حسناءُ سطيف

سُوف عبيد*

ـ1ـ
تأخّر نوّار اللّوز هذا العام ونوار اللوز لرؤيته بهجةٌ...بهجةٌ اِفتقدتُها هذه الأيام كأن نوّار اللوز أخلف موعده في تونس مرّة أخرى.
لم يكن سفري إلى الجزائر قد أعددت له، أو مبرمَجا ، لكنّي عندما أحسست بالضيق من البلاد والعباد ودعتني جمعية المتقاعدين برادس إلى المشاركة مع ثلّة كريمة في رحلة إلى شرق الجزائر اِستجبتُ لكأنّها صادفت - حاجة في قلب يعقوب - وقلت لعلها تكون فرصة للاستنشاق هواء جديد ففي الجوّ غبار خانق... وسافرْ تَجدْ عِوضا...وكفاكَ مِنْ حَمل أوزار الورقة والقلم
 
ـ2ـ
كانت الرّحلة مضنية حقا...ليل ومطر ورياح وصقيع... رياحٌ عاتية والطريق مرتفعات ومنحدرات وكل ذلك طويناه ولا بأس...إلا إجراء الِانتقال بين الحدود التي يشيب لها الغراب
عندما أصبح الصّباح بالغيوم وصلنا إلى مدينة سطيف أخيرا.
تركتُ الجماعة الذين رافقتهم وقد يمّمُوا قِبلتهم شَطر الأسواق ليملؤوا حقائبهم بالبضائع ويخُوضوا في بورصة الصّرف والأسعار في هذه وتلك... وهنا وهناك، ورحت أجُوب مدينة سطيف المتربّعة على هضاب المنطقة الشمالية الشرقية للجزائر.الجزائر هذا البلد الشاسع الأرجاء المتنوّع التضاريس والمناخ والأصول والحضارات تلك التي اِنصهرت مُهجتها في اِنسجام ووئام وتحالف وتآلف - وعَقدت العزم أن تحيا - كما أنشد شاعرُها مُفدي زكرياء فقدّمت التضحيات وتمكّنت بعد المكابدة من نيل الاِستقلال عن فرنسا التي جعلت من الجزائر مقاطعة أو ولاية فرنسية ولم يكن في حسبانها أبدا أن تتخلّى عنها وما مجزرة يوم 8 ماي 1945 التي واجهتْ بها القوات الفرنسية المتظاهرين في سطيف والتي خلفت 45 ألف شهيد إلا دليل على مدى تشبّث فرنسا باِحتلالها للجزائر ولكنّ الشّعب الجزائري الأبيّ - أراد الحياة - فنال اِستقلاله.
 
ـ 3ـ
أنا الآن وهنا في مدينة سطيف وعند ساحة الاِستقلال القريبة من القلعة البزنطية والحمامات الرومانية وساحة الاِستقلال محاذية أيضا للمسجد التركي والمباني الإدارية...هنا مركز المدينة وعلى غير عادة مراكز أغلب المدن الكبرى فإن مدينة سطيف تبدو هادئة فلا ضوضاء ولا ازدحام ولا صخب فالحياة تمضي فيها سَلسة في هدوء وسكينة وحتى التَّرَام الذي يشق السّاحة جيئة وذهابا تراه يطوي سكته مُنسابا فإن كان ولابدّ من
التنبيه لأمر ما فإنّك تسمع له جرسًا يرنّ كنقر الأصابع على البيانُو.
 
ـ4ـ
مضيتُ أتملّى تفاصيل جمال هذه المدينة المُختطّة على الأنموذج الأوروبي فبَصمات المعمار الفرنسيّ ما زال واضحا للعِيان في العمارات والشرفات وفي سطوح القرميد المخروطية الحمراء المناسبة للمناخ الشّتائي ولتساقط الثلوج
باردٌ هو اليوم في سطيف وفُندق ـ البشير ـ الذي نزلنا فيه يُطلّ على الساحة وهو دافئ ومُريح لكنّ ذلك لم يُغْرنِي بالبقاء في غرفتي، فالسّير على الأقدام اِستهواني وحُب اِكتشاف هذه المدينة دعاني فخرجت أمشي فالمشي يبعث الدفء ويساعد على التأمل، وعندما شعرت بثقل الحذاء  قلتُ لا بأس أن تجلس في مقهى مع كأس شاي بالنّعناع ويكون فاتحة لتبادل الحديث مع أهل البلد فالمقهى بمَن فيه وما فيه يُمثل خلاصة المدينة.
 
ـ 5 ـ 
الناس في سطيف على قدر كبير من اللطف والمدنيّة، وحتى عندما كنتُ أقطع الطريق فإنّ السائق يتمهّل من بعيد ويُفسح لي المجال، ولاحظت أن الشوارع والساحات والكراسي فيها نظيفة وعندما دخلت حديقة وسط المدينة وجدت صندوقا يضمّ كتبا متنوّعة للمطالعة فالكتاب عنوان الحضارة  والرّقيّ وكذلك المقهى فإنّك تجد آنية السّكر موضوعة على الطاولات حتّى على طاولات الأرصفة التي تعجّ بالمارة، فلا تسمع صخبا ولا خصاما ولا زحاما إلا أن يبادروك بالتحيّة فيقولون سلاما سلاما..
سلام يا سطيف على حَمامك تراه يختال أمامك في اِطمئنان وأمان، أو يرفرف حول نافورة - الفوّارة - أو يحُطّ على حَسْنائها التي كلما مررتُ من ساحة الاستقلال حيث الفندق رأيتُها جذلى ناشرة جدائلها في تمام الحُسن والجمال تُنصت إلى رقرقة الماء المتدفّق من تحتها ومن الجهات الأربع والزّائرون حولها  مُعجَبون وهم طائفون ومُتأمّلون ومُصوّرون وهي لا تحرّك ساكنا لكأنّها غير شاعرة بهم فهي تبدُو تسبح عاليا وبعيدا في ملكوت  الفنّ والإبداع و ـ تَبارك اللّهُ أحسنُ الخالقين ـ
حَسناء سطيف تلك هي مَرمر أبيضُ صقيل أبدعها إزميل النحّات الفرنسي الإيطالي ـ فرنسيس دي سان فيتال ـ سنة 1800 كما هو منحُوت في أسقل التّمثال وقد شاركتْ تلك الحسناءُ في معرض باريس الكبير سنة 1898 ورآها حاكم سطيف الفرنسي وقتذاك فأسَرَتْ فؤاده ولم يستطع فراقها ولم يُطِقْ الُبُعد عنها ولا صبرًا فأتى بها وجعلها على نُصْبٍ بديع في هذه الساحة عند ـ عين الفوّارة ـ التي لها شأنٌ كبير عند أهالي سطيف جيلا بعد جيل وعصر بعد عصر...فسلام عليها وأزكى سلام
 
* أديب من تونس.