خبز وجمر

Printer-friendly versionSend to friend
محمد سهيل أحمد*
 
" انا مثل الخبز الذي سوف تقطعه بيديك . مثل النار التي ستكونها.. مثل الماء النقي الذي سوف يرافقك الى أرض الأموات . " إيف بونفوا
 
لم تكن الريح من يقرع الباب هذه المرة : 
- من الطارق ؟ 
طرقتان أخريان : هل جهزت نفسك يا دكتور ؟ 
قفزت كالملدوغ مغادرا سريري - دقيقة وأكون عندكم .. 
تناولت من المشجب قميصا وبنطالا من قماش جينز آثرت ارتداءه تحوطا من نهشة كلب، او لدغة عقرب، وكممت قدمّي بزوج جوارب من وبر وحشرتهما داخل بسطال من الصنف الذي يستخدم في المزارع . لطمني حال خروجي تيار بارد دفعت به رياح بحرية، باعثا الرعدة تلو الرعدة في جسدي القرير. لمحت مصباحي " اللاندروفر " الخلفيين يتوقدان كجمرتين وسمعت هدير المحرك وصرير هيكل العربة المتراعد بتقطع .. 
شرقاً عند خط الأفق خلف الأجمات المعشوشبة ثمة هالة نور ربما كانت انعكاسا شبحيا لذبالات مصابيح، او اشارة مبكرة لمقدم نهار متسارع الخطى. حملت اجنحة الريح تكبيرة آذان الفجر ورائحة خبز التنانير . جذبني صوت مدير المستوصف : 
- هيا بنا با طبيب .. 
بجهد جهيد ميّزت اربعة ملثمين يتقاسمون مصطبتي الحوض الخلفي للعربة . تتلامع أعلى رؤوسهم أربع سبطانات بنادق . تساءلت بمرح منتزع من براثن صمت خيّم على المكان : 
- ما هذا؟ هل نحن خارجون لحفلة جمر أخرى ؟ 
انهمرت اصواتهم مثل اطلاقات : -لانحسبك تتناسى أننا بصدد اقتناص طريدة ! 
ازدرت ريقي : - اقتناص طريدة أم .... ؟ 
بتر" الهونالي " تساؤلي : - لم نشأ ازعاجك .. 
أكمل بعيد لحظات وهو يرتقي مقعد القيادة : - اركب .. ثمة تطورات في الطريق .. سنوضح لك كل شيء حال وصولنا لمركز التجمع ومن هناك نستأنف مطاردته . 
انبرى الفهري :- هو صاحبك على اية حال . 
- سامحك الله .. كان زميلي في الغرفة . 
ربت الهونالي على كتفي : 
- لا بأس يا دكتور .. الرجال متوترون بعض الشيء ! 
بدأت المطاردة في الصباح . خمس ساعات ومحرك اللاندروفر لم ينقطع عن الثرثرة الاّ لدقائق، كان الهونالي يتوقف فيها لرفع غطاء المحرك . يفك الغطاء عن فوهة الرادياتور، ويسكب ماء اجاجا من زمزمية مغلفة بنسيج قنّبي خشن الملمس . ينزل احد المطاردين هارعا باتجاه ربوة او صخرة ليتبول، أو يتيمم برمل الكثبان ثم يؤدي ركعتين جاعلا من مهاد البرية وسائد لجبهة ملأى بالغضون . 
لم تكن مهمة تمشيط الوادي هّينة على الاطلاق .: مساحات شاسعة من سهوب و تلال معشوشبة وأخرى جرداء أو مزروعة بالحصباء . ان الفاصل الوحيد بين الوادي والبحر المتوسط هو طريق السفر، تليه مزارع الزيتون ومرابد الإبل وكثبان الرمل التي تطل مباشرة على البحر، حيث أوقف ابن البراري في زمن ما اندفاعته وألقى بعصا الترحال،  ثم انكفأ متراجعاً القهقرى وهو يكتم شعورا غامضا في أنه يقف على حافة العالم ، وإن أية خطوة قادمة تعني السقوط من حالق . 
كنت جالسا في الوسط . كان ابوها جالسا جهة الباب الأيمن وهو يقذف بالشتائم بين الفينة والفينة . تتكدس القمرة بحرائق سجائره المتعاقبة . كان عمران الهونالي يقبض بزندين متخشبين على حافة المقود، وينثر بدوره رماد سجائره على وجهي وثيابي . كنت احاول ان اتفادى رماح الرمل اللاذعة، وهي تتدفق من خلل الزجاج ومن فتحات الداشبورد . أرمق عبر زجاج المركبة جانباً من وجه واحد من ركاب الحوض الخلفي، وأحيانا عينيه وهما تكويان قفاي بجمر الرغبة بالقصاص ، تتلامع فبهما نصال الارتياب . 
سارت عملية التمشيط ببطء قياساً باندفاعة الصباح الأولى ؛ ومع ذلك فإن المطاردين حرصوا أن لا يدعوا بيتا من بيوت الوادي المتناثرة هنا وهناك ولا عش طائر على شجرة ،ولا بئراً مالحاً او غير مالح، ولا برجا من  ابراج الحمام دون ان ينخسوا خلاياه المقامة على تعاريش آيلة للسقوط ؛ ولا صخرة دون ان تقـلّـب لينساب من تحتها عقرب، أو تفح منسلة افعى حتى بلغ مجموع العقارب المنهرسة تحت جزمات الرجال عشرين أو اكثر حسب ما أحصاه الهونالي اضافة لأربع افاع ؛ وفتّشـت حظائر الماشية تفتيشا دقيقا وأدلى المطاردون برؤوسهم في رماد التنانير ووخزوا بالحراب قطعان الماعزوالأغنام خشية ان يكون "عثمان كومبو" مختبئا بجسده الأكحل وزنخ ابطيه ونزواته القاتلة تحت جلد خروف، او ملتصقا كقرادة في شعيرات كلب سخي النباح . ثم قاموا الى مكعبات القش وأمعنوا بطعنها بالفالات والمدي الطويلة ذات الرؤوس المدببة، دون ان يعثروا على ما يدل عليه . تفاقمت الأمور حين اوشكت اللاندروفر أن تصدم جملا عملاقا اعترض سبيلها في احد المنعطفات فكادت ان تنقلب. اضطر الهونالي من جراء انفجار الإطار للتوقف ازاء ثلمة في سياج مزرعته . الآن بامكاني ان اعيد الدماء لعروق ساقين متخشبتين، وأملأ رئتي من هواء ما اعذبه وافرغ مثانتي الممتلئة . لم يكن الرجال اقل شعورا بالارتياح اذ سرعان ما تدحرجوا ملقين أجسادا مخضخضة لأقرب فسحة مزروعة بالثيل، حيث اعدوا وجبة طعام تألفت من لحم جمال ورز وشاي أخضر ومواعين من " هريسة" الفلفل الحارقة . في البداية لم اشعر بأي ميل لتناول الطعام، خاصة بعد ان شبع بدني تقافزا على طريق مفروشة بالحصباء مطرزة بالحفر ! بيد انني امتثلت لدعوة الهونالي المتكررة . عاودتني بقية من حيوية كنت في أمس الحاجة اليها وأنا اشارك المطاردين رحلة البحث عنا جميعا ! 
كان بيني وبين الهونالي شكل من اشكال المودة . تعجبني فيه بساطته وصراحته . كان ذا اطلاع جيد ـ لعله يعد من بين قلة من ابناء الوادي ممن افادوا من وجود مكتبة في البيت -  كذلك من رحلاته الى الخارج . كان اطلاعه الواسع يثير غيرة الفهري وكنت ألحظ ذلك من بريق عينيه . كان مديد القامة أصهب الوجه أكرت الشعر يذكرني على الدوام بمحارب روماني . قلت مازحاً وأنا أهشم كسرة من خبز الجمر : 
- لاتستطيعون ان تكونوا الا كما انتم .. رعاة حتى النخاع ! 
- بالضبط .. نحن نسكن بيوتا من آجر .. صح .. ولكننا لسنا سوى رعاة .. خلقنا للترحال ليس الا. بدواخلنا نفور فطري من المدينة وبغض أقل درجة للواحات . نحن اصلا نعشق الريح . ان أي ثبات لنا على ارض ما – ايما ارض – سيؤدي لإصابة ارواحنا بالتفسخ وها انت ترى بأم عينيك! 
قلت مهونا عليه : - لا .. لا . هذه حادثة استثنائية ! 
ابتسم بوداعة : - ليست لأنها الوحيدة التي وقعت بل لكونها الوحيدة التي طفت على سطح أحداث رتيبة .. 
- هل تعتقد بذلك ؟ 
- الجدب .. هو داؤنا ودواؤنا . نحن في الحقيقة ابناء البراري لا ابناء المرتفعات . الا اذا استثنينا سنامات الإبل وكبرياء الرجال وصدور النساء واحلامهن . 
- انت لا تفكر بالطريقة التي يفكر فيها ابناء جلدتك . 
- قد تكون اساليبنا غير مألوفة للغريب بيد انه من السهل على أي وافد ان يلحظ وجوهنا الخالية من أي انطباع .وجوهنا رسائل بلا عناوين . خذ أي وجه من وجوهنا، هشّم قشرته الخارجية ستفاجأ بأنه لاينطوي على شيء سوى الخواء في الداخل . 
- خـواء الصـحـراء ؟ 
- تماما . لقد أمعنا تحديقا في السراب . حلمنا بفراديس تجري من تحتها الأنهار حتى شارفنا اقاليم اليأٍ س والقنوط . اصبحنا في ريبة من كل ما تبصره العيون . نحن ابناء السراب ! 
سألته مستفسرا : - عثمان كومبو هذا .. أتظن انه فعل ما فعل حقا ؟ 
- اسأله هو .. ألم تسكنا معا في غرفة واحدة ؟ 
- كانت الفترة من القصر بحيث لم يتح لي ان . 
قاطعني : 
- كي اكون صادقا مع نفسي.. لا ارى شخصيا ان وراءها دوافع اخرى . ولكن ماذا افعل عندما اجد نفسي امام تيار جارف ؟ انا مجرد سنام على جمل . 
غمغمت بصوت خفيض : - غير معقول .. اكل من زادكم وملحكم ! 
- يصح القول بنعم ويصح بلا . نعم بمعنى ان أي واحد منا يمكن ان يكون عثمان كومبو، حتى وان لم تكن هي بذلك الجمال الذي يدير الرؤوس . ان الرجال ليشتهون النساء في اية بقعة من بقاع الدنيا . انما نحن في هذه البقعة – وربما في كل مكان – ننجرف تحت وطأة شعور حاد بالخطيئة فنعلق شهواتنا على مشاجب غيرنا . لست في معرض الدفاع عن احد . ثمة بدائل لإحتواء الأزمة . دعوا الفحص الطبي يأخذ مجراه. اتركوا الأمر لذوي الأمر . ان الناس ليندفعون مثل مركبات بلا فرامل . يتسرعون بإطلاق الأحكام قبل ان يدركوا انهم بتسرعهم ينسون فضيلة جوهرية اسمها التروي . قد يدركون امرا كهذا في وقت متأخر ، في وقت ينقلبون فيه الى اطلاقات يستحيل ان ترتد الى فوهاتها ! 
استمرت المطاردة حتى الساعات الأخيرة من النهار دون ان يظفر مطاردو عثمان كومبو بقشة تدل عليه . أعادوني للبيت على ان يكون اليوم التالي بمثابة اجازة عن العمل، لكن ليس عن عدم مواصلة اصطحابهم .كما انهم سألوني عدم مغادرة الواحة تحسبا لأي طاريء. أويت الى غرفتي قاذفا للسرير بجسد كمتهالك . نضوت عن جسدي ثيابا عفّرت رملا وروثا ودخان مواقد . قلعت من بنطالي حفنة اقراص شوكية . ايقظني قرع المطر عند منتصف الليل . ارهفت سمعي . ثمة حركة داخل البيت . تجمد الدم في عروقي : - من انت ؟ 
- انا عثمان كومبو .. لا تخف ! 
شهقت من هول المفاجأة : - يا الهي ! 
ضمني الى صدره . اعرضت بوجهي عنه : 
- انهم يبحثون عنك في كل مكان . 
- اعرف . 
- كيف دخلت ؟ 
- لا يهم .. 
انكب على يدي يقبلها : 
- اسألك ان تؤويني لما تبقى من الليل والصباح رباح . ارجوك .. هل تفعل ؟ 
امسى وجوده في البيت أمرا واقعا : 
- شريطة ان ترحل قبل مقدم الصباح . 
طلبت منه ان يخرج جوربيه وحذاءه فامتثل . نضا عنه قميصا موحلا . شد اليه وعاء التسخين . افرغ ماء من الخزان ودلف للحمام . عاد للغرفة بجسد متقاطر تفوح منه رائحة صابون . جفف بدنه بقميصه . انصرفت عنه منشغلا بترتيب سريري . انبرى قائلا وهو يتثاءب : 
- مستاء انت مني .. اليس كذلك ؟ .
- الى حد الانفجار .. اوضاع عديدة لا تسرالخاطر وفي مقدمتها وضعك انت ! 
 
لم ار امتقاعا بمثل ما ران على وجهه من امتقاع. كان متكدسا بطلاء زعفراني ضارب للخضرة. أما عوده فقد هزل الى الحد اذي كفّ فيه عن ان يكون رمحا  كما اعتاد ان يكون، ومال الى ان يمسي عصاعجفاء مقتطعة من شجرة ميتة ..تذكرت هيأته قبيل شهور يوم أتى به عوام الفهري نفسه للسكنى معي في هذه الغرفة بالذات، قبل ان يلتحق بالعمل في مزارع الزيتون. كان انيقا بلا هوادة . بعد نهاية كل دوام يغتسل ويرتدي من البذلات اكثرها اناقة ويضمخ ثيابه بالمسك . كان وجهه اكثر روعة وعيناه احفل بالحبور، وكان حريصا على حلاقة شعر رأسه بأحدث القصات . لم تكن عيناه تخفيان  في ومضة مرحا طفوليا ممزوجا بمكر . لايعرف احد عن اصله .بيد انه كثيرا ما ردد بتهكم خفي بأنه ترعرع بالقرب من بحيرة فكتوريا حيث ينابيع النيل، وقذف به طفلا بصندوق محكم الإغلاق ليأخذه الموج الى قلب الدلتا بمصر. غير ان بائعا سودانيا لأشرطة الكاسيت كذّبه موضحا " .. ليتق الله هذا الماكر . انما هو من غربي السودان . هذا مؤكد ! " يقول آخرون معترضين " .. بل هو من اعالي النيجر . من اسرة نزحت للعاصمة نيامي عاش متسكعا بعد ان طرده أبوه من البيت . عمل بطلاء الجدران . جمع إثر ذلك مبلغا من المال اتاح له ركنا لا يتعدى مساحة راحة اليد على ظهر شاحنة كانت تضم في حوضها الخلفي حشودا من الباحثين عن العمل في الشمال الإفريقي ممن سينتهي بهم المطاف الى بيع اشرطة الكاسيت، وتخصيف النعال على ارصفة واحدة من مدن الشمال الافريقي الساحلية، او ان يصبحوا سعاة في مقاهيها ؛ سماسرة او مهربين عند الحدود . كانت الشاحنة تضم حفنة من نساء مكركبات تنبعث من صررهن روائح الكافور النيجيري، والجيلاتين وألواح تخضيب الشفاه وأعواد المسك ومناديل مطرزة بكتابات غامضة وقواقع وأصدافا للبيع او للكشف عما تخفيه الأيام . كان لا يهدأ لكومبو بال فما ان تستقيم له الأمور في حرفة ما حتى ينصرف عنها الى حرفة اخرى. كان كثير الميل للشجار غير انه كان في الوقت نفسه ينام ليله كما ينام طفل قريرالبال. كان عثمان كومبو سودانيا بطريقة تشعرك بأنه يحمل جانبا من خصال السودانيين ، وداعتهم ، اسلوبهم في التهكم على مجريات الأمور. وكان تشاديا وواحدا من ابناء النيجر وموريتانيا بيد انه في الغالب ؛ لم يتح لنفسه أن يكون ايا من هؤلاء او اولئك اذ كان خلاصتهم جميعا . كان ذا مقدرة هائلة على تحمل اطنان من الألم ،تلك هي خصلته رقم واحد وهي الخصلة التي تسم ابناء افريقيا قاطبة . كان افريقيا قبل ان يكون سودانيا او تشاديا او ليبيا ، الا ان حياة كتلك لم تعش دون ان يدفع عثمان عنها ثمنا باهظا فقد اضاع عثمان كومبو محليته وفقد مع الصعلكة انتماءه الى أي تراب .. أحمر كان او رصاصيا وصار يمضي الى حيث تمضي الرياح ! 
ادرت كتفه نحوي : - إياك واللامبالاة .. انت متهم بإغواء فتاة قاصـر . 
- من يقول ؟ هم يقولون . هم لا يصدقون بأحد .. انت ايضا لا تصدق . 
- عرفتك ذكيا لاتخلف وراءك اية آثار .. 
رماني بنظرة عتب : 
- حتى انت يا دكتور..
قفز كمن لدغته انثى عقرب .. إستطرد : 
- هذا افتراء . غير ممكن . انت تعرف أميرة جيدا ، قل لي بالله عليك .. ألم تصلك منها رسالة ؟ 
ادرت وجهي باتجاه الجدار : 
- اسمع . لنكن صرحاء مع انفسنا . ان لها من الأنوثة ما يكفي لأن تلوي اعناق مائة رجل . انت شاب وفيك تفجر وهو ماتعّده بعض الصبايا شكلا من اشكال الجاذبية . ولكنها قاصر ـ وأنت غريب . أتفهم ما ارمي اليه من قولي بأنك غريب في عرفهم ؟ انها تعني احيانا رجلا من العشيرة نفسها لكن من فخذ آخر . 
- اقولها صريحة بلا مواربة ، اقولها لرجال الواحة : من من الرجال لم يعشق اميرة فليرمني بحجر ! 
-الحقيقة .. اريد الحقيقة الناصعة من عظمة لسانك! 
- أهو تحقيق ؟ 
- بل هي مراجعة قاسية للذات .. 
- انت تريد الحقيقة . هم يبحثون عنها . ان الحقيقة التي لا يرغب احد في الاستماع اليها هي مسألة خلافي مع الفهري حول الإجحاف الذي ألحقه بي اجورا وساعات عمل . هذا الكائن الجلف الغريب الأطوار الذي لا يملك ذرة من بساطة أهله وابناء عشيرته ! صدر الفهري محارة .. خذ سكينا ولتشق بها تلك المحارة ..ستجد لؤلؤة اسمها الحقيقة . ومع ذلك لن تصل اليها بيسر . يتعين عليك ان تحك وتكشط وتحفر فهي مخبوءة تحت طبقة من أقذار.. نعم . أعلم جيدا انه هو الذي تنكب بندقيته وأنه في طليعة المشاركين بحملة مطاردتي . انه رجل مهزوم الى حد العظم .. حتى النخاع ! 
- المهم ان الفأس قد وقعت في الرأس. نم الآن واستيقظ مبكرا ولتتدبر لنفسك خروجا آمنا لحين ظهور الحقيقة. 
سرعان ما استسلم لسلطان اغفاءة تخلله شخير . هرعت الى درج خزانتي وأخرجت من مظروف باهت اللون ورقة وشرعت اقرأ: 
..يا طبيب القلوب .. هل اعجبتك وجبة خبز الجمر التي ارسلتها اليك؟ ليتك تفرجت على الرجال وهم يحمّصون الرغيف بدفنه في أعماق رمل تحت وهج الصندل والعوسج والخيزران . بضربتين او بثلاث ينكتون ما يعلق في حافاته من رمل وساخنا يلتهمونه . ألسنا نحن النساء – محظياتهم – ارغفة جمر.؟! . كالخبز جيء بنا لكي نعجن ونكور ونحمص وندفن ونحمص من جديد ؟ قدرنا ان نكون مشاريع للاشتهاء . وقليلات منا من يجازفن بالخروج على القبيلة .هو قدرنا . وعلى هذا المنوال تسير الحياة في الوادي بطيئة مضجرة  حتى آخر العمر. 
الى اللقاء مع ارغفة جمر اخرى  ! 
قمت بإحراق الورقة هارسا رمادها المنقوع الى قلب المطفأة ، واستغرقت في نوم عميق ! 
 
سطعت شمس صباحية لاسعة على جدران غرفتي، وعثمان كومبو ما زال يغط بنوم عميق . داهمني غضب ساحق . خضضته بعنف : 
- استيقظ يا كومبو وانظر الى حصاد مبيتك عندي . 
فتح عينين حمراوين . هرع للنافذة . اطل من اضيق خرم : 
- ي اإلهي .. ! هلكت في يومك يا عثمان ..ليتك ايقظتني عند الفجر. 
- وهل انا ملاك نومك الوديع ؟! 
- اعذرني .. سببت لك الكثير من الأذى .. لم اكن اقصد أن .. 
تابعت حديثي مجففا وجهي قاذفا بالمنشفة للسرير : 
- اسمع . خروجك الساعة شبه مستحيل وفيه خطر علينا معا . لماذا اقحمتني في دوامة مشاكلك ؟ 
- والحل ؟ 
- ان لا تبارح هذا المكان حتى مقدم الليل . 
ارتديت ثيابي على عجل . نتشت ساعة فحص المرضى وجهاز الضغط وعبرت الشارع للمستوصف . انهمكت بفحص المرضى . تعمدت عدم تناول الغداء في البيت . عدت في الغروب .. ادرت اكرة الباب . وجدته وقد حرص على ارتداء بذلة من الصنف الذي اعتاد ابناء الواحات ارتداءه ،فقد تلثم بكوفية وزيادة على ذلك تمنطق بمسدس . لمحت في عينيه حزنا دفينا. اهوى بهيكله على يدي : 
- هلا غفرت لي .. 
رددت باقتضاب : 
- ليغفر الله لنا جميعا 
ثم قلت مضيفا : 
- سأتأكد من خلو الطريق .. 
تجولت ساعة حول البيت . كانت السماء مزدانة بملايين المصابيح . مصابيح زرق كبيرة الحجم شديدة التوهج، وكأني بها مدلاة من سقف تطاله يدا صبي . شقشقت انوار مصابيح واحة " الطروس" المجاورة وتمايلت اوراق الاشجار كأشباح في حفلة وداع . اقفلت الباب عائدا للداخل : 
- بامكانك الرحيل الآن .. 
لفّ كوفيته باحكام وغادر المكان في صمت . دوت اطلاقة . تلاها سيل من الاطلاقات من اتجاهين . ارتد عثمان على عقبيه الى داخل الغرفة وهو يلهث . طرق اسماعنا نداء منبعث من مكبرة صوت : - يا عثمان يا كومبو .. نعلم بأنك في بيت الدكتور . ننصحك بأن تسلم نفسك !  
بخفة افعوانية زحف صوب الشباك. اطلق النار من جديد . انهمر سيل من الرصاص . لُذت بركن الردهة. انتهى الأمر بأسرع ما يتوقعه المرء اذ سرعان ما نفدت ذخيرته . طلع عليهم رافعا يديه للأعلى . عبثا كنت ابحث عن سترتي . قرع باب الخروج . اطل وجه الهونالي : 
- هل انت بخير؟ 
اجبت بعد تردد : 
:- يبدو انني كذلك ! 
خرجنا معا .. 
اخفقت في تصور الكيفية التي اجتمع بها حشد المطاردين، وبمثل هذه السرعة القياسية . اختلطت في عتمة الخارج اصوات حاملي الفوانيس بجلبة اصحاب السيارات، وقد ادلقوا مصابيح انوار سياراتهم المبهرة على عثمان كومبو الملتصق بجدار البيت وهو يتلوى مذعورا مثل دودة . تعالت جلبة المحاصرين وارتفع جدالهم . كان بعضهم ينحني . يلقط حجرا ويرجم به عثمان . اما الآخرون فقد بدوا اكثر جرأة وأوغر صدرا . كانوا يدنون منه باصقين على وجهه ثاقبين قناعا من الاعتداد حاول عبثا ان يتمترس به وهم يهتفون : - الموت للفاسق ! 
دفع بهم الهونالي جانبا . اطلق صرخة مدوية .ران صمت ثقيل على المكان . هتف : 
- تعقلوا .. دعوا الأمر لمحاكمة عادلة ، ولكم ان تفعلوا به ما شئتم ان ثبت جرمه .. 
رويدا رويدا تفرقت الجموع احتراما لسن الهونالي ومكانته في القبيلة. من وسط الغمام- في اقصى الأفق – طلع قمر شاحب . تقدم احد الرجال , شد ذراعي كومبو الى ما وراء ظهره وأحكم الوثاق عليهما ومن ثم قذف به  كما يقذف بعجل يعد للذبح الى حوض اللاندروفر . كان ذلك الرجل عوام الفهري دون غيره.
تضاربت الأقاويل حول مصير عثمان كومبو . ثمة من قال إنه نال حكما بالبراءة حيث ثبت بالفحص الطبي كون الفتاة عذراء . وقيل إن الفهري تدخل شخصيا وذكر انه لمح الاثنين – ذات يوم – في وضعية غير لائقة وبهذا تركت شهادته اثرا سلبيا على حجم العقوبة التي صدرت بحق كومبو ، والتي كانت مقتصرة على ابعاده عن الواحة . وقيل ايضا ان الفهري غافل الجميع وقاد جماعة من الموتورين الى حيث كان عثمان محتجزا . اقتادوه الى مزرعة زيتون نائية .علقوه من قدميه بالمقلوب .. ويشفرة حلاقة عمدوا الى تشطيب عضوه التناسلي ومن ثم سقوا جروحه من ماء ملح اجاج وكومبو يصرخ ولا من مغيث !
لحين من الزمن أثارت سادية الفهري صدمة وإستياء لدى ابناء الواحة ممن جبلوا على معالجة الأمور بدون تعقيدات . رغم انهم جميعا كانوا مسرورين بالخلاص من جسم غريب من الواحة . 
بين الفينة والفينة قد يعن لأحدهم ان يذكّر الفهري بأسلوب معاقبته لعثمان كومبو : 
- ان كان ماقيل صحيحا .. ألم تكن قاسيا أكثر مما يجب يا عوام ؟! لقد قام المسكين على خدمتنا لسنوات وأكل من زادنا وملحنا .. 
يهز الفهري رأسه مرددا بتهكم خفي : 
- لا مناص .. ما بدأ بالملح لا بد وأن ينتهي بالملح ! 
 
ملاحظة: جرت مقتربات النص في إحدى الواحات الليبية القريبة من البحر ( م س).
 
* أديب من  العراق.