رائحة الخشب

Printer-friendly versionSend to friend
 صالحة هادي*
 
كانت طفولة وَطْفاء خشبية الرائحة، ماسكة شعرها من الخشب، قلادتها من الخشب، قاعدة حذائها من الخشب، غطاء عطرها من الخشب، أرجوحتها من الخشب، السرير الذي تنام عليه من الخشب، الباب الذي تستقبل به الشمس من الخشب..
حتى أن معلمتها ذات مرة سألتها: ماذا تحبين يا وَطْفاء؟
فقالت: أحب رائحة الخشب.
ليس غريباً أن تحب رائحة المطر أو رائحة الخشب أو  حتى رائحة الصدأ ، لكن الغريب أن تكون هذه الرائحة مصير حياة.
رائحة الخشب هذه قادت وطفاء لأن تحب نجاراً يُدعى محبوب. مباركة هذه الرائحة يا ليت لدينا رائحة محددة تقودنا نحو مصير معين حتى ولو كان هلاكاً.
ولا أجمل من رائحة الخشب لدى وطفاء  الآن سوى محبوب.
محبوب ذو الأخلاق والجمال اليوسفي، من رأته يلتفت قلبها إليه قبل بصرها، وصرف البصر ولا صرف القلب.
ثمة شيء وحيد تعرفه وطفاء الضمير المتوفى لوالدها، الإنسان حي بضميره فإذا مات الضمير لا فرق بين حي الجسد وميته.
والدها بحق يستحق الشفقة أكثر من العقاب، ويستحق الترحم على عقله وقلبه أكثر من روحه وجسده.
ما كانت تحتاج من أبيها غير إمضاء وقول بارك الله لكما وعليكما؛ لكن هذا لم يكن وأخذها لدروب شتى كل درب منها حاد النهاية.
وطفاء تعرف جيداً كم عمر هذا الحب وإلى كم سيعمر، تعرف أعداءه، تعرف مشجعيه، تعرف المتربصين به وبقلبها.
هذه المرة يقف بها القدر أمام خالها، وطفاء ليست بمفردها بل محبوب معها يطلبون سنة كونية شرعها الله وحرمتها العادات والتقاليد، زعمت أن خالها سينصفها بالقدر الذي تريده، أبدى خالها المساعدة وتوصل لشخص ذي جناحين من أجل أن يساعده في الأمر، أوضحت الأيام أن قلب ذلك الشخص من نفايات العباسيين.
لكن خالها ظل يفكر بمكر:
كيف لابنتنا وَطْفاء أن تحب باكستانياً، ولا تريد أن تأخذ منه مهراً ولا ذهباً ولا تريد حتى حفل زفاف؟!
ابنتنا الثروة صاحبة رقم 2 في قائمة الاحتياط لبرنامج الماجستير،
كثير هذا على محبوب.
تزامناً مع هذه المكائد الآمنة رأى محبوب حلما فأخبر به وطفاء. وطفاء ذات علم في تأويل الرؤى، عرفت بأن خالها وذلك الشخص يدبران مكيدة ما من أجل إبعادها عن محبوب، وإبعاد محبوب عنها فأوصته بقطع التواصل معهما.
الحمد لله طُوي هذا الدرب برؤيا وفُتح درب آخر بزاوية إلى جهنم.
من بوابة وزارة العدل.. من قائمة المحامين المعتمدين.. وليكن هذا المحامي
يا للدروب السوداء!
أقسم أن أسفل حذاء مطمور في مستنقع صرف صحي أطهر من قلب وعقل ذلك المحامي؛ وليذهب إلى الجحيم بقذارته!
استكثرت هذه الحياة على وطفاء، ومحبوب الحب بلا وصل.
أمام القضاء يمثلان وطفاء ومحبوب، يُحكم على محبوب بالترحيل المؤبد إلى الجهة اليسرى من بنية وطفاء الجسدية!.
 
* أديبة من السعودية.