"خلف الشمس" رواية أولى لليمنية بشرى المقطري

د. حاتم الصكر*
 
الرواية الأولى للكاتبة اليمنية  بشرى المقطري"خلف الشمس"  تمثل الاهتمام بالموضوع السياسي وانعكاسه من خلال الأفراد  ضمن تنوع المشكلات التي تقدمها الرواية اليمنية الجديدة ، فهي  تتناول هماً سياسيا عبر ثلاثة أصوات تتناوب السرد  الذاتي، وتقتسم مساحة الرواية في حضور متزامن لا يترك فسحة بينها ؛لأنها – اي الشخصيات – تلتم حول حدث واحد وتراه من جهات متنوعة ومختلفة ، يوسف : استاذ ومناضل يحبط بهروب رفاقه ووقوعه في الاعتقال ثم مرضه النفسي ومكوثه في مستشفى الأمراض العقلية – بين إخوته المرضى - كما يقول ،مسترجعا احداث الوحدة بين الشطرين اليمنيين  وماقبلها وبعدها ، ويحيى: العسكري الذي يحرس يوسف بعد ان يحارب ويهرب ليبقى في المستشفى يراقب يوسف ويسجل تحركاته وينمو وعيه ليسأل ويحاول الحصول على يقين ، وزوجته التي يتدرج وعيها أيضا عبر رفضها له وتفكيرها في مستقبل وطنها  وقراءاتها ولجوئها إلى الكتابة كدواء ينصحها به طبيبها .والمدهش في الرواية القائمة على تناوب الأصوات هو استثمار الكاتبة للمونولوجات التي تقدمها  الشخصيات التي تتناوب السرد وتكمل كثيرا من الأحداث التي تبدأ في تداعيات شخصية اخرى غالبا ولكن من وجهة نظرها هي وانطلاقا من وعيها وقناعتها.وقد حافظت المقطري على النمو الحدثي متوازيا مع النمو في الوعي ذاته لدى الشخصيات وسارت بهم نحو اختيار مصائرهم : يوسف متبلدا بجنونه وهذياناته وألمه من خيانة رفاقه وتعذيبه على يد سجانيه وركونه إلى غياب العقل في رفقة (إخوته) المجانين، والجندي يوسف وقد تلخص عذابه وتركز يوم الاحتفال بعيد النصر فتقدم صوب الشيخ المتصدر للحفل يمشي ليقترب منه ولينتهي لأنهم عدوه من الخصوم الذين يرصدهم المخبرون.أما الزوجة فقد انتهت بالسرطان الذي أكل رحمها واضطرت للتخلص منه  في مستشفيات مصر والقت كل أوراقها وفحوصها في النيل ورضيت بما هي فيه: امرأة بلا رحم وبلا مستقبل ايضا حيث تخلت عن مخطوطة روايتها عن الأحداث التي شهدتها اليمن في حرب عام 1994  وألقتها في مياه النيل تعبيرا عن لاجدوى الكتابة إزاء العنت الذي نالها ولاحقها عبر حياة أبيها او سيرته التي تتكشف لها بين اوراقه فهو مناضل قديم خابت أحلامه بنظام اشتراكي عادل  وتخلى عنها ليموت في تعز. 
يصور السرد الروائي هنا حالة من الثبات ولكن التداعيات والاسترجاعات أعطت السرد ديناميكيته وساعدت على بناء شكل روائي يقوم على تناوب الاصوات الثلاثة ولكن من نقاط متعددة ذهابا وإيابا لإنجاز برنامج السرد المتمثل بالرفض لما جرى سياسيا لاسيما من وجهة نظر الثوريين الذين اردوا استكمال التجربة ،ولكنهم خابوا وانكفات أحلامهم فقد فر الرفاق كما يقول يوسف في احد هذياناته، وظل هو خلف الشمس  في سجن ومستشفى فاقدا لعقله ومحاكما مرحلة باكملها من خلال تشظيات وعيه وغيابه وعودته، فكأنه بذلك ينسج بكائية شخصية لكنها تمثل خيبة جيل باكمله.
 
*ناقد من العراق مقيم في أميركا.