ( .. فمن بين الأسئلة المتداولة بين علماء الاحياء وهو لغز لم يحله أحد بعد: ما العمر الحقيقي للكائن المستنسخ؟ حيث أن الخلية التي توفر النواة تأتي من شخص بالغ فإن خلايا المستنسخ ستكون بحكم التعريف أكبر بكثير من الخلايا الناتجة عن التلقيح الطبيعي  ص 325) وهنا يحاول الطبيب العبقري أن يظهر قدراته التي تقف عاجزة أمام التطورات الصحية التي تحدث لهؤلاء الأطفال فجلودهم المجعدة والبقع الداكنة على بشرتهم  ورؤوسهم الصلعاء تظهر أنهم يسيرون نحو شيخوختهم،  وتبدأ الرواية بالمسير في منحى عاطفي حينما تظهر على مسرح الاحداث تلك السيدة التي استخدمها العالم او استخدم رحمها لزرع الاجنة فيه (ولم يكن التعويض المالي الذي أصرت عليه والذي دفعه الدكتور فورا علاجا لتخفيف آلامها فقد كانت تأمل أن يموت ضميرها بتقاضيه فهي وافقت على أن تضع جسدها تحت تصرفه وليس روحها ولكنّها الآن تشعر وكأنها عاهرة بل أسوأ من أي عاهرة ص 361 ) وهنا تقرر ( ريبيكا فيشر )  البحث عن هؤلاء الأطفال والاطمئنان عليهم كي تُكفّر عن ذنبها، فهي تشعر بعاطفة الأمومة تقودها نحو التكفير عن تقصيرها وجمودها العاطفي السابق وحينما تجد الأطفال بوضعهم الصحي الصعب تحدث نفسها (انه لا يحبهم ولم يحبهم هذه هي الحقيقة هو لم يحبهم لأنهم ليسوا أولاده هم أولادها لذلك أهملهم أوضحت لها تلك الفكرة ضرورة ألا تفكر في التخلي عنهما لقد كانت أسوأ غلطة ارتكبتها ولم يعد في وسعها تصحيحها ولم يتبق لها الآن سوى أن تتأكد من أن تكون الى جوارهما طالما بقيا على قيد الحياة  ص 375) ... تسير الأحداث بعد ذلك بشكل متسارع نحو موت مفاجئ وغريب  للأشخاص الرئيسين في الرواية، ولكن الدكتور فكتور يهندس طريقة موته بيديه حيث يصلب جسده بنفسه في طريقة غريبة عجيبة . تنتهي الرواية بموت أبطالها ولكن نتيجة الأبحاث العلمية للطبيب العبقري تُثمر طفلا يرى في نهاية الأحداث النور  دليلا أكيدا على قوة الحياة في مواجهة الموت.
تبدو فكرة الرواية وطريقة تسلسل الاحداث فيها كعملية استشرافية للتساؤلات الأخلاقية والاجتماعية التي أثارتها عملية الاستنساخ ، فهذا الطبيب العبقري المجرد من العاطفة ينظر للأطفال المستنسخين وكأنهم كائنات مخبرية بينما تتحرك العاطفة بشكل قوى لدى تلك السيدة التي أجّرت رحمها لأبحاث الطبيب وتجاربه الجريئة ، هذا التحدي الكبير الذي يبديه الدكتور فكتور متجاوزا التقاليد الاجتماعية والقيم الأخلاقية والتعاليم الدينية فهو في أبحاثه الجينية يرى انه يقوم بما يشبه عملية الخلق ، في النهاية يكون الموت بالمرصاد الموت الحتمي والذي يفاجئ الجميع ،ولكن الكاتب لا يقبل للعلم ان يخرج مهزوما فيجد له منفذا لمواصلة الحياة عبر طفل جديد مستنسخ لكي تتواصل المواجهة.
 "صانع الملائكة" رواية المستقبل الجيني والاستنساخ وهي رواية التحدي والعلم والابداع والجنون. 

* كاتب وأكاديمي من الأردن.