ذاكرة الماء

بوشعيب العصبي* 

ذاكِرَةُ الْمَاءِ
لاَ يُحْيِيهَا سِوَى الْعَطَشِ
وَأَنَا شَرِبْتُ مِنَ الْغَمَامِ مَا يَكْفِي
لِأَعِيشَ مَرَّةً ثَانِيَةً
أَتَسَكَّعُ بَيْنَ الْكَلِمَاتِ،
أَتَحَرَّشُ بِاللُّغَةِ الَّتِي أَرْسَلَتْ ذَوَائِبَ الْمَجَازِ عَلَى ظَهْرِهَا، 
وتَجَمَّلَتْ كَالْمَلِكَاتِ!
وَحِينَ تَقَعُ الْعَيْنُ فِي الْعَيْنِ
أَسبح بِمَلاَبِسِي فِي عُذُوبَتِهَا
كَطِفْلٍ فِي الْخَامِسَةِ مِنَ الْعُمْر،
لاَ يَفْهَمُ مَعْنَى الْحُبِّ ،
لَكِنْ يَبْتَسِمُ بِوَدَاعَةٍ فِي وَجْهِ الْمَاءِ
 -
 
النَّهَارُ يتثَاءَبُ
وَهَذَا اللَّيْلُ الْجَائِعُ 
يَرْضَعُ إِبْهَامَ الصَّبْرِ
عَلَى فَخِذ  سَارِيَةٍ عَارِيَةٍ.
-
 
وهذه الأحلام الجائعة
خيول هاربة
ترعى أعشاب آخر الليل،
وَتلك الرِّيحُ صَرْصَرٌ
 تَصْفَعُ الْوُجُوهَ أَنَّى هَبَّتْ 
وهَذَا الْخَرِيفُ يَتساقط.
 أَصْفَرَ  كَالنَّكَبَاتِ..
لاَ شَيْءَ فِي الْيَدِ ،لاَ شَيْءَ
سِوَى بِضْعِ أُمْنِيَاتٍ.
-
 
بهذه العينِ الَّتِي سيأكلها التراب
رأيتهم  عِجافاً ،
تحت طَوَاقٍ سُوقِيَّةٍ غَبْرَاءَ، 
يمضغُون كِسْراتِ خوفٍ قديمٍ،
ينشرون من آجام الصمت اليتيم عكاكيزَ بكماء،
بها يتحسَّسون الطَّريق إلى القبر...
-
 
كُلَّمَا نَظَرْتُ بَعِيدًا فِي الْأُفقِ 
رَأَيْتُ الْأَرْضَ تُعَانِقُ السَّمَاءَ،
سَمِعْتُ حَدِيثَ السَّنَابِلِ عَنِ الْحَصَادِ  الْبَعِيدِ
لَمَسْتُ الْغُبَارَ فِي كَلِمَاتِ الْكَادِحِينَ 
مِنْ بُحَّةٍ فِي النَّظَرَاتِ

* شاعر من المغرب.