"ذبابة في الحساء" سيرة غنية مفعمة بالتأملات

Printer-friendly versionSend to friend
رحمن خضير عباس*
 
تزخر اللغة الإنجليزية بالمصطلحات التي تجعل المعنى الحرفي للجملة يختلف عن المعنى الْمُرَاد . او مايسمى بالاستعارة في لغتنا العربية. ورواية الكاتب اليوغسلافي الأصل والأميركي الجنسية  تشارلز سيميك  "ذبابة في الحساء"  تدخل في هذا الإطار من الاستخدام البلاغي ، والتي ترمز لاشياء وأحداث جسام تعرضتْ له سيرة حياته العريضة ، وليس فيها ما يوحي بأنّ ذبابة قد وقعت في حسائه. إن مرارة الاحداث وسخريتها تلك التي إكتنفت حياته منذ طفولته الى مراحل متقدمة من عمره، هي التي تضعنا امام رحابة المصطلح وكأنه قد وضع " شر البلية مايُضحك" عنوانا لسيرته. ولعل المترجمة  إيمان مرسال  وهي أستاذة للأدب الإنجليزي في جامعة ألبرتا الكندية قد أدركت فحوى العبارة الاصطلاحية ، وتركتها كما هي دون الدخول بالمعنى الاستعاري الذي يختفي وراءها. 
 ولقد جاءت روايته مكتوبة بمخيلة شعرية، تُدرك أهمية التفاصيل ومغزى الكلمات وأهميتها.وهو الذي يعشق التفاصيل ويعتبر أن  مايجعل الفن والذاكرة يعيشان هي التفاصيل " ورغم ان سيرته هي سيرة المخاض الأوربي خاصة والعالمي عامة، والذي كان يتهيأ لصراعات مفصلية وحروب كبرى لأنه عاش في أتون تلك الحرب العالمية الثانية وذاق مرارتها طفلا. وشهد الإبادات العرقية والعزل العنصري وظهور النزعات القومية المتمثّلة بالنازية والفاشية. وصراع تقاسم العالم الذي أدى الى كوارث الحرب والدمار. 
 ورغم ان سيرة الشاعر سيميك قد كُتِبَت بشكل روائي ، لكنه لم يلتزم بالتسلسل الزمني ، فنراه يسترسل في رسم لوحات من حياته ، بحيث تتفاعل الألوان أحيانا وتتنافر في أسلوب شاعري جميل يشد القارىء بقوة. 
ومع انه لايتناول الأحداث الجسيمة الا من خلال وقعها عليه وعلى عائلته ، لكن القارئ يُدرك فداحة ذلك العصر وقسوته لاسيما على الطفل سيميك. حيث تضطر أمه تحت ضغط الحاجة ان تقايض ملابسها بالطعام من دجاج وخنازير، فتقدم الى البائعين الغالي والثمين من ملابسها لكي تبقى وأطفالها على قيد حياة مدقعة الفقر. بينما  هرب زوجها جورج الى أميركا وطلب اللجوء هناك وهو بانتظار ان يلتحقوا به. تلك الأسرة المكوّنة من تشارلز وأخيه الأكبر وأمه  .
لقد سجّل لنا الكاتب أجمل التجارب مرورا بتجاربه المدرسية حتى تشرده في الشوارع وممارسة السرقة من المحلات.  لذلك حينما يتحدث عن الفلم الايطالي الشهير "سارق الدراجة" يستطيع ان يستوعب الألم الذي عصف ببطل الفيلم حينما سُرقت دراجته التي يعتمد عليها في العمل، فبدونها سيبقى عاطلاً وغير قادر على العيش ، هو وزوجته وابنه الصغير. وحينما ييأس  لاسترداد دراجته المسروقة ، يلجأ الى سرقة دراجة مماثلة ، ليقبض عليه متلبسا. لقد كان هذا الفيلم من أحب الأفلام الى سيميك الصغير.إضافة الى كونه كان مدمناً على مشاهدة الأفلام الرخيصة ومنذ أنْ كان طفلا يرى ان أفلام الكاوبوي الأميركية رغم رداءة افكارها لكنها تشدٌ المشاهد على عكس أفلام المعسكرات الشيوعية التي تقدم أفلاما فيها أفكار ومواعظ مثيرة للملل. 
 كما وصف المدرسة الابتدائية والمتوسطة وعدم تكيفه معها من خلال تغيبه. كما تحدث عن بعض الأطفال الأشقياء. (سنجة ) أكبر الطلاب المشاغبين،  القوي والمتمرد والذي يضرب كل الطلبة في دخولهم الى القسم. تحدث عن ألعاب الحرب مع الأطفال وكأنهم يقلدون الكبار في ساحات الموت ، وكيفية عثوره على خوذة ألماني قتيل وكانت مليئة  بالقمل حتى أصبح موضوعا للتندر والضحك من قِبَل الصغار والكبار 
قصة الكمنجة التي تجبره أمه على تعلم العزف عليها، وكيف ضاق ذرعا بها  لأنها كانت قديمة وثقيلة على طفل مثله، ينوء بحملها في الطرقات . فتعمد أن يضعها تحت الأغطية كي يكسرها اخوه الكبير أثناء قفزاته،كي تنكسر فتضطر أمه لشراء واحدة جديدة.  وفعلا نجحت الحيلة. ولكن أمه لم تستطع شراء كمنجة جديدة له لغلاء ثمنها. 
وتستمر معاناة الطفل سيميك حتى عندما يصل مع أمه وأخيه الى باريس بعد محاولات متعددة للهروب، حيث قبض عليهم الإنجليز وسلموهم الى اليوغسلافيين ثم تكررت محاولات الهرب عن طريق مهربين محترفين حتى باعت العائلة كل شيء. وحينما وصلوا الى فرنسا أخيرا   كمحطة للوصول الى أميركا ، تبدأ معاناتهم مع نظرة المجتمع الفرنسي  اليهم والى ملابسهم الرثة " بنطالي قصير للغاية ومعطفي لامثيل لغرابته ، كان نادلو المقاهي يعاملوننا كلصوص مُحتملين ". كما انهم كانوا يعانون من نظرة الآخرين لهم.
 " اليساريون متأكدون أننا فاشست، واليمينيون كانوا متأكدين أننا شيوعيون" . وفي فرنسا يتعلم اللغة الفرنسية التي جعلته يعشق الأدب والشعر الفرنسي. كما أنه وصف باريس في منتصف خمسينات القرن الماضي . 
  حالما يصلون الى أميركا كمهاجرين، تبدأ حياة أخرى. فقد استطاع وصف أميركا بقوله 
"كانت أميركا عظيمة في بشاعتها ". ولكنه إندمج مع المجتمع الأميركي ولاسيما في جوانبه الأدبية والشعرية. ولكن أمه التي عملت المستحيل للخروج من يوغسلافيا ترى " أنّ الأوربيين هم الأسمى  . كانت تفتقد أوروبا، أمّا أنا فلم أفتقدها".
 وقبل ذلك فهو يرسم شخصية والده جورج والذي يختلف عن أمه.  كان شخصا عابثا يهتم بأناقته وملذاته اليومية. ومع عوزه الدائم الا أنه ينفق آخر بنس في جيبه لتحقيق ولعه الكبير بالشرب والأكل. لقد كان أبوه بمثابة الصديق أكثر من كونه أبا . يقول انه يُحِبٌّ الحياة حتى انه حينما أشرف على الموت في آخر حياته، وحينما كان تحت العناية المركزة وطلبوا منه ماذا يريد طلب " بيرة وبيتزا" حتى ظن الأطباء بانه يهذي. كما يتحدث عن جده فيقولإانه اقنع الشرطة بالعمل معهم حينما طلبوا منه ان يدفع الضريبة. وحينما سلموه بندقية ذهب فورا الى أقرب بار.، وبعد أنْ ثَمِلَ طلب من العاملين ان يضعوا طاولة ويرقصوا. وأطلق الرصاص في الهواء وهو يصرخ
" لايمكن لرجل من أسرة سيميك  أن يكون غبيا لدرجة العمل مع البوليس".  .
كما يتحدث عن عمه ذي الصوت الأوبرالي الذي كان لايستغني عن الغناء. رغم ان صوته يزعج الطفل سيميك ولكنه كان يحقق له بعض المتعة.  لقد كانت شخوصه التي ارتبطت معه بصلات متعددة في غاية التميز والحدة والقدرات الاستثنائية. حتى أنها كانت متميزة في سلبيتها. 
 لقد أسهب في الحديث عن تجاربه في كتابة الشعر. وقد رافقته المشاعر بالمهانة والدونية التي أفرزتها الحرب، فيقول عن ذلك.
 " أغرب ما في الأمر، أنْ يقوم واحدٌ من فئران التجارب بكتابة الشعر " ورغم أنه أصبح شاعرا معروفا ومُبدعا حقيقيا  ولكنه كان ينتهز كل فرصة للنيل من قابليته . وكأنه عدو لنفسه في عملية جلْد الذات في الكتابة. فحينما يكتب أجمل القصائد يمزقها في اليوم الثاني ، معتبرا إياها 
" ثرثرة مملة ". وفي الحقيقة  انه في تأريخ الشعر لم ينتقص شخصٌ آخر قابليته الأدبية باستثناء تشارلز سيميك..   وهذا يدل على خصاله الإنسانية التي تُبعده عن حب الذات وإلقاء الأضواء عليها أو البحث عن الشهرة. لقد إنخرط في كتابة الشعر والذي أصبح هاجسه اليومي. كما أنه اصبح بديلا للمرأة التي لم نجدها في حياته ، سوى تعلقه بشاعرة تكبره بعشرين عاما ، والأنكى من ذلك أنّ تلك الشاعرة لم تحفل  لمشاعره، أو تهتم به .
 هل أحبها. أم أحبّ الشعر من خلالها؟  
ولعله كان أكثر صدقا حينما قال عن نفسه    "عندما يتعلق الأمر بالطعام أو الموسيقى أو الكتب فعندي ذوق راقٍ، ماعدا ذلك فأنا خروف".
كانت نيويورك حافلة بالشعر والأدب والحياة لذلك أحبها بإمتلاء. وقد تحدث عن الطعام  مثل العاشق. ويبدو ان حرمانه اثناء الحرب وفي فترة فرنسا جعلاه شرها في الطعام والشراب وكأنه قد ورث هاتين العادتين عن عائلته . رغم انه يقول عن الطعام الأميركي  : " الطعام الأميركي طعام أطفال ، لا أحد يستطيع مقاومته". ويحدثنا في أكثر من فصل عن هُيامه بالطعام. ومنذ ان كان زملاؤه في المدرسة يتخلصون من حسائهم. فقد كان يأكله بتذوق. وقد كان له مع أبيه في المطاعم عشرات الحكايات التي أوردها والتي تعبّر عن حبه للطعام والنبيذ. 
كما تحدث عن التجنيد الإجباري وتجربته في الجيش الأميركي خلف البحار وقد عاش فترة قاسية أثناء التأهيل ليكون عسكريا. 
" الهدف الأول للتدريب هو أن ترعب الجندي حدّ الخنوع.  ليس مهما ماقمنا به فيصرخون فينا مئات المرات في اليوم على أننا أغبى أبناء عاهرة خدموا في الجيش" .
في سيرته أراء جميلة وعميقة عن الإبداع. فهو يرى بأن كل الفنون تأتي من مأزقنا المستحيل الذي هو المصدر الأزلي لجاذبيتها. وقد انطلق من حكاية الأقوام البدائية في الأمازون الذين يحفرون حفرة عميقة كل سبع سنوات ويُنزلون فيها عازف الفلوت مع قليل من الطعام وبدون وسيلة للعودة فيقوم بالعزف حتى تسمعه الآلهة. " كما أن لديه آراء رائعة عن الحياة والنساء والنبيذ. كما ان حياته بحد ذاته- وفق السيرة – هي جملة من الانهماك في جوهر الأشياء فيقول 
" لقد فشلتُ في أنْ أصبح مزيفا "
وقد منحنا الكاتب فرصة للنفاذ الى جوهر الشعر وجمالياته من خلال استعراضه للكثير من شعراء تلك المرحلة. سواءً من الأميركيين او الفرنسيين او الأوربيين. عزرا باوند وويتمان واليوت وجون أشبري وكارل ساندبيرج ورابيليه وغيرهم من العشرات من الأسماء الذي يزخر بها النص. 
لقد جاءت رواية " ذبابة في الحساء" عملا فنيا متميزا. وتجربة عميقة لشاعر استطاع ان يخوض في وحل الحرب ووحل الفقر لينتجَ لنا أدبا إنسانيا متميزا.
إنها رواية ممتعة وسيرة حياة ، تحتوي على الكثير من المفاهيم والتجارب التي يتعرض لها الانسان في مراحل مختلفة من حياته ليخرج منتصرا في نهاية المطاف.
 
* أديب عراقي.