ديوان أديب كمال الدين "حرف من ماء": بداية الشّعر نهاية القصيدة

Printer-friendly versionSend to friend
عبد الحفيظ بن جلولي*
 
يمثّل الشّعر فرح القراءة حين ينتهي كل فرح، واستشراف الأفق الإنساني حين تغطّي الغيوم سقف سماء البشر. ولم تكن نخبية الشّعر في تاريخ الثّقافة العربية متمثّلة في اهتمام الخلفاء بهذا الجنس الإبداعي الذي يمثّل "مستودع هذه الثقافة وتاريخها" كما يرى جمال الدّين بن الشيخ، والتي عكست مجموع الحدث التاريخي العربي ورمّمت كسوره عن طريق القافية المنتظمة..  لم تكن نخبية الشّعر سوى وسيلة من وسائل إنتاج الفرح داخل أروقة التفكير العربي، لإزاحتها نحو فعل الخيلولة المُمَوْسقة حتى تنسجم مع صمت الصّحراء المنتج للصّورة الوجودية العربية، ومن هذا الباب لم يكن ديوان "حرف من ماء" سوى تتمّة لهذا الفرح الشّعري الذي يشتغل على الخيلولة العربية المنتجة للصّورة الوجودية، فتحت العنوان الفرعي كُتب: "قصيدة حب طويلة"، لا ينتهي الأمر عند هذا المعنى المباشر، ولكن ما تحت العنوان يمنح شرعية السّؤال قوّتها، فلمن هذه القصيدة المطوّلة للحب، إنّ ما فوقها قد يمنحنا فرصة متواضعة للإجابة: إنّها للشّعر، الذي يمثّل الفرح العربي  حين ينتهي كل فرح، أي ما تعلّق بالصّورة الوجودية العربية.
 
الهويّة المحاصرة بالخطر 
يستند هذا السِّفر الشّعري على هاجس مركزي وهو الحروفية في مواجهة بناء القصيدة الشّامل، وكأنّ الشّاعر يريد أن ينهي بناء القصيدة كقيد ليبعث صرح الشّعر في المطلق، فلا يبقى من القصيدة سوى الحرف والنّقطة اللذان يؤسّسان للجسرية نحو الشّعر. إنّه الهدم المنتظم والواعي لبناء القصيدة كشكل مهيمن على التصوّر الحركي للشّعر، فالشّعر غير القصيدة، والديوان يعجّ بمعاني الحرف والنّقطة وفق دلالة مكثّفة تفضي للقارئ بشيء من معاني انحلال القصيدة، يقول في قصيدة "نعم، لا، ربّما":
 "أنفقتُ أربعين عاماً
 لأخلّصَ الحرفَ من العاطفةِ والسّذاجة"/ ص 59
 فالعاطفة المعرّفة بالسّذاجة ليست سوى القصيدة التي أصبحت خطرا على الحرف باعتباره مادّة الشّعرية، أو هوية الفرح العربي. القصيدة بناء مصمت يؤطر الوعي بالفرح الشّعري الأكبر من طنطنة القصيدة، فالحرف والنّقطة كلاهما يشكلان الهوية القائدة إلى الذّات وإلى الشّعر:
 "وأنكرَ الحرفُ علاقته بالنّقطة
 لكنّ النّقطة لم تنكرني
 فبقيتُ مذهولاً منتظراً أبد الدّهر".
 قصيدة حوار مع الفرات/ ص49
 يصمت الحرف، تندلع النّقطة كفرقعة رهيبة، جميلة، تلامس شيئا في كلام الشّاعر، فلا يجد مهربا من قبول الوقوف على حافتها، فيستسلم الحرف مسرورا مكلّلا بسرّ الذّهول والانتظار في الذّات الشّاعرة.
حين يشكل الشّاعر هويّة للحرف والنّقطة يصنع لهما المعنى المنتظر، أو جوهر فعلهما داخل منتظم الفرح الشّعري:
"الفرحُ فاء 
والحبُّ حاء
والسّعادةُ سينُ ساعةِ أفعى تفحُّ تفحّ.....
 يقرأ الجميعُ نقطتكَ
 ولا يحتارُ فيها أحدٌ سواك".
 قصيدة كنتُ وهماً فأصبحتُ حرفا/ ص76
 يفجّر هذا المقطع الشّعري مسند الحروف حين تشكل طرح المشهدية أو سيناريو الحركة الذي يجعل منها (الحروف) كائنات ترافق الشّاعر وتنتج ما يحيطه.
فضاء الشّعر.. فضاء الحرّية 
يرتبط الشّعر بالحرية لأنّ كلام الشّاعر منسجن في دواخله، ولا يؤسّس المعنى إلا حين يطلقه، لهذا ارتبط الشّعر بالحياة، بمعنى أنّ الصّحراء بالنّسبة للعربي أطلقت شرارة مقولاته الشّعرية انطلاقا من الاتساع وموسيقى الصّمت ومفردات الحرّية التي تقع بها وجوديا، والشّاعر لا يقع إلا بالمعنى الكامن في الحرف والنّقطة، ويحرّر الحرف والنّقطة في مقطع شعري:
 "لكثرةِ ما أحلمُ بلقائكِ
 ليلَ نهار، 
نبتَ لي جناحان من ريشِ الرّغبة
ونقاط الحروف"
قصيدة ذات اليمين وذات الشّمال/ ص11
 يحرّر الشّاعر الحرف والنّقطة من كيان القصيدة المهيمن، ويحيلهما على كينونة المرأة كموضوعة للحب، وفي هذا التّحرير تكمن انبثاقية الشّعر واضمحلال المعنى في القصيدة، وترجيعات الشّاعر تبني مفاهيم الشّعر والحرّية بين المنفى والوطن: "قلتُ للبحرِ: أريدُ أنْ أرجعَ إلى الفرات.
فتبسّمَ وقال:
 مَن يصل البحرَ لا يرجع إلى النّهر".
قصيدة حوار مع الفرات ص/48
 فالبحر هو ما وصل إليه ابن الفرات، والنّهر هو منطلقه، وما بين البحر والنّهر علاقة نشاز لا تنبعث إلا في صور المنفى الرّهيبة، فللبحر جماله لكن للوطن/النّهر سلطته، ويبقى الشّعر أحد البرازخ العريقة التي تربط الشّاعر إلى وطنه، فهو في مدينة الشّعر كائنا فراتيا رغم حصار البحر، لكن الشّاعر لا يشكل صورة المنفى إلا ليطرح رغبة ما تتشكل شعرا: 
"بعدَ أنْ شكوتُ للفراتِ محنتي الأسطوريّة،
 قال: لا أفهمك يا ولدي
 أنتَ حرفٌ وأنا نهر"
 قصيدة حوار مع الفرات ص47.
 يستعيد المنفيُّ مفردات هويّته التي من بينها المكان بكل تشكلاته الطبوغرافية ليبني كينونة متخيّلة في الحلم قريبة من الذّات بعيدة عن المنفى، ويبحث الشّاعر خلال ذلك عن وسيلة تقريبية تمنح الحروف قوّة الدلالة العابرة للذّات المختصرة في الوطن، المازجة بين كينونتي الأنا والوطن، ويصل المعنى في "أنت حرف وأنا نهر" بشيء من الرّغبة في الامتزاج، الالتحام، فالوقوف على الشّاطئ لا يمنح سوى غواية الانزلاق في الماء، وتلك قمّة التّعبير عن تشكلات الحرف في تدفّق الماء، بدلالة الوقوف عند حافة التدفّق، وقد يكون "حرف من ماء" هو الكيان الجديد المتجدّد الذي لم يرغب في المنفى/البحر فتوسّد ماء الوطن/النّهر، فصار ماء لا يجري إلا في سواقي الطّمي. 
ذات الشّاعر ذات الوطن/ مأزق الكينونة 
قلت إنّ هذا السّفر الشّعري، ينبني أساسا على تثوير بؤرة الشّعر وهدم بنية القصيدة كمعنى مستقر وثابت، وتقريبا كلية القصائد لا تخلو من إشارة إلى الحرف والنّقطة، وتكثيف هذه الإشارة يهدف إلى محو القصيدة كهيمنة وتحرير الشّعر كمطلق، وهذا المعنى يصله الشّاعر بارتفاقات معلنة بشفافية بالغة بما تمَثّله من تصوّرات فكرية/وجودية مؤرِّقة:
في مسلسلِ خساراتي التي لا تُحصى
لم يعدْ يعنيني أنْ أجدَ حلّاً لها.
 صرتُ مشغولاً فقط
 بإعدادِ الموسيقى التّصويرية".
قصيدة الدرج الطويل/ ص79
 أصبح الكون الوجودي منعكسا على مرايا الشّعر الخفية، وبطرح الشّاعر لموضوعة الخسارات الكبرى، يصير سؤال: هل الشّعر خسارات أو مسارات؟ ، وإذا كان الشّعر مسارات، فإلى مَ تؤدّي؟ على أساس أنّ الشّعر وعي، والوعي حسب هوسرل هو دائما وعي بشيء ما، وانشغال الشّاعر بالموسيقى التّصويرية، يكشف عن عنايته بما يمثل الرّمز وأجراس الذّات، التي أنهكها المأزق، مأزق الانكسارات والتحوّل القهري للذّات العراقية عبر مسارات هدمية طالت الوعي والواقع، فما يتعرّض له الوعي والكيان الجغرافي العراقيين من صدمات في الكينونة والجوهر، دفع الذّات العراقية إلى أن تماثل وعيها بالمأزق وتحاول أن تساير مسار التحوّل بإنتاجات ابتكارية كما هو ديدن العقل والوجدان العراقيين، ولعل بنية مسار انحلال القصيدة كهيمنة وابتعاث الشّعر كمطلق لدى أديب كمال الدين من خلال التركيز على النّقطة والحرف كعناصر جوهرية في الكينونة الشّعرية، يكشف عن مأزق الانكسار في وعي الذّات العراقية، فالقصيدة لا تمثل في النّهاية سوى سجن النقطة والحرف، والشّعر يؤسّس للحرية وانطلاق كيانية النّقطة والحرف، وبالتالي تَوْقُ الذّات إلى ما يمثله الشّعر في مطلقه وآفاقه المتحرّرة من الشّكل.
 
عود على بدء
هكذا يشتبك الوعي الشّعري العراقي مع ما استقرّ في أعماقه، تصوّراته وخيالاته سواء بشعور أو بدونه، والوطن أو الإنسان/المواطن أو الآخرقائم وبشدّة في ما تراكم من جروح دفينة تلقّاها العراقي منذ سومر وأكاد وبابل وآشور، وما تناثر من  مخيال الحدائق المعلّقة في الوعي الإنساني، والتي بقدر ما تعلّقت وحفرت في الزّمن تاريخ كينونتها محدثة الأعجوبة، بقدر ما احتار العراقي في كيفية التشبّث بعليائها ومحاولات الوصول إلى سماواتها في ظل انكساراته الرّاهنة على الأقل. هل استطاع الوصول؟
 تلك هي مفاصل الأزمة التي ترهن متعة السّرير إلى قيود القفص وكلاهما في الظاهر راحة وجمال:
 "هكذا خرجنا من القفصِ/السّجن.. 
 بعدَ أنْ تركنا بابَ السريرِ مفتوحا".
 قصيدة الوهم المجنون ص81.
 
 
(حرف من ماء، شعر: أديب كمال الدين، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان 2017. )
 
* ناقد جزائري.