حلم العالم في الترجمة

حوار مع : هيلين كاردونا

أجرته: اليسون وليامز
ترجمة وتقديم: خضير اللامي* 
 
العالمُ يتحوّل بتزايد الى عالم  شامل لا يمكن تجاهله ، غدت الترجمة فيه اكثر صلة ، وعابرة للحدود، حيث الاختلاف والارضية العامة من خلال الفن . وتحدثت الشاعرة والمترجمة والروائية هيلين كاردونا عن مجموعة شعرها الجديدة، ثنائية اللغة ،عنوانها : حياة متلهفة، Life in Suspension مع المحررة اليسون وليامز في رابطة الكتّاب ومؤتمر البرامج في واشنطون دي سي . التقى الإثنان بعد نقاش كارولينا في المؤتمر الذي شعاره " حلم العالم في الترجمة " لتتحدث عن  طفولتها ، وتطورها كفنانة وأهمية الترجمة في حوار مستمر حول الفن ، والثقافة ، وتعاطف المجتمع الدولي بهذا الشأن . 
                                                      
المُحاوِرة هيلين كاردونا ، شاعرة ومترجمة ادبية ، وممثلة ، وراقصة باليه ، وكاتبة للاطفال . تجيد اللغة الانجليزية ، والفرنسية ، والاسبانية ، والألمانية ، والايطالية بطلاقة  . درست الطب لكنها لم تستمر في دراسته مما خلق بينها وبين والدها فجوة او سوء تفاهم . ثم  سرعان ما عادت العلاقة الى وضعها الطبيعي بعد ان قرأ والدها اعمالها الشعرية الكاملة التي اُعجب بها. اصدرت ستة كتب ، ورائعتها الشعرية "  ارواح متلهفة"  . تنحدر من والدين لجنسيات مزدوجة ،  فوالدها اسباني وامها اغريقية لكنها تُعد نفسها مواطنة اميركية . حائزة على عدد من الجوائز والتكريمات منها ، جائزة ارنست همنغوي ، وجائزة افضل كتاب . 
اما محاورتها اليسون وليامز ، فهي الأخرى مترجمة وكاتبة فضلا عن انها مترجمة ،  شاركت معها في مؤتمر " حلم العالم في الترجمة " وهي مؤسسة ورئيس تحرير Anastamos ، وهي ايضا مؤسسة لمجلة تشابمان متعددة الاختصاصات في المقابلات الأدبية ، ومتخصصة في مجلة عالم الأدب اليوم ، World Literature Today ،التي ترجمنا هذا المقال منها،  واجرت سلسلة من اللقاءات مع كتّاب القصة القصيرة من ذوي العقول الإبداعية والمبتكرة ؛ فضلا عن انها روائية ، ومن اهم رواياتها حياة متلهفة ، ومحررة في مجلة الشعر Tabula Poetica . 
المترجم خ.ل.
                                          

 

اليسون وليامز: هل نبدأ بالحديث عن طفولتكِ قليلا الى حد ما ؟ فلديّ احساس أنَّ لها تأثيرا في شِعْرِكِ ؟ 
هيلين كاردونا: طفولتي هي الى حدّ ما أميركية فريدة لأنني مهاجرةُ وإبنةُ مهاجرَيْن . فقد وُلدتُ في باريس منْ أم يونانية وأبٍ أسباني . كان والدي مترجما لعددٍ كبيرٍ من الشعراء والكتّابِ العالميينَ امثال ستندال Stendhal ، وثمة رقابة شديدة في اسبانيا ، اذْ كان كل شيء سياسيا ، وليس ثمة حرية للتعبيرابدا. وكان على وشكِ الإعتقالِ بسببِ كتاباته ، لذا ، فقد هرب من دكتاتورية فرانكو  الى فرنسا . وهناك التقى بوالدتي ، التي كانت بدورها غادرت اليونان لدراسةِ القانون ، وهكذا ، أنني وُلدتُ في باريس . وبعد ذلك حالا ، انتقلنا الى جنيف  في سويسرا ، حيث مسقط راسَ أمي . وعملَ والدي في منظمةِ الأممِ المتحدةِ حيث أُسْتُخدِم هناك سياسيّا للدفاعِ عنْ المهاجرين الذين كانوا يعيشون ظروفا صعبة .في البيتِ  كانت اللغة الفرنسية هي السائدة ، لأننا نعيشُ في عالمٍ فرنسي ؛ لكنْ والدي كان يتحدث إلينا  بالأسبانية ، وأمي تتحدث باليونانية ، وهكذا كانت الترجمة طريقةْ في الحياة . إنكِ لا تتصورين ، أنكِ تتحدثينَ الى أحد الأبوين بلغة ، والآخر بلغة أخرى ، وهكذا ، كانت الحياة . وهكذا ، ايضا ، ترعْرتُ أقود زورقي في الإبحارِ في الثقافاتِ، لكنني اشعرُ حتى الآن أنني فرنسية الى حدٍّ ما.
 
وليامز : وبالطبع ، كان إسمكِ هيلين .
كاردونا : نعم ، أنها قصة مضحكة . حين وُلدتُ ، لم يجد والداي إسما لي ، لأنهما يفترضان ربما أنني سأكون ذكرا قبل الولادة، وأخيرا ، أسمتني والدتي بإسم والدتها، وقد ربياني وشقيقي على أنْ لا فرقَ في الجنسِ إنْ كان ذكرا او أنثى ، فأنا أرتدي زيّا رياضيا وأمارسُ مختلفِ انواعٍ الرياضةِ بما فيها كرةِ القدمِ . ودرستُ الموسيقى والباليه في معهدٍ للموسيقى . وكنتُ ايضا جيدة تماما في دروسِ الرياضيات والفيزياء . وكنتُ لا أفرِّق بيني وبين الفتيان في كل مكان . ودائما ما اشعرُ بالغرابةِ حين أرى الاختلافاتِ في التعاملِ بين الفتياتِ والفتيانِ . وكان هذا يولِّد لديَّ إحباطا كبيرا . 
وقد اخترتُ النظام الفرنسي من خلالِ دروسِ الرياضياتِ . وهكذا ، إنْ كنتِ متميزة فيها ، فهم يحثونكِ على اختيار الحقلِ العلمي في المدارس الثانوية . وتخصصتُ في الرياضيات والفيزياءِ والكيمياءِ فضلا عن دراسةِ اللغاتِ ( اللغة الانجليزية ، والإسبانية ، واللاتينية).  ُ وحالا تجدين نفسكِ في هذا الخضمِ من النظامِ .
 
وليامز :  وهكذا ، صنعتِ مساركِ !
كاردونا : هكذا ، يتوقعون منكِ الحفاظً عليه . وفي السابعة عشرة درستُ في احدى المدارس . وفي التاسعة عشرة تخليتُ عن تلك المدرسة لأنها لا تناسبني . كنتُ اعتقد أنني أتقنُ كل شيء يفعله الآخرون ، بإستثناء المدرسة الطبية التي لا تناسبني . وهناك حقولٌ لم اسمعْ بها . وبعد سنتين إحترقَ كلُ شيءٍ ، وتَحطْمتُ . إذ كنتُ في حالةِ احباط كبير، وهكذا غادرتُ المدارس الثانويةِ ، وكان والدي منزعجا مني تماما، كما لو أنني قد خذلته . وحصلتُ على التخصصِ باللغة الفرنسية المطلوبةِ ، وكان بدايةُ النهايةِ ، موتا بطيئا . فلمْ اكنْ لأرغبَ في التخلي عنْ جانبي الفني .   رحتُ اعزفُ على البيانو ، ثم تحّولتُ الى الرقصِ الجماعي .( ولكنْ لم استطعْ أنْ اقول كلا )للحصول على المدرسة المتوسطة، ويبدو هذا جيدا ،  واعتقدت انني ساحصل ُعلى درجة الدكتوراه في حقل لغوي linguist. مَنْ يقومُ بانجازِ كلَّ هذه الحقول الفنية – لكنْ ، يا للاسفِ ، كلا . فإنَّ النظامَ المدرسي لا يسمحُ لكِ بذلك .
 
وليامز : والأمر يبدو كما عملكِ ، ممثلةَ ، وروائية ، ومترجمة ، بُني خارج هذا التجزؤ ، أو الفهم ، حيث يتطلب منكِ أنْ تكتشفي هذا الجزء الجديد في ذاتكِ كإمرأة ناضجة ؟
كاردونا : عليَّ أن اتعّلمَ مَنْ أنا في العملِ الصعبِ .  انه زمنٌ مظلمٌ ، وهذه عمليةُ التحدي للتمّيزِ هي هديةُ عظيمةٌ ، لأنها ترغمني أنْ اخلقَ الفرصِ . إنها تدفعني خارجَ اوربا ، الى الولاياتِ المتحدةِ الأميركيةِ . وقد ادركتُ أنَّ هذه هي حياتي وعليَّ أنْ احياها . ولكّنها كانت مؤلمةٌ . وعليَّ أنْ ابدأ حياة متلهفةُ " كهذه ، ما جذبني فيها أولا ، هي الصوفية ، الأرتباطُ بالطبيعةِ،  ازدواجية اللغة . ولكنْ وكما نظرتُ بعمقٍ رأيتُ أنَّ هذه هي نتيجةَ العلاقةِ مع اسرتكِ وتأريخكِ . وفي البدايةِ كانتْ روحُ التفاني لأّمك ، ومِنْ ثم رأيتُ مِنْ خلال قراءتي لكِ ، رأيتها كخيطٍ متواصلٍ في قصائدكِ . هل كتبتِ هذه القصائد تحديدا مع هذه المواضيع في ذهنكِ ، أو أنها برزت كحالةٍ عضويةٍ ؟ 
كاردونا : كلاهما الى حدٍّ ما . فقد توفيتْ والدتي قبلَ عشرينَ سنةٍ .  وكان رحيلُها بمثابةِ حزنٍ عظيمٍ لأنَّها كانت الشخص الوحيد الذي يشدّ منْ عضدي دائما . وحين كنتُ شابةً كان والدي يعتقد أنني افسدْتُ حياتي بتركي المدرسةِ الطبيةِ منتقلة الى التمثيل ، وقد كان يعني كلامه هذا تماما . ولكنْ في السنينَ الحاليةِ أعيدْت علاقتنا الطبيعية . كانت والدتي دائما تصّدقني . وكانت وفاُتها خسارة جسيمة لي . ونتيجة لذلك فقد كتبتُ كثيرا . وكان لديّ دفتر ملاحظات ملأته تماما بالملاحظات وقصائد الشعرِ ولم اعرف ماذا افعل بها لزمن طويل . حتى حان الوقت لتكون كتابا .
 
وليامز : هل تُعدِّين نفسكِ شاعرة وانت تكتبين تلك الملاحظات خلال تلك الفترة ؟ او كونكِ " شاعرة " حقا يحدث لكِ مثلَ ذلك وانتِ تكتبين شعرا كحالة للتعبيرِعن الذات ؟ 
كاردونا : اعتقد أنني اشعر أنني شاعرة حقا . فقد ابتدأتُ بكتابة الشعرِحين كنت في العاشرة من عمري . وما يثير الدهشة حقا، أنَّ والدي نفسه كان شاعرا ، ولكنْ ، ليس له اية علاقة بأيِّ شيء اكتبه ولفترة طويلة . بيد أنَّ  الأمر تغيَّر بعد ذلك ، وخاصة بعد طبع ديواني الأول . 
 
وليامز : كم هو مثير للاعجاب هذا !
كاردونا : حقا ! إنه لمثير للإعجاب . أما والدتي، فهي مِنْ جهة أخرى، تقرأ أيَّ شيء أكتبه ؛ أمّا والدي ، حين كنت فتاة يانعة، كان يَعُدّني كما لو أنني حيوان غريبٌ لا يدرك شيئا تماما. ولكنْ ، ومنذ أنْ طُبعتْ كتبي ، أخبرني أنه يحب اعمالي الشعرية كثيرا ، وهذا الكلام يعني لي الكثير طبعا. وعادتْ علاقتنا الى وضعها الطبيعي ، وبدا يفهم احدنا الآخر . وقد شرعت اترجم له الشعر الذي بدأ يفعل مفعوله في داخله ، وراح يتابع كل ما اكتبه ايضا ، رغم انَ كلانا يحتفظ بوجهة نظره إياه ، التي تجعل من المصالحة ممكنة . 
أمَّا علاقتي بالطبيعة فهي متواصلة دائما . فقد انفقتُ كلَ سنوات طفولتي ، ومراهقتي في جنيف والمدن المحيطة بها ، حيث اتنزه وكلبي حول الجبالِ ، والطبيعةِ . وفي تلك الأيام ، وأنا ما زلت طفلة يمكن أنْ اتعرَّض الى الضياع . لكنْ ، لم يحدْث من هذا شئ ، ولم اكنْ متاكدة تماما أنَّ الناس سيقومون ما سأقوم به انا ، ولكنني سأتوارى وكلبي لساعات طويلة وانا اتبادل المشاعر مع ذاتي ، ودائما ما اتناغم مع الطبيعة وعزف الموسيقى . كما أنني اعزف على آلة البيانو .ولا املك كلمات في التعبير عنها في ذلك الوقت  باستثناء التأمل تماما . وحين كنت اكتب ملاحظاتي في ذلك الوقت ، فإنني لا اعرف تماما ماذا افعل بها . وكانت عملية شفاء لي حقا ، للتخفيف عن الأحزان والآلآم . ويهبط الشعر مِنْ خلق شيءٍ ما يمكن أنْ اطلق عليه الكبسلة التي تأخذك بعيدا .
 
وليامز : وهكذا، تنزل كوحي هذه القصائد ، بعد كل ذلك ، تأخذ مسارهاعبرتلك السنوات الطويلة بعد رحيل والدتك ؟ 
كاردونا : نعم ، نعم . 
 
وليامز: ولأنَّ ثمةَ شيئا ما ينتابني ، هو " وهكذا ، هي جلستْ ، وكتبتْ قصيدةً ، وبعد ذلك ، ترجمتْ إيّاها 1 " وبالطبع ، ليست شبيهة بكل ذلك من قصائدك أبدا ، لأنك انسانة وتكتبين عن تجربتك الحياتية . وهكذا ، كتبت تلك القصائد عبر فترة طويلة من الزمن ، وبعد ذلك ، غربلتِ وأنشأتِ إياها ، ثم قمتِ بتقييمها . ومن بعد ذلك انتقلتِ الى حقلِ الترجمةِ  ؟ 
كاردونا : هذا صحيح .
 
وليامز : هل ترجمتِ أيّا منها الى اللغة الانجليزية اوالفرنسية أو الى كلاهما ؟..  
كاردونا : كانت كلها باللغة الانجليزية لأنني اكتب بهذه اللغة . وكانت فكرة الناشر أنْ نقدّم الكتاب في مجموعة مزدوجة اللغة لأنني لم اترجمْ أيَّ كتاب الى اللغة الانجليزية اوالفرنسية . وكان هذا اقتراحاً غير واقعي  مما دفعني أنْ أعيد كتابة النصوصِ ، التي كانت ايضا هدية عظيمة . وهكذا بدأت بديواوين "  كون مدهش ، وحلم عبيدي الحيوانات، وحياة متلهفة" واعتقدتِ أنها ساعدْت في تحسينِ القصائد .
 
وليامز : بأيّ اسلوب ؟ ما هو التغيير ؟ وهل كنتِ من ذلك النوع الذي يُترجمُ أعماله ؟ 
كاردونا : انا فعلا اترجمُ اعمالي . نعم ، هذا واضح من خلال ما قمتُ به من ترجمةِ لها ، وحاولتُ أن اكون أمينةً لتلكَ القصائدَ غير القابلةِ للترجمةِ، وعملتُ جاهدةً أنْ اجدَ الكلماتِ او الجملِ المرادفةِ لها . نعم ، حاولتُ أن اكونَ أمينةً في ذلكَ . وابتعدتُ عن الترجمةِ الحرفيةِ . رغم أنني حاولتُ أنْ تكون الترجمة حرْفيةً قدرَ الإمكانِ . ولكنْ ما ينبغي أن يتغير ، ينبغي أن يتغير فعلا . إنني لا اعيدُ ابداعَ  نصٍ مختلفٍ . احيانا يقومُ المرءُ بفعلِ ذلك في الترجماتِ . وبذلك تتحولُ الترجمات الى حيوانٍ مطيعٍ للمترجمِ يقودُها كما يريدُ . إنني اجعلُ من الترجمةِ مادةً طيِّعةً . وهكذا تتحولُ الى نصٍ جديدٍ . لكنني لا اختارُ كيْ أغيّر من الاشياءِ لتطابقَ وجهةِ نظري  . 
وعلى كل حالٍ ، فأنا اشعرُ مع عملي الشعري أنني حرة . وهكذا ، في مجموعة من قصائد ، او ابيات هنا او هناك . وقررت أن اقول شيئا آخر في الفرنسية والانجليزية . وكان هذا جميلا لأنها اختياري او فرصتي في ذلك . وانا كنتُ فقط اريدُ انْ اكونَ صادقةً مع نفسي .
 
وليامز : نعم ، لاحظتُ الاختلافات في النصوصِ . وبوصفي مترجما ايضا بدأتُ بترجمة اعمالي . وكنت فضوليا جدا في أنْ افهم كيف تُخلقُ تلك الفرصِ . إنها تعني اشياء اخرى في كل لغة ، التي لا تبدو اسلوبا في عمل الترجمة عموما . 
كاردونا : وهذا لأنني فضلتها طريقةً واحدة بلغة واحدة ، وطرقا اخرى بلغات اخرى ، وشعرت أنني استطيع الاستمرار بها لأنها كانت من اختياراتي ؛ ولكنْ لا اجد ضرورة العمل بها مع عمل آخرَ . 
 
وليامز : سبق لكِ وأنْ انجزتِ اعمالا كثيرة بوصفكِ مترجمةً .هل تودين القولَ إنكِ تعتقدين أنكِ اكثرَ مِنْ مترجمةٍ واكثرَمن شاعرةٍ ؟ 
كاردونا : لا فرق لديَّ . أنا شاعرة ومترجمةُ وروائية في آنٍ . فضلا عن أنني ممثلة . إنني أرتدي قبعاتٍ متنوعةٍ . فاذا كتبتُ شعرا ، فإنني اكتبُ شعرا . فإن كنتُ اترجمُ ، فإنني اترجمُ .  أو إن مَثّلتُ في السينما في تسجيلَ صوتي للسينما ، فإنني اقومُ فعلا بذلك العملِ . إنها ظواهر أخرى أملكها ، وأنني استطيع أنْ أعبَّر عنْ نفسي بها في مختلف الازمنة ، أو ربما في زمنٍ معيّنٍ في الوقتِ نفسهِ .
 
وليامز : وكفنانة ..
 كاردونا : نعم . كفنانة . حين تملك اكثر من هواية ولا تتخصص في حقل واحد منذ البداية ، سيكون منعطفُك بطيئا الى حد ما الى أنْ يأتي كل شيءٍ في آن واحدٍ . فقد انفقتُ حياتي اعمل بكلِ الاشياءِ المختلفةِ واشعرأنني في المكان الافضل الذي كنتُ فيه . وكل شيء يستغرق وقتا وليس هناك اختزال . إنني اشعر باطمئنانٍ الان تماما .
ولكن ، ثمة صراع طويل ايضا من اجل المال ، وعليَّ أنْ اجهزَ نفسي به . وقد انفقتُ كلَ تلك الساعاتِ التي اوصلتني الى الايام والسنين للعمل فقط لأساعد نفسي ، وليس من الضروري أنْ اكونَ في الحقولِ الفنيةِ . ولكنْ تلكَ التجاربَ اغنتني ، لأنَّ هذا ما تتطلبُه الحياة . وقمتُ بأعمالٍ مختلفة قابلتُ فيها انواع الناسِ . 
 
وليامز : ما الذي يصنعه العمل الابداعي، في نهايةِ الأمرِ ، ليكون اكثرَ واقعية وحضورا . إنكِ مع الشعرِ وفيهِ ، ولم يكنْ تنظيرا أو تفلسفا ؛ ولكنه تعبير عن الحقيقية . وهذا ايضا ينبغي أنْ يصوغ ترجمتكِ ، وفهمكِ للآخر ؛ يعني اضفاءَ عاطفتكِ عليهم  ومشاركتك إياهم آلامهم في نهاية الأمرِ.
كاردونا : تماما . التعاطف مع ثقافاتِ الشعوبِ الأخرى .
 
وليامز: وهذا يذكّرني بالإقتباسات في دواوينكِ  . فهناك الكثير منها موزع فيها . وتحضرني فكرة الترجمة كتواصل مع الشعراء الآخرين ، ومع الثقافات الأخرى . هل هذا ما يحدث مع أولئك الكتّاب الذين توجهينَ الشكرَ لهم ؟
كاردونا : نعم ، جميعُ أولئكَ الشعراءِ والكتّاب ، الذين أحبهم والذين انا في تواصلٍ معهم بعمق ، واعبِّر تماما كيف اشعر . إننا ارواح واحدة . ولهذا ، فإنني أتلبسهم من خلال تلك الاقتباسات . فإنني اقدِّم  هنا لهم ولاءَ التبجيل وأغني قصيدتي بتجاربهم . 
 
وليامز : إنك أغنيتِ عملك الترجمي بكتاباتِ الحربِ لوالت ويتمان Walt Whitman. وقد شعرتِ بتساوقٍ كثيرٍ مع شعرِه  في شعرك . فهل هذه الفرص وخاصة فرصة الترجمة التي قمتِ بها متأتيةً من تعقبكِ للعمل الشعري الذي تتذوقينه ، أم هو يأتي تلقائيا ؟ 
كاردونا : تعلقا بويتمان فإنني اقتربت منه عن طريقِ كرستوفر ميريل في برنامج الكتابة العالمية في إيوا . ولم تترجمْ كتابات ويتمان عن الحرب قبل ترجمتها الى الفرنسية والعربية 2 . وهذه فرصة عظيمة لأنَّ هذه النصوص (  قصائد ، رسائل ، ونثر ) لها صدى كثير جدا مع المناخ الحالي . وقد عمل ويتمان ممرضا  خلال الحرب الأهلية ، في خدمة الجنود الجرحى من كلا الجانبين المتحاربين الكونفدراليين والإتحاديين . وقد تأثرتُ في قصائده كثيرا ودفعتني الى ترجمتها . ولا ابالغ إنْ قلتُ لك إنها ابكتني في ذلك الزمنِ . وحان الوقت لنذكِّرَ نحن البشر ونقول إنَّ لدينا ذاكرة قصيرة المدى . فإنْ لم تحدْث الحرب الى حد ما في الآونة الاخيرة ، فإنّ الوطن سيكون مستعدا لإرسال شعبه الى المعركة مرة ثانية . فأنا استطيع أنْ اتخَّيل الرعب كما وصف ويتمان بشعره قِطَعَ الأجسادِ المبتورة واصابات الدمارِ على اجساد أولئك الرجال الشباب . وبوصفهم شبابا فإنهم لنْ يشعروا بالخوف ابدا ولنْ يُقهرَوا ابدا، وهذا النموذج من الشباب يتكرر مع كل جيل ، مما جعلني اتساءل بدهشة ما الذي يحدث للإنسانية لتتجاوز ذلك كي نكون قادرين للعيش معا دون أنْ نسرق ثرواتِ البلدانِ الاخرى .
إنه سؤال التطور . فكل انسانٍ له الحق في أنْ يعيش حياة تليق به في هذا العصر. وإنَّ هذا التطرف في الثراء الفاحش – الذي يشكل 1% الذي يستحوذ على كل شيء ونحن الذين نفتقد كل شيء – هذا لا يخدمُ الانسانية ابدا .
 
وليامز : اريد انْ اطرح هذه الفكرةِ ، فكرة الترجمة بوصفها عملا سياسيا .
كاردونا : إنه عمل سياسي .
 
وليامز : طبيعته كونه قادرا أنْ يأخذ الكلمات من احدى الثقافات ويدخلها في اللغة بحيث تكون مفهومة لدى الآخر . 
كاردونا : حينما تفهمينَ وتعرفينَ الثقافاتِ الأخرى ، فإنكِ لنْ تخافي الآخرَ . يعني ، ليس هناك آخر. إننا جميعا نسكنُ في هذا الكوكبَ ، وبكلِ اختلافاتِنا والواِننا . ولدينا الكثيرَ مما هو مشاعُ اكثرَ مِنْ لا شيءٍ . علينا جميعا ايضا أنْ نرعى هذه الارضَ . والترجمةُ هنا  ضرورةُ لمعرفةِ الآخرَ – لنعرفَه منِ أينَ هو قادمٌ . كما أنَّ الترجمةِ هي مفتاحٌ لمعرفةِ ذاتِ  psyche، شعبِها او روحِها. وليس ثمةً مبررٌ أنْ تكون خصما ضدَ الناسِ لمجرّدِ  أن ثقافاتِهم او اللغةِ التي يتكلمونَ بها غيرِ مألوفةٍ لدينا . إنِّ هذه النزعةِ اللاانسانيةِ للآخرَ هي شيءٌ مرعبٌ  وأنَّ ّتأليبَ الناسِ احُدهم ضَّد الآخرَ يؤدي الى نتائجَ عكسيةٍ . ومِنْ خلالِ الترجمةِ فإننا نؤسس الثقافاتِ معا ونمدُ الجسورَ ونتعايشُ مع الآخرِ ونتجاوزُ الغيرّيةِ . نحنُ كثيرون  ومتنوعون وهذا يكفي . 
-------------
1 - ربما تشيرُ المحاورةُ هنا الى احدى آلهات الشعرِالاغريقيةِ باستخدامِ ضميرِ الغائبِ المؤنثِ المفردِ .المترجم ..
2- اول من ترجم اشعار الشاعر الاميركي العظيم ويتمان الى العربية هو الشاعر الكبير سعدي يوسف .
 
* أديب من العراق.